كيف بدأت الحياة على الأرض؟ ومتى بدأت؟

ظلت هذه الأسئلة لغزاً عميقاً لفترة طويلة من التاريخ البشري ونحن نعلم بأن عمر الأرض يصل إلى 4.5 بليون سنة وأن البكتيريا قد تواجدت على سطح الأرض في وقت مبكر من ميلاد هذا الكوكب أي قبل 3.5 بليون سنة وبالإضافة إلى ذلك فأن نظرية التطور قد قدمت تفسيراً علمياً لتنوع الكائنات وتعددها من كائنات ذات خلية واحدة (بكتيريا) إلى كائنات متعددة الخلايا.

ولكن يبقى السؤال الأهم، من أين جاءت الخلية الاولى؟

نظرية الأيبوجينسيس:

وهي نظرية علمية تقدم تفسيراً لنشوء الحياة الأولية على سطح الأرض والتي تكونت بسبب البيئة السابقة لهذا الكوكب والتي ساعدت بدورها على تكوين ونشوء الحياة عليهِ.

الأرض القديمة:

تخيل معي الحياة البدائية لكوكب الأرض ..

براكين ثائرة، عواصف برقية، محيطات في حالة غليان، زلازل مستمرة، وجو مع مستويات عالية من الغازات السامة، كانت الأرض في هذه الحالة وأكثر !

بالإضافة إلى ذلك كان الهواء يتكون من تراكيز عالية من الميثان والأمونيا والهيدروجين وبخار الماء

إذن كيف ولماذا بدأت الحياة تحت هذه الظروف ؟

في أوائل الخمسينات تمت مناقشة هذا السؤال من قِبل العلماء باعتباره من الأسئلة المهمة والتي يجب الإجابة عليها وتقديم تفسيرٍ علمي لها.

تجربة ميلر:

في عام 1953 قام العالم الأمريكي ستانلي ميللر بتجربته الشهيرة بالتعاون مع أستاذه هارولد يوري في محاولة منهما لتفسير أصل الحياة وإثبات كيفية تكونها من خلال خلق شروط وظروف تحاكي تلك التي كانت عند بدء الكون، كانت التجربة تقوم على أساس تكوين نظامٍ مؤلف من كرة زجاجية تشبه الغلاف الجوي البدائي على الأرض والذي يتكون من الغازات التي ذكرناها سابقاً وهي الأمونيا الميثان الهيدروجين، وكرة زجاجية ثانية في الأسفل تحتوي على الماء المغلي وبخار الماء يتصاعد عبر أنبوب باتجاه الكرة الزجاجية الأولى.

بعد ذلك تم تمرير تيارٍ كهربائي لتوفير طاقة وبعد أسبوع من إجراء التجربة تكونت ثلاثة أحماض أمينية والتي تعد الحجر الأساس في بناء الحياة، وهذا بدوره يثبت إمكانية إنشاء موادٍ عضوية بالإعتماد على مواد غير عضوية من خلال العمليات الكيميائية تحت ظروف معينة تحاكي ظروف الأرض المبكرة.

إعتقد بعض العلماء بأن تجربة ميلر كانت غير دقيقة ولكن التجارب اللاحقة (والتي كانت أكثر دقة من تجربة ميلر) أكدت حقيقة الأمر وحققت نتائج مشابهة لتجربة ميلر حيث كانت المحصلة النهائية التجربة هي مجموعة من المواد العضوية (احماض امينية ودهون ونيوكليوتيدات).

الـ RNA جاء أولاً:

لسنواتٍ عديدة ظل النقاش قائماً بين العلماء فيما هل جاء الـDNA أو الـRNA أو البروتين أولاً؟

يعتبر الـ DNA كوسيلة أساسية لتخزين المعلومات الوراثية، والبروتين يعمل على تحفيز ردود الفعل، لكن الـ RNA يستطيع أن يعمل عمل الإثنين، فهو يعتبر بمثابة مكتبة جينية ومحفز لردود الفعل.

هذه القدرات التي يتمتع بها الـ RNA تجعله مرشحاً ليكون العامل الذي بدأت به الحياة على الأرض.

ولكن من أين جاء الـ RNA؟

في البداية دعونا نستعرض لكم الهيكل التركيبي للـRNA والذي يتكون من أربع قواعد نوكليوتيداتية وهي : الأدينين والجوانين والسيتوزين واليوراسيل.

