ماهي الخيمياء؟ وماهي الحقائق حول هذه الممارسة

تاريخ الخيمياء وأشهر الخيميائيين:

لا يوجد مصدرٌ مؤكَّد لكلمة الخيمياء، فمن المؤرخين من اعتقد أن أصل الكلمة يعود إلى الكلمة المصرية القديمة “chem” أو “qem” والتي تعني أسود أو الأرض السوداء، فيما ردَّ مؤرخون آخرون الكلمة إلى الأصل الإغريقي “chyma” والتي تعني السبك والصهر، والتي يُرادفُها الكلمة العربية “Al Kimia” أي الكيمياء والتي اشتقت منها كلمة الخيمياء

بدأت الخيمياء في مصر القديمة ومن ثم انتقلت إلى اليونان، وكان للعرب دورٌ محوريٌّ في تطور الخيمياء، فقد تُرجمت كتب الخيمياء اليونانية إلى العربية واشتغل العديد من العلماء العرب في الخيمياء قبل أن تصل إلى القارة الأوروبية. ولا يسعنا ذكر أسماء جميع الخيميائيين، ولكن سنكتفي بذكر أشهرهم على الإطلاق؛ فمنهم الطبيب السويسري باراسيلسوس “Paracelsus” وكذلك الكاهن والراهب الألماني ألبرتوس ماغنوس “Albertus Magnus” ولعلَّه أمرٌ مفاجئٌ للبعض القول أن اسحاق نيوتن الفيزيائي الانكليزي الشهير كان هو الآخر أحد أشهر الخيميائيين. أما على الصعيد العربي الإسلامي فنذكر خالد بن يزيد والرازي وجابر بن حيان.

ولكن بامكانك أن تجد في القائمة على الرابط أدناه أسماء خيميائيين آخريين وبينهم عدد من العرب المعروفين.

هل الخيمياء حقيقة؟

ليس من الصّعب معرفة السبّب الذي حُكم جرّاءه على الخيمياء بالفشل، فقد كانت مبنيّة على فهم مغلوط لأساسيّات الكيمياء والفيزياء، بنى الخيميائيّون نظريّاتهم وتجاربهم على الفرض الأرسطوطاليسي القائل بأن العالم بكلّ ما يحتويه مكوّنٌ من أربعة عناصر أساسيّة هي الهواء والتّراب والنّار والماء، إلى جانب ثلاثة عناصر أخرى سمّيت العناصر الضروريّة، وهي الملح والزّئبق والكبريت، أمّا اليوم فنحن نعرف أنّ الكون يتكوّن من الذّرات والعناصر، ولمّا كان تكوين الرصاص وغيره من المعادن بعيدًا في الحقيقة تلك العناصر؛ فإنّ من غير الممكن التّلاعب بنسب هذه العناصر (غير الموجودة) لتحويل المعادن إلى ذهب.

رغم فشل الخيمياء؛ لم يكفّ النّاس على مرّ الزّمان عن ادّعاء حلّ الأحجية العتيقة، فقد انتشرت لقرون عديدة إشاعاتٌ بأنّ بعض الأشخاص اكتشفوا حجر الفلاسفة، ولكنّ بما أنّ الخلود كان إحدى مزاياه فإن موت مكتشفيه ينفي هذا الادّعاء، كما عيّن بعض الأغنياء خيميائيين لإجراء أبحاثٍ لصالحهم، دون أن يرى أيٌّ منهم عوائد هذا الاستثمار! انتشر الخيميائيّون الزّائفون بشدّة في العصور الوسطى لدرجةٍ وصفهم فيها العديد من الكتّاب والمشاهير، من ضمنهم الشّاعر بين جونسون وجوفري تشوسر.

رغم فشل الخيمياء؛ إلّا أنّ ذلك لا يعني أن الخيميائيّين كانوا على خطأ تامّ، فمع وجود معدّات فيزيائيّة حديثة، مثل مسرّعات الجسيمات، فمن الممكن حقًا صناعة الذّهب من عناصر أخرى، رغم ضآلة المقادير النّاتجة، وتكلفة التّصنيع الهائلة مقارنة بالكمّيات دون المجهريّة النّاتجة، والتي تفوق قيمة الذّهب بحدّ ذاته.

