هل تمارس التأمل؟ تعرف على التأثيرات المختلفة لكل نوع من التأمل على الدماغ

عندما نتحدث عن التأمل فلا شك أن الصورة الأولى التي تجول بذهنك هي الصورة النمطية لشخص غالبا ما يكون إمرأة تجلس القرفصاء مع أعين مغمضة وأيدي فوق الرقبة. إذا كنت تفكر في تجربة التأمل، قد تفكر في الجلوس بهدوء مع التركيز على أنفاسك والطريقة التي يشعر بها جسمك. ولكن هذه الطريقة ليست الوحيدة في ممارسة التأمل، فتماما مثلما توجد العديد من الطرق لممارسة الرياضة وكل تمرين رياضي يستهدف منطقة في الجسم فإن في التأمل أيضا توجد العديد من الطرق كل منها يستهدف أجزاء مختلفة من الدماغ.

ممارسة التأمل ولو لدقائق قليلة تساعد الإنسان على استعادة الهدوء والسلام الداخلي وهذا أمر يستطيع أي شخص ممارسته، فهو بسيط وغير مكلف ولا يتطلب أي معدات خاصة. كما يمكن ممارسة التأمل في أي مكان، سواء في البيت أو أثناء المشي أو طيلة ركوب الحافلة أو مدة الإنتظار في عيادة الطبيب أو حتى في منتصف اجتماع أعمال صعب.

لنفهم التأمل:

بدأت ممارسة التأمل منذ آلاف السنين وكان الهدف من التأمل في البدء تعميق فهم قوى الحياة المقدسة و الماورائية. أما اليوم، فالهدف من التأمل هو الاسترخاء وتقليل الضغط أي أن التأمل كان يعتبر وسيلة روحانية واليوم يعتبر أحد أنواع الطب التكميلي للعقل والجسم حيث ينتج عنه حالة عميقة من الاسترخاء والسكون العقلي. خلال عملية التأمل، يقوم الشخص بالتركيز ويتخلص من تدفق الأفكار المختلطة التي قد تتزاحم في ذهنه وتسبب الضغط النفسي.

هذه العملية قد ينتج عنها تحسين الحالة النفسية والعاطفية إذ أن عملية التأمل تساهم بطريقة مباشرة في فسخ المعلومات الزائدة التي تتراكم كل يوم مسببة الضغط وتوفرالشعور بالهدوء والسلام اللذان لا ينتهيان بمجرد إنتهاء جلسة التأمل بل إن الهدوء يتواصل طوال اليوم وهو ما يساهم أيضا في بناء مهارات جديدة في التعامل مع الضغوط وزيادة الوعي الذاتي وتقليل المشاعر السلبية.

درب دماغك على التركيز من خلال التأمل:

من بين الأخطاء الشائعة حول التأمل أن التأمل هو نفسه التركيز لكن الأمر معاكس تماما لهذا. التركيز ليس إلا مكسبا أو نتيجة يطورها العقل بعد التأمل إذ أن التركيز يتطلب جهدا في حين أن التأمل هو الإسترخاء الكلي للعقل وهذا الإسترخاء والراحة التي يجدها العقل في التأمل تساعده لاحقا في التركيز بشكل أفضل. في عام 2017, تم نشر دراستين من مشروع ذو ريسورس في معهد ماكس بلانك للعلوم المعرفية وعلوم الدماغ في لايبزيغ بألمانيا، وتم نشرهما في مرجع ساينس آدفانس وفي هذه الدراسات قام الباحثون بتدريب 300 متطوع من خلال 3 طرق مختلفة للتأمل ثم قاموا بتحليل نتائج كل طريقة تأمل مارسها المتطوعون ومدى وكيفية تأثير كل منها على الدماغ. دامت مدة تجربة كل طريقة ثلاثة أشهر متالية بصفة منتظمة.

إليكم إذا كيفية عمل كل تقنية ومدى تأثيرها على أدمغة المتطوعين:

التقنية الأولى: التأمل الموجه أو تقنية تنبيه الذهن

أطلق الباحثون على هذه التقنية إسم تأمل “الحضور” وتتمثل في تركيز الإهتمام ببساطة على الشعور بالتنفس وتوجيه التركيز إليه مرة أخرى بلطف كلما خرج عن هذا الإطار. كما قاموا بممارسة تمرين “فحص الجسم” حيث يركز هذا التمرين على الإحساس بوجود كل جزء من الجسم واحدا تلو الآخر، من أطراف أصابع القدمين إلى أعلى الرأس. كما قام المتطوعون بممارسة نفس هذه التقنيات في تمارين أخرى مشابهة مثل التركيز على الشعور بالسير أو كيفية الشعور بالرؤية والشم والتذوق.