هذه القواعد الأربعة تعتبر الحجر الأساس لبناء الـ RNA. وإذا تم تكوين هذه القواعد بشكلٍ تلقائي في الأرض المبكرة نظراً للظروف المحيطة في ذلك الوقت فإن جزءاً كبيراً من اللغز قد تم حلُه.

في الأونة الأخيرة تم تأكيد بأن بعض الجزئيات تستطيع تكوين جميع هذه القواعد الأربعة في حال توفرت أشعة الشمس أو الأشعة فوق البنفسجية.

الخلية الأولى:

في البداية دعونا نتكلم عن نوع من الجزيئات العضوية يسمى فيسفوليبد، فهو مكون من الفوسفات مع ذيلين من الدهن او اللبيد، والمميز في هذا الجزيئ هو أنه يتكون من طرفين، طرف محب للماء (السطح) وطرف نافر للماء (الذيل).

لو وضعت الكثير من الفوسفولبيد في الماء سوف يكون شكلا كرويا بشكلٍ تلقائي نظراً إلى صفاتهما الكيميائية التي تحتم عليهم اتخاذ هذا الشكل.

الفوسفولبيد بايلير أو الطبقة المزدوجة من الفوسفولبيد هي المكون الأساس لسطح كل الخلايا الحية الأن، وتستطيع أيضاً الكرة أن تنقسم إلى إثنين في حال كبر حجمها.

لو استطاعت جزيئات الفوسفوليبد بايلير أن تحيط وتحتوي جزيئات الـ RNA المصنعة طبيعياً فهذا يشبه الخلايا الحية البسيطة والـRNA كما ذكرنا سابقاً ليست مجرد شيفرة وراثية ولكنها تستطيع أن تعلم مثل الإنزيمات وهذه القدرة ساهمت في النشوء الكيميائي للوراثة والدليل على ذلك هو وجود عضو الرايبوزوم داخل الخلايا الحية، وهذا الجزء مكون من الـ RNA ولكنه يعمل عمل الإنزيمات ويساعد في ترجمة شيفرة الـ DNA إلى البروتين.

التجارب الأولى:

لمعظم التاريخ، لم يكن من الضروري حقاً أن نسأل كيف بدأت الحياة، بسبب أن الإجابة كانت تبدو واضحة.

كان معظم الناس قبل القرن التاسع عشر يؤمنون بـ”المذهب الحيوي” “vitalism”. وهي الفكرة البديهية التي تقول بأنه تم إعطاء الكائنات الحية ميزة سحرية خاصة جعلتهم مختلفين عن الأشياء غير الحية.

يمكن أن تكون جميع المواد الكيميائية التي توّلد الحياة مصنوعة من مواد كيميائية بسيطة ليس لها علاقة بالحياة.

غالباً ما كان المذهب الحيوي ملازماً للمعتقدات الدينية الغالية. يقول الكتاب المقدس إن الله إستخدم “نسمة الحياة (الروح)” لبعث الحياة في أول البشر، والروح الخالدة هي شكل من أشكال المذهب الحيوي.

هنالك مشكلة واحدة فقط، وهو أن المذهب الحيوي خاطئ كلياً.
إكتشف العلماء بحلول أوائل القرن التاسع عشر العديد من المواد التي تبدو فريدةً من نوعها بالنسبة للحياة. إحدى هذه المواد كانت اليوريا، وهي موجودة في البول، وقد تم عزلها في عام 1799.

كان هذا لا يزال متوافقاً مع المذهب الحيوي. حيث يبدو وأن الكائنات الحية وحدها هي من تستطيع صناعة هذه المواد الكيميائية، لذلك ربما تم غرسها مع طاقة الحياة، وهذا ما جعلها أمراً إستثنائياً.

لكن، وفي عام 1828، وجد الكيميائي الألماني فريدريش فولر “Friedrich Wöhler” وسيلةً لصنع اليوريا من مادة كيميائية شائعة تدعى سيانات الأمونيوم، والتي لا تمتلك صلةً واضحة مع الكائنات الحية. تبع الآخرون خطاه، وقد إتضح بشكلٍ سريع أن المواد الكيميائية المرتبطة بالحياة يمكن أن تكون مصنوعة من مواد كيميائية بسيطة والتي لا تمتلك أي صلةٍ بالحياة.

كانت هذه هي نهاية المذهب الحيوي كمفهومٍ علمي. لكن الناس وجدوا أنه من الصعب جداً التخلي عن هذه الفكرة. فقد قال الكثير من الناس أنه لا يوجد شيء مميز حول المواد الكيميائية المرتبطة بالحياة والتي تسلب سحر الحياة، حيث تقلل منّا لتجعلنا مجرد آلات. وهي أيضاً، بالطبع، تتناقض مع الكتاب المقدس.