هل تحقق حلم الخيميائيين أم لا؟

منذ مئات السنين يكد الكيميائيون في مختبراتهم لإنتاج المادة الأسطورية المعروفة بحجر الفلاسفة.

فقد قيل بأنّ المواد الحمراء الشمعية الكثيفة التي افترضت سابقاً لها القدرة على القيام بالعملية التي أصبحت مرادفة لكلمة الخيمياء. إننا نتحدث هنا عن حجر الفلاسفة أو الأسطورة القديمة التي كانت تعمل على تحويل المعادن الأساسية كالرصاص إلى ذهب.

وكثيراً ما كان يتم نبذ الخيميائيين وطردهم باعتبارهم مشعوذين وبالرغم من ذلك قاموا بتمهيد الطريق للكيمياء الحديثة والطب. فقد طور كيميائيو القرنين السادس عشر والسابع عشر تقنيات تجريبية جديدة، وأدوية، واختراعات كيميائية أخرى كالأصباغ. يقول لورانس برينسيبي الكيميائي ومؤرخ العلوم في جامعة جونز هوبكنز: “إنّ الخيميائيين كانوا مخبريين جيدين لحد مذهل.”

اليوم أي بروفسور في الكيمياء الحديثة سيكون أكثر من سعيد لتعيين أحد هؤلاء الأشخاص كفنيين مختبر.

من هؤلاء الخيميائيين العالم الأيرلندي المولد روبرت بويل Robert Boyle والطبيب الرائد باراسيليسيوس Paracelsus السويسري المولد والفيزيائي الإنجليزي إسحاق نيوتن Isaac Newton.

لكن على الرغم من قوة الخيميائيين الفكرية وحنكتهم التجريبية الكبيرة بقي حجر الفلاسفة أبداً بعيد المنال.

المشكلة كما يقول برينسيبي تعود إلى أنّ الخيميائيين حتى الآن لم يعلموا أنّ الرصاص والذهب عناصر ذرية مختلفة حيث كان الجدول الدوري لم يزل بعيداً عنهم مئات السنين. ظنّاً منهم أنّ هذه العناصر مركبات هجينة وقابلة للتغير الكيميائي في التفاعلات المخبرية. وواصل الخيميائيون حلم الكروسوبيا chrysopoeia(رمزية تحويل المعادن لذهب) دون جدوى.

مع بزوغ فجر العصر الذري في القرن العشرين،أصبح أخيراً تحول العناصر ممكناً. في الوقت الحاضر علماء الفيزياء النووية يقومون بشكل روتيني بتحويل عنصر إلى آخر. يحدث في المفاعلات النووية التجارية كسر لذرات اليورانيوم كل على حدة لإنتاج نواة صغيرة من العناصر مثل الزينون والسترونتيوم فضلاً عن الحرارة التي يمكن تسخيرها لتوليد الكهرباء. يتم دمج نظائر الهيدروجين الثقيلة معاً لتكوين الهيليوم. (العنصر يعرف بعدد البروتونات الموجودة في نواته بينما تحدد نظائر عنصر ما بكمية النيوترونات).

لكن ماذا عن أسطورة تحويل الرصاص لذهب؟ في الواقع هي ممكنة، ولا تحتاج سوى مسرع للجسيمات ومصدر هائل من الطاقة، وتوقعات منخفضة للغاية بكم الذهب الناتج بنهاية العملية. فقد نجح العلماء النوويون منذ أكثر من 30 عاماً في مختبر لورانس بيركلي الوطني في ولاية كاليفورنيا في إنتاج كميات صغيرة جداً من الذهب ابتداء من البزموت الذي هو العنصر المجاور للرصاص في الجدول الدوري.

العملية نفسها تجري للرصاص ولكن تكمن صعوبتها الشديدة بعزل الذهب عند نهاية التفاعل،وهذا ما يقوله ديفيد موريسي وهو أحد العلماء الذين أجروا البحث من جامعة ولاية ميشيغان.

وأضاف أنه نستطيع استخدام الرصاص في التجارب، ولكننا نستخدم البزموت كونه يمتلك نظير مستقر واحد فقط. حيث الطبيعة المتجانسة للعنصر تجعل فصل الذهب من البزموت أسهل بكثير من فصل الذهب من الرصاص الذي يمتلك أربعة نظائر مستقرة معروفة.

