الأدب بوصفهِ مؤشرًا لزرع القيم من خلال دوره التهذيبي والتكويني

في طفولتي، وأثناء مراهقتي، الكتب انقذتني من اليأس والضياع، وهذا ما رسخ بداخلي أن الأدب هو اعلى القيم..

– سيمون دي بوفوار

واحدة من الأمور الاساسية والأكثر إحباطًا في النفس البشرية، هي أننا لا يمكن أن نفهم أنفسنا بشكل جيد للغاية. جانب واحد من العقل في كثير من الأحيان ليس لديهِ صورة واضحة عما يحدث حين تكون مستاء، قلق حول ما يجري أو مُتطلع إلى ما سيحصل. نحن نرتكب الكثير من الأخطاء جراء جهلنا الذاتي بأنفسنا. هنا تظهر قيمة الأدب في تقديم المساعدة، لأنهُ في كثير من الحالات، يعرف عنا أفضل مما نعرفهُ عن أنفسنا، ويمكن أن يوفر لنا صورة دقيقة عما يعتمل في أنفسنا أو يدور في اذهاننا ودواخلنا.

في بعض أفضل أعمال الثقافة والأدب، قد نتساءل كيف استطاع الكاتب أن يعرف بعض الأشياء الشخصية العميقة عنا؟ والأفكار التي تتكسر عادة بين أصابعنا الخرقاء عندما نحاول أن نأخذ قبضة منها عن طريق كتابتها، ها هي هنا مضاءة ومصفوفة بعناية؟ على سبيل المثال، معرفة الذات التي قدمها فيلسوف القرن السابع عشر، فرانسوا دو لاروشفوكولد يقول في أحد اقوالهِ المأثورة