لم يكن الناس وحدهم من يسعى للتمسك بالمذهب الحيوي، بل وحتى العلماء قد ناضلوا لإسقاطه. ففي وقتٍ متأخرٍ كالعام 1913، كان الكيمحيوي (الكيميائي الحيوي) الإنجليزي بنيامين مور”Benjamin Moore” يشجع بشدة نظرية “الطاقة الحيوية”، والتي كانت هي نفسها المذهب الحيوي لكن تحت إسمٍ مختلف. لقد كانت فكرةً قوية ومسيطرة.

اليوم، يتم التشبث بالفكرة بأماكن غير متوقعة. على سبيل المثال، هنالك العديد من قصص الخيال العلمي حيث يمكن فيها إنعاش أو إستنزاف “طاقة الحياة” لشخصٍ ما. فكِروا بـ”طاقة البعث” المستخدمة بواسطة الشخصية المسماة تايم لورد”Time Lord” في مسلسل دكتور هو “Doctor Who”، فهي من الممكن أن تصعد للقمة بإحيائها مجدداً إن كانت قديمة. يعطي هذا شعوراً بما سيحدث مستقبلاً، لكنها فكرة قديمة للغاية.

بعد عام 1828، لازال العلماء يملكون أسباباً مشروعة للبحث عن تفسيرٍ خالٍ من الإلوهية حول كيفية تشكّل الحياة الأولى. لكنهم لم يفعلوا ذلك. يبدو وكأنه موضوع من الواضح إكتشافه، ولكن لغز أصل الحياة في الواقع تم تجاهله على مدى عقود. ربما لأن الجميع كان عاطفياً جداً من ناحية التعلق بالمذهب الحيوي لكي يتخذوا الخطوة التالية.

أظهر تشارلز داروين أن كل أشكال الحياة قد تطورت من سلفٍ مشتركٍ بسيط.
بدلاً من ذلك، كانت نظرية التطور تمثل التقدم الكبير والمفاجئ في البيولوجيا في القرن التاسع عشر، حيث تم تطويرها بواسطة تشارلز داروين وآخرون.
أوضحت نظرية داروين، المبيّنة في كتاب أصل الأنواع “Origin of Species” الذي صدر في العام 1859، كيف أن التنوع الهائل للحياة يمكن أن ينشأ من سلفٍ مشتركٍ واحد، بدلاً من أن كل نوعٍ من الأنواع المختلفة قد تم خلقها بشكلٍ منفصل بواسطة الإله، فقد كان الجميع منحدراً من كائناتٍ بدائية عاشت قبل ملايين السنين: آخر سلفٍ مشتركٍ للجميع.

أثارت هذه الفكرة الجدل بشكلٍ كبير، مرةً أخرى، لأنها تتعارض مع الكتاب المقدس. فقد كان داروين وأفكاره تحت هجومٍ شرس، لا سيما من المسيحيين الغاضبين.
إن نظرية التطور لم تقل شيئاً عن كيفية مجيء الكائن الأول للوجود.

تساءل داروين عما إذا كانت الحياة قد بدأت في “بركة صغيرة دافئة” (حقوق الصورة: Linda Reinink-Smith/Alamy)
عَلِمَ داروين أنه كان سؤالاً عويصاً، ولكن – ربما شَعَر بالقلق من بدء معركةٍ أخرى مع الكنيسة – يبدو أنه فقط ناقش المسألة في رسالةٍ كُتَبَت في عام 1871. لكن لغته المنفعلة تكشف أنه عرف معنىً عميقاً للسؤال.

 

“لكن إذا (ويالها من “إذا” كبيرة) كان لنا أن نتصور بركةً صغيرةً دافئة مع كل أنواع الأمونيا والأملاح الفسفورية، -الضوء، والحرارة، والكهرباء، والكاربون المتواجد حالياً، حيث يتم تكوين مركب البروتين كيميائياً، ويكون جاهزاً للخضوع لتغيراتٍ أكثر تعقيداً…”

بعبارةٍ اخرى، ماذا لو كان هنالك في إحدى المرات مساحةً صغيرة من الماء، مليئةً بالمركبات العضوية البسيطة التي تسبح في ضوء الشمس. يمكن لبعض هذه المركبات أن تندمج لتشكيل مادة تساهم في تكوين الحياة كالبروتين، والتي بإمكانها أن تبدأ بعد ذلك بالتطور وتصبح أكثر تعقيداً.