رفع موريسي وزملاؤه سرعة حزم من نوى الكربون والنيون تقريباً لسرعة الضوء وذلك باستخدام مسرع جسيمات مختبر لورانس بيركلي الوطني ثم تمت عملية سحق للحصول على رقائق من البزموت.عندما تصطدم نوى الأشعة العالية السرعة مع ذرة البزموت ينفصم جزء من نواة البزموت تاركة خلفها ذرة متضائلة بشكل طفيف. قام بعدها الفريق بعملية غربلة خلال حطام الجسيمات، ووجدوا عدداً من الذرات المتحولة حيث فقدت ذرة البزموت أربعة بروتونات متحولة لذرة ذهب.

وإلى جانب البروتونات الأربعة، التفاعلات الناجمة عن الاصطدام قد أزالت من 6 لـ 15 نترون في كل مكان،منتجة مجموعة واسعة من نظائر الذهب؛ من نظير الذهب 190 الذي يمتلك 79بروتون و111 نيوترون، إلى النظير 199 الذي يمتلك 79 بروتون و120 نيوترون.قام الباحثون بنشر الموضوع في عدد مارس من عام 1981 في مجلة Physical Review C.

لمّا كانت كمية الذهب الناتجة صغيرة جداً قام موريسي وزملاؤه بتحديدها عن طريق قياس الإشعاع المنبعث من نواة الذهب غير المستقرة والتي تضمحل على مدار السنة.بالإضافة لنظائر الذهب المشعة المتعددة،من المفترض أن ينتج عن تصادمات الجسيمات كمية قليلة من نظير الذهب المستقر 197 وهو المادة الخام التي تصنع منها خواتم الزواج وسبائك الذهب ولكن بسبب عدم اضمحلالها لم يتمكن الباحثون من التأكد من وجود النظير. حيث يقول موريسي: “يجب الكشف عن النظائر المستقرة من خلال جهاز مطياف الكتلة.أعتقد أنّ عدد الذرات كان ولا يزال دون مستوى الكشف عنه بجهاز مطياف الكتلة.”

إنّ عزل كميات دقيقة من الذهب سيكون أكثر صعوبة عند استخدام الرصاص كمادة أولية،ولكن تحطيم النوى العالية السرعة داخل الرصاص المستهدف سيكمل في الواقع التحول الذي طال انتظاره. المتوقع بأنّ بعض التصادمات ستزيل 3 بروتونات من الرصاص وبروتون واحد من الزئبق لإنتاج الذهب. يقول موريسي: إنّه من اليسير نسبياً تحويل الرصاص والبزموت أو الزئبق إلى ذهب. والمشكلة تكمن في معدل الإنتاج الصغير جداً جداً والمال والطاقة وما هنالك من التجهيزات المنفقة التي ستتخطى دائما وإلى حد بعيد الناتج من ذرات الذهب.

عندما أجريت تجربة تحويل البزموت إلى الذهب عام 1980كلف تشغيل مسرع الجسيمات Bevalac مبلغ 5000$ في الساعة. وقد استغرقت التجربة حوالي يوم كامل أي ربما تكون كلفت هذه التجربة أكثر من مئة ألف دولار في ذلك اليوم. وقد كرمت جامعة ولاية أوريغون الكيميائي النووي والتر لوفلاند، أحد الباحثين في المشروع. وجلين سيبورج الذي حاز على جائزة نوبل في الكيمياء عام1951 لعمله مع العناصر الثقيلة، ومؤلف كتاب يتحدث عن الدراسة التي أجريت.

ويقال بأنّ تجربة إنتاج أونصة واحدة من الذهب (ما يقارب 28 غرام) قد كلفة كوادرليون دولار (ألف ترليون) وهذا ما أعلنه سيبورج لوكالة أسوسيتيد برس في ذلك العام. مع العلم أنّ سعر الأونصة في ذلك الوقت كان يبلغ حوالي 560$.

نعم في النهاية بأنّ حلم الخيميائي ممكن تحقيقه ويمكننا الآن أن نحصل على حجر الفلاسفة لنحصل على الذهب من المعادن الخسيسة لكن هل يا ترى هي عملية مجدية اقتصادياً وتستحق التجربة بعد معرفة التكلفة؟

إعداد: جمال علي

المصادر: 123

المزيد