و بعد نهاية التجربة التي دامت كما ذكرنا ثلاثة أشهر في ممارسة هذا النوع من التأمل تحديدا، وقع تصوير أدمغة المتطوعين بالرنين المغناطيسي لتقييم الإختلافات في هياكل الدماغ بعد التدريب.

إرتبط هذا النوع من التأمل أي تقنية تنبيه الذهن بصفة مباشرة مع سماكة قشرة الفص الجبهي وهي تتبع الجزء المسؤول عن السلوك الإجتماعي للأفراد وكذلك الفص الجداري وكلاهما مسؤول عن الإنتباه والإهتمام.

التقنية الثانية: تأمل التعاطف

أطلق الباحثون على هذه التقنية إسم تأمل “المحبة واللطف” و يشمل هذا التأمل كل شيء ذو علاقة بالشعور بالمحبة والرعاية لشيء أو لشخص آخر. يبدأ المتطوعون في كل حصة بالتركيز على أنفسهم ثم يمرون إلى التفكير في “فاعل خير” أي شخص يكون قد قدم لهم شيئا جيدا في حياتهم مثل الوالدين أو شريك عاطفي ثم يقومون بتمديد مشاعر المحبة والرعاية نحو أنفسهم وفاعلي الخير الذين فكروا فيهم.

في الحصص الموالية، قام المتطوعون بالعمل على توسيع هذه المشاعر من أشخاص يعرفونهم ومقربين منهم إلى أشخاص كانوا محايدين تجاههم ولا يكنون لهم أي نوع من المشاعر ثم نحو أشخاص كانوا يكنون لهم مشاعر سلبية وفي مرحلة أخيرة نحو كل كائنات الأرض.

يقول الباحثون “لتحقيق الإستقرار و تعزيز تجارب المحبة واللطف، وجهنا تعليمات إلى المشاركين للقيام ذهنيا بتكرار عبارات مثل “أتمنى أن تكون سعيدا”، “أرجو أن تكون بصحة جيدة”، “كن آمنا” و “أرجو أن يمر يومك بكل سهولة ” وكذلك طلبنا منهم التركيز على قبول مشاعرهم وما يحسون به أيا كان وأن لا يكونوا قساة مع أنفسهم وأن يغفروا لأنفسهم أخطاءهم.

شمل هذا النوع من التأمل كذلك تمارينا تضم الشريك. يتمثل التمرين في أن شخصا واحدا سوف يخبر الطرف الآخر عن شيء واجهه في ذلك اليوم سواء كان صعبا أو جعله يشعر بالإمتنان وركز الباحثون آنذاك كيف يشعر المتحدث في ذالك الوقت دون تفسير الوضع وكيف يشعر المستمع المنتبه دون إبداء رد فعل ثم تم عكس الأدوار.

و بعد نهاية التجربة التي دامت كذلك ثلاثة أشهر منتظمة في ممارسة هذه التقنية، أظهرت أدمغة المتطوعين من خلال كشف الرنين المغناطيسي زيادات في نظام الجهاز النطاقي، وهو المسؤول عن الإنفعالات والمشاعر والعدوانية والذاكرة والدوافع. كما كان هناك تأثير إيجابي واضح على الفص الجزيري وهو المسؤول عن الوعي الذاتي والإدراك.

التقنية الثالثة: التدريب على إتخاذ المنظور

في الجزء الأخير من التجربة، قام المتطوعون بممارسة منفردة مصممة لمساعدتهم على مراقبة أفكارهم كأحداث عقلية بدلا من تمثلات عن الواقع. في البداية، تدربوا على إعطاء تسميات لأفكارهم وإدراجها ضمن مثل “أنا” أو “أخرى” أو “الماضي” أو “المستقبل” أو “إيجابية” أو “سلبية”. و كلما تقدم المتطوعون في التجربة وازدادوا خبرة فإن الأمر يصبح في نهاية المطاف فقط مجرد مجيء وذهاب لأحداث عقلية لا إشتراك فعلي لهم فيها.