لقد كانت فكرةً غير مفصّلة. لكنها من الممكن أن تصبح أساساً للفرضية الأولى لكيفية بدء الحياة.

ظهرت هذه الفكرة من مكانٍ غير متوقع. قد تعتقدون أن هذا النموذج الجريء من التفكير الحر قد تم وضعه في بلدٍ ديمقراطي: ربما مثل الولايات المتحدة. ولكن في الواقع، تم إختراع الفرضية الأولى لأصل الحياة في بلدٍ إستبداديٍ وحشي، حيث يتم قمع التفكير الحر فيه: الإتحاد السوفيتي أو ما يعرف باتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفيتية (USSR).

كان كل شيءٍ في روسيا في عهد ستالين تحت سيطرة الدولة. شَمِل هذا أفكار الناس، وحتى حول المواد – مثل علم الأحياء – والتي لا تبدو أن لها صلة بالسياسة الشيوعية.

أشهر ما قام ستالين بحظره عن الدراسة من قبل العلماء هو علم الوراثة التقليدي. وبدلاً من ذلك قام بفرض أفكار عامل مزرعة يدعى تروفيم ليسينكو “Trofim Lysenko”، والذي كان يُعتقد أنه أكثر إنسجاماً مع أيديولوجية الشيوعية. فاضطر العلماء الذين يعملون على علم الوراثة أن يدعموا أفكار ليسينكو علناً، أو المخاطرة التي تنتهي بهم في معسكر إعتقال.

قام ألكسندر أوبارين في هذه البيئة القمعية بإنجاز أبحاثه في الكيمياء الحيوية. لقد كان قادراً على الإستمرار بالعمل لأنه كان شيوعي الولاء: لقد دعم أفكار ليسينكو، وحصل حتى على وسام لينين، وهو أعلى وسام يمكن أن يناله شخص يعيش في الإتحاد السوفيتي.

نشر أوبارين في عام 1924 كتابه أصل الحياة “The Origin of Life”، وقد ذكر فيه تصوراً عن ولادة الحياة، والذي كان يشبه بشكلٍ مذهل بركة داروين الصغيرة والدافئة.

تخيل أوبارين ما كان عليه كوكب الأرض عندما كان حديث التكون. السطح كان ساخناً جداً، وقد هبطت الصخور من الفضاء على السطح واصطدمت به. لقد كان عبارة عن فوضى من الصخور المنصهرة، التي تحتوي على مجموعة كبيرة من المواد الكيميائية – من ضمنها العديد يرتكز على الكربون.

بردت الأرض في نهاية المطاف بما يكفي لتكثيف بخار الماء إلى ماءٍ سائل، وسقط المطر لأول مرة. قبل فترةٍ طويلة من إحتواء الأرض على المحيطات، حيث كانت ساخنة وغنية بالمواد الكيميائية المرتكزة على الكربون. الآن هذين الشيئين من الممكن حدوثهما.

أولاً، يمكن للمواد الكيميائية المختلفة أن تتفاعل مع بعضها البعض لتكوين الكثير من المركبات الجديدة، بعضها سيكون أكثر تعقيداً. إفترض أوبارين أن الجزيئات الرئيسية للحياة، مثل السكريات والأحماض الأمينية، من الممكن تكونهم في مياه الأرض.

ثانياً، بدأت بعض المواد الكيميائية بتشكيل بنىً مجهرية. العديد من المواد الكيميائية لا تذوب في الماء: على سبيل المثال، يُشكّل النفط طبقةً على قمة المياه. لكن عندما تتلامس بعض هذه المواد الكيميائية مع الماء تقوم بتكوين كريات تسمى coacervates، والتي من الممكن أن تمتد لـ 0.01 سم (0.004 إنش).

إن شاهدتم هذه الكريات تحت المجهر، ستجدون أنها تتصرف كخلايا حية. حيث أنها تنمو وتغيّر شكلها، وفي بعض الأحيان تنقسم إلى قسمين. كما يمكنها أيضاً أن تسحب المواد الكيميائية من المياه المحيطة، لذلك من الممكن أن تصبح المواد الكيميائية اللازمة للحياة مرتكزةً داخلها. إفترض أوبارين أن هذه الكريات كانت أسلاف الخلايا الحديثة.

وبعد خمس سنوات في العام 1929، إقترح عالم الأحياء الإنجليزي جون هالدين “J. B. S. Haldane” بشكلٍ مستقل بعض الأفكار المشابهة جداً في مقالٍ قصير نُشِر في الـ Rationalist Annual.

قام هالدين بالفعل بتقديم مساهماتٍ كبيرة لنظرية التطور، مساعداً بتكامل أفكار داروين بتنشئة علم الوراثة.

لقد كان شخصيةً غير عادية أيضاً. ففي إحدى المرات، قال أنه تعرض لثقبٍ في طبلة الأذن وذلك بسبب بعض التجارب مع غرف خفض الضغط، ولكن فيما بعد، كتب ما يلي: “عادةً ما تُشفى الطبلة؛ وإن بقي فيها ثقباً، وعلى الرغم من أن الشخص سيصبح أصماً بعض الشيء، سيمكنه نفخ دخان التبغ من الأذن عند حاجته، وهو ما يعتبر إنجازاً إجتماعياً”.

تماماً مثل أوبارين، أوجز هالدين كيف أن للمواد الكيميائية العضوية أن تتراكم في المياه، “[حتى] قدوم المحيطات البدائية نتيجة تماسك الحساء الخفيف الساخن”. مهّد هذا الطريق لـ”اول أو نصف الكائنات الحية” كي تتكون، وأن كلاهما يصبح محاطاً بطبقة رقيقة من النفط.

من بين كل علماء الأحياء في العالم، كان أوبارين وهالدين هما من إفترضا ذلك. فكرة أن الكائنات الحية قد تم تكوينها بواسطة وسائل كيميائية بحتة، بدون الإله أو حتى “الروح”، كان أمراً متطرفاً. فمثل نظرية التطور قبلها، فقد تحولت لمواجهة المسيحية.

لقد ناسب هذا الأمر الإتحاد السوفيتي. فقد كان الإتحاد السوفيتي ملحداً بشكلٍ رسمي، وكان قادته حريصين على دعم التفسيرات المادية للظواهر العميقة مثل الحياة. كان هالدين أيضاً ملحد، وكان شيوعياً مخلصاً أيضاً.

“يقول الخبير في أصل الحياة من جامعة أوسنابروك في ألمانيا، آرمن مولكيجانيان “Armen Mulkidjanian”، “في ذلك الوقت، يعتمد قبول أو عدم قبول فكرةٍ ما على الشخصيات: سواءً كانوا متدينين أو كانوا مؤيدين لليسار أو الأفكار الشيوعية”. ويضيف، “لقد تم قبول أفكارهما بسعادة بسبب أنها لم تكن بحاجة لإله. إن نظرتم للناس الذين يفكرون بهذا الإتجاه في العالم الغربي، فستجدون أنهم كانوا جميعاً يساريين وشيوعيين وهلم جراً.”

فكرة أن الحياة تشكلت في الحساء البدائي من المواد الكيميائية العضوية أصبح معروفاً باسم فرضية أوبارين-هالدين. كانت فرضيةً أنيقة وجذابة، ولكن كان هناك مشكلة واحدة. لم يكن هناك أي دليلٍ تجريبي يدعم هذا الأمر. وهذا لن يحدث لحوالي ربع قرن.

في الوقت الذي أصبح فيه هارولد يوري مهتماً بأصل الحياة، كان قد فاز بالفعل بجائزة نوبل للكيمياء لعام 1934، وساعد في بناء القنبلة النووية. عمل يوري خلال الحرب العالمية الثانية على مشروع مانهاتن، جامعاً اليورانيوم -235 غير المستقر اللازم لنواة القنبلة، بعد الحرب التي خاضها للحفاظ على التكنولوجيا النووية في السيطرة المدنية.

لقد أصبح مهتماً أيضاً في كيمياء الفضاء الخارجي، لا سيما ما حدث عند تشكّل النظام الشمسي في البداية. لقد أعطى في يومٍ من الأيام محاضرةً أشار فيها إلى أن الأوكسجين لم يكن موجوداً عند تشكّل الغلاف الجوي للأض في بادئ الأمر. هذا من شأنه أن يعرّض الظروف المثالية للحساء البدائي لأوبارين وهالدين لنموذج قد يتم فيه تدمير المواد الكيميائية الهشة من خلال الإتصال مع الأوكسجين.

كان طالب الدكتوراه المسمى ستانلي ميلر من ضمن الجماهير، وفيما بعد قام بسؤال يوري بالإقتراح: هل من الممكن أن يتم إختبار هذه الفكرة؟ كان يوري متشككاً، لكن ميلر تحدث معه في ذلك.

ولذلك، بدأ ميلر في عام 1952 محاولته في التجربة الأكثر شهرة حول أصل الحياة على الإطلاق.