في هذا الجزء من التدريب كذلك كان لكل من المتطوعين شريك في التمرين بادئ الأمر، وقع تكوين كل المتطوعين عن مقاربة نظم الأسرة الداخلية والذي يقسم شخصية الفرد أي وعيه الذاتي وإدراكه إلى مجموعة من شخصيات فرعية وأجزاء مستقلة عن بعضها البعض لكل واحدة منها منظورها ورغباتها وذاكرتها.

وقد تم تطوير هذا النموذج من قبل ريتشارد شوارتز وهو باحث في علم النفس الإجتماعي والعلاج الأسري ويقسم شوارتز من خلاله الوعي البشري إلى أجزاء مثل “المسيرين” وهي الأجزاء في الوعي التي تحاول دائما القيادة والتوجيه وأخرى أسماها “المنفى” وهي التي تحاول حماية الشخص من الألم و أخرى أسماها بـ”رجال الإطفاء” وهي الأجزاء التي تتفاعل عندما يتم إيقاظ وتنشيط المنفى من أجل إخماد المشاعر السيئة والسلبية.

لنعد إلى التجربة، في التمرين الخاص بهذه التقنية الأمر مشابه للتمرين المستعمل في التقنية الثانية أي تأمل التعاطف لكن الإختلاف يكمن في أن سرد القصص هذه المرة سيكون من وجهة نظر أحد هذه الشخصيات الفرعية أو الأجزاء الداخلية للفرد دون إخبار المستمع ماهو الجزء المسؤول عن القصة وعلى المستمع إستنتاج ذلك بنفسه.

هذا ما ساعد السارد على تكوين نظرة شاملة وملمة بقصته من جهة ومن جهة أخرى ساعد على إستنتاج الجزء المسؤول من طرف المستمع.

لنعد إلى التجربة، في التمرين الخاص بهذه التقنية الأمر مشابه للتمرين المستعمل في التقنية الثانية أي تأمل التعاطف لكن الإختلاف يكمن في أن سرد القصص هذه المرة سيكون من وجهة نظر أحد هذه الشخصيات الفرعية أو الأجزاء الداخلية للفرد دون إخبار المستمع ماهو الجزء المسؤول عن القصة وعلى المستمع إستنتاج ذلك بنفسه.

هذا ما ساعد السارد على تكوين نظرة شاملة وملمة بقصته من جهة ومن جهة أخرى ساعد على إستنتاج الجزء المسؤول من طرف المستمع.

بعد إكمال التجربة وإجراء التحاليل الطبية اللازمة، تم ربط هذه التقنية مع السطح الوحشي للفص الجبهي والمنطقة اليسرى للفص القذالي وكذلك التلفيف الجبهي الأوسط وكل هذه المناطق من الدماغ مسؤولة عن نظرية العقل أو ما يسمى بتجربة سالي وآن وهي تجربة تستخدم في علم النفس التنموي وهي نظرية تجعل الإنسان قادرا على فهم الشخص لنفسه وفي نفس الوقت للآخرين وعزو حالاتهم العقلية بما فيها من أفكار وإدراكات ونوايا ورغبات وعواطف ومعارف ومعتقدات.

تنوع تمارين التأمل يفضي حتما إلى قوى عقلية مختلفة:

تانيا سينغر، باحثة رائدة تقول أن الناس لا يعرفون الفرق الحقيقي بين كل تقنيات التأمل وتأثيراتها المختلفة و يضعون التمارين كلها في سلة واحدة إسمها “التأمل”. الأمر مشابه أن تسأل خبيرا في الرياضة عن التمارين الرياضية الجسدية التي يحتاجها جسدك. أي جزء من جسدك يحتاج تمارين أكثر من غيره؟ ماهي نوع التمارين التي عليك ممارستها حتى تصبح في صحة أفضل؟ نفس الأمر تماما ينطبق على الرياضة العقلية التي هي التأمل.

ختاما إذا ما أردتم ممارسة التأمل، لا تبدأوا في ممارسة أي تقنية تعرفونها أو قرأتم عنها. عليكم أولا بتحديد أهدافكم من التأمل ثم إختيار التقنية المناسبة والمحققة لهذه الأهداف.

ترجمة: سبأ نفزي

المصادر: 1234