كان إنشاء التجربة أمراً بسيط. قام ميلر بتوصيل سلسلة من قوارير الزجاج وقام بتوزيع أربع مواد كيميائية يُشتبه في أنها كانت موجودة في الأرض المبكرة: الماء المغلي والهيدروجين والأمونيا والميثان. وقد قام بإخضاع الغازات للصدمات الكهربائية بشكلٍ متكرر، لمحاكاة الصواعق التي كانت شائعة الحدوث على الأرض في ذلك الوقت.

وجد ميلر أن “لون المياه في القارورة قد أصبح وردياً بشكلٍ ملحوظ بعد اليوم الأول، وبحلول نهاية الإسبوع كان المحلول عكراً ولونه أحمر قاتم”. فقد كان بشكلٍ واضح، عبارة عن تكوّن خليطٍ من المواد الكيميائية.

عندما قام ميلر بتحليل الخليط وجد أنه يحتوي على إثنين من الأحماض الأمينية: الجلايسين وألانين. وتوصف الأحماض الأمينية غالباً بأنها لبنات بناء الحياة. فهي تُستخدم لتكوين البروتينات التي تتحكم بمعظم العمليات الحيوية في أجسامنا. وقد صنع ميلر إثنين من أهم مكونات الحياة، من نقطة الصفر.

وقد تم نشر النتائح في مجلة prestigious journal Science في عام 1953. وقد قام يوري بعملٍ أناني غير معتادٍ بين كبار العلماء، فقد قام بوضع إسمه في بداية الورقة، معطياً ميلر الحقوق في الأسفل. على الرغم من هذا، عُرفِت هذه الدراسة غالباً بأنها “تجرية ميلر-يوري”. يقول جون ساذرلاند “John Sutherland” من مختبر الأحياء الجزيئية في كامبريدج، الولايات المتحدة، “إن قوة تجربة ميلر-يوري هي في إظهارها أنه يمكنكم الإنتقال من غلافٍ جويٍ بسيط وإنتاج الكثير من الجزيئات البيولوجية”.

إتضح إن التفاصيل كانت خاطئة، منذ أن أظهرت الدراسات اللاحقة أن الغلاف الجوي المبكر للأرض كان مزيجاً مختلفاً من الغازات. وقد قال ساذرلاند، “لقد كانت التجربة شهيرة على نطاقٍ واسع، حيث حفزت مخيلة الجمهور ولا يزال يُستشهد بها”.

في أعقاب تجربة ميلر، بدأ علماءٌ آخرون في إيجاد طرقٍ لصنع جزيئاتٍ بيولوجية بسيطة من الصفر. حل لغز أصل الحياة بدا قريباً.

لكن فيما بعد، إتضح أن الحياة كانت أكثر تعقيداً من إعتقاد أي شخص. لقد إتضح أن الخلايا الحية ليست مجرد أكياس من المواد الكيميائية: لقد كانت آلات صغيرة معقدة. وبشكلٍ مفاجئ، تبيّن أن صنع أحدها من الصفر بدأ يصبح تحدياً أكبر بكثير مما كان يترقبه العلماء.

أدلة جديدة في أصل الحياة:

في بداية الأمر كان كل ما هو موجود عبارة عن مواد كيميائية بسيطة، والتي كانت المسؤولة عن ظهور الأحماض الأمينية – البنية الأساسية للبروتينات والضرورية لخلق وحيدات الخلية -لتصبح فيما بعد هذه الخلايا النباتات والحيوانات.

وفي آخر البحوث التي أُجريت في هذا الموضوع، تم الكشف عن مُكون بدائي ساعد في صناعة الأحماض الأمينية، والتي تدعهما فكرة تطور الكائنات من خلايا وحيدة الخلية وبإجماع العلماء، إلا أن كيفية تَجمُّع الأحماض الأمينية لتكوِن البروتينات ما زالت لغزاً يحير العلماء.

ولكن الآن إثنان من علماء جامعة North Carolina المخضرمين Richard Wolfenden ,و ـCharles Carter قاموا بالكشف عن النقاب لطريقة تحول هذه الأساسيات إلى الحياة قبل ما يقارب ٤ مليار عام.

“ لقد أظهر عملنا بأن العلاقة القائمة بين كل من الخصائص الفيزيائية للأحماض الأمينية، المادة الوراثية وعملية تَشَكُل البروتين كانت علاقة أساسية منذ البداية أي قبل ظهور أي جزيئات كبيرة ومعقدة بزمن طويل” يقول كارتر بروفيسور الكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية في كلية الطب في جامعة North Carolina ويضيف “إن التفاعل القريب هذا، كان المفتاح لبدء عملية التطور من الأساسيات إلى كائنات كامل”

كانت نتائجهم في بحثهم المشترك ذاتَ قدرة على مواجهة نظرية عالم الRNA والتي تنص بأن جزيء RNA ـ هو جزيء يلعب حالياً دوراً مهماً في ترميز، تنظيم وترتيب الجينات ـ فصل نفسه عن الأحماض الأمينية البدائية والمواد الكيميائية الأخرى لبناء أول بروتين قصير سُميَ بيبتايد ومن بعدها لصناعة مستعمرات وحيدة الخلية.

ناقش كل من ولفندن وكارتر بأن جزيء ال RNA لا يعمل لوحده، وفي الحقيقة ليس من المحتمل أن يكون الـ RNA قد قام بتحفيز تَكَوُن البيبتايد أكثر إنما قد حصل العكس (تحفيز البيبتايد لتَكَوُن ال RNA)

فهذا الإكتشاف يضيف بعداً آخر لكيفية تطور الحياة قبل مليارات السنين على الأرض.

قام المجتمع العلمي بتحديد والتعرف إلى أقدم سلف لكل الكائنات الحية الموجودة حالياً على الأرض، وقد عاش هذا السلف قبل ٣,٦ مليار عام، وسُمِيَ بلوكا LUCA، هذا السلف على الأغلب كان وحيد الخلية ولديه القليل من الجينات ما لا يتعدى بضع مئات، إلا أنه كان يملك مخطط عمل كامل لمضاعفة ال DNA، صناعة البروتينات ونسخ ال RNA، كما أنه إمتلك مكونات الخلايا الكاملة مثل الدهون ـ المتواجدة في الخلايا الحديثة ـ، وإنطلاقاً من لحظة وجود لوكا، فإنه من السهل تخيل كيفية تطور الحياة كما نعرفها اليوم

لكن ومع هذا فلا وجود لدليلٍ دامغ لكيفية نشوء لوكا من المواد الكيميائية المهتاجة بسبب الغليان والتي تَكَونت على الأرض بعد تَشكُل الكوكب قبل ٤,٦ مليار عام، هذه المواد الكيميائية التي تفاعلت لتُنتج الأحماض الأمينية والتي إستمرت لتكون البنية الأساسية في جميع الخلايا الحية في وقتنا الحالي.

“نحن نعلم الكثير عن لوكا وقد بدأنا في التعرف على الكيمياء التي أنتجت هذه البنيات الأساسية ولكن وبين هاذين الطرفين تقبع صحراء كاملة من المعرفة، فنحن لا نعلم حتى كيف يمكننا أن نقوم بإستكشافها” يقول كارتر.
إلا أن ورقة البحث الخاصة بالـ UNC تقدم نقطة مركزية في تلك الصحراء للبدء منها

“قام ولفندن بوضع الخصائص الفيزيائية للعشرين حمض أميني المعروفة، وقد وجدنا علاقة بين هذه الخصائص والشيفرة الجينية، وهذه العلاقة تقترح بأنه كان هناك شيفرة ثانية فتحت المجال لتفاعل البيبتيدات مع الـ RNA لتكون نقطة البداية في عملية الإنتقاء التي تجعلنا ذوي قدرة على تصور بدايات الحياة على الأرض”.

يضيف كارتر ولكنه عقب بأن جزيء الـ RNA لم يكن بالضرورة قد طور نفسه من المكونات البدائية، وعوضاً عن ذلك فإنه وقبل أن يكون هناك خلايا أصلاً، فإن إحتمالية وجود تفاعلات بين الأحماض الأمينية والنيكلوتيدات والتي أدت إلى نشوء كل من البروتينات وال RNA، هي الإحتمالية الأكبر.

نشوء التعقيد من البساطة:

يجب أن تكون البروتينات بشكل معين حتى تكون ذات فعالية كاملة، وفي بحث ل ولفندن، تم شرح قطبية كل من الأحماض الأمينية العشرين (كيفية توزعها في الماء والزيت)، بالإضافة إلى أحجامها وكيف أن هذه الخصائص تساعد في تَشَكُّل البروتين ـ عندما تقوم سلسلة متصلة من الأحماض الأمينية بترتيب نفسها لتُشَكِل مجسم ثلاثي الأبعاد، ذا وظيفة بيلوجية معينة.

“تجاربنا تشير إلى كيف أن قطبية الأحماض الأمينية تتغير بإستمرار عبر تغير درجات الحرارة لكن بطريقة لا تؤثر على العلاقات الأساسية بين كل من الشيفرة الوراثية وتَشَكُل البروتين” يقول ولفندن .

كان هذا مهماً للنشر لأنه وفي بدايات تشكل الحياة على الأرض كانت درجات الحرارة أعلى بكثير مما عليه عند ظهور أول نبتة وأول حيوان.

أوضحت سلسلة من تجارب الكيمياء الحيوية للأحماض الأمينية والتي أجريت في مختبر ولفندن أن كل من الحجم والقطبية كانت مهمة وضرورية لشرح كيف أن الحمض الأميني تصرف في البروتين المطوي “كامل الفعالية” وكيف أن هذه العلاقات بقت موجودة في ظل درجات حرارة أعلى قبل ٤ مليار عام.

أما الجزيئية الثانية من البحث والتي تعود لكارتر أوضحت كيف أن الإنزيمات والتي تسمى ب aminoacyl-tRNA synthetases والتي تنقل كل من ribonucleic acid ,و tRNA، فهذه الإنزيمات هي المسؤولة عن ترجمة الشيفرات الوراثية.

“ فكر ب tRNA على أنه محول، الطرف الأول سيحمل الحمض الأميني والطرف الآخر سيقوم بقراءة مخطط المادة الوراثية لذلك الحمض الأميني التي يحمله mRNA وكل إنزيم من ال aminoacyl-tRNA synthetases (مسرع الترابط) يرتبط مع أحد الأحماض الأمينية العشرين مع المحول الخاص بها، حتى يكون المخطط الوراثي في ال mRNA على قدرة لبناء البروتين الصحيح في كل مرة” يقول كارتر.

أوضح تحليل كارتر هذا بأن النهايات المختلفة لجزيء ال tRNA (و الذي يتخذ شكل حرف L في الإنجليزية) تحتوي على شيفرات مستقلة لها القدرة على إصطفاء أي الحمض الأميني الصحيح فالنهاية التي تحمل الحمض الأميني هي فعلاً تختاره حسب حجمه.

أما النهاية المقابلة والتي تسمى ب tRNA anticodon. والتي تقوم بقراءة الشيفرات الوراثية المحمولة على ٣ نيوكليوتيدات من ال RNA فتقوم بإختيار الأحماض الأمينية حسب قطبيتها.

تقتضي نتائج ولفندن وكارتر بأن العلاقة بين كل من ال RNA وخصائص الأحماض الأمينية (الحجم والقطبية) كانت مهمة جداً في بدايات الحياة على الأرض، ومن خلال تسليط الضوء على عمل سابق لكارتر والذي درس النواة الصغيرة والفعالة في tRNA synthetases والتي تسمى ب Urzyme.

يمكن الجزم بأن الإنتقاء حسب الحجم يتفوق على الإنتقاء حسب القطبية ما يعني أن البروتينات الأولية لم تتشكل بالضرورة إلى أشكال معقدة وأن هذه الأشكال تطورت في فترة لاحقة من الزمن، يقول كارتر “ترجمة الشيفرة الوراثية هي الرابطة التي تحول الكيمياء الما قبل حيوية إلى أحياء”
كما أن العالمين يؤمنان أن المرحلة المتوسطة لترميز المادة الوراثية يمكن أن تحل مفارقتين، وهما كيف تطور التعقيد من البساطة، وكيف أن الحياة أنتجت عنصرين مختلفين جداً وهما البروتينات والأحماض النووية

“في الحقيقة إن عملية ترميز المادة الوراثية تطورت إلى مرحلتين ناجحتين، الأولى وهي بسيطة للغاية لتصبح لربما السبب الرئيسي في معرفة لماذا كانت الحياة قادرة على التطور بالرغم من أن الأرض كانت لا تزال في بدايات وجودها” يوضح ولفندن

لربما كان لأحد الشيفرات السابقة التي استطاعت أن تربط بين البيبتيدات والـRNA القدرة على بدء ميزة الإنتقاء الحاسمة، وتحَوُل هذا النظام البدائي إلى الإصطفاء الطبيعي والذي أطلق وجود أنواع حياة مختلفة وجديدة.

يقول كارتر “العلاقة القائمة بين كل من ال RNA والبيبتيدات كانت مهمة جداً لظهور التعقيد بطريقة عفوية، ومن خلال منظورنا فإن العالم بات عالم البيبتيد والـ RNA وليس عالم RNA لوحده”.

إعداد: محمد علي

المصادر: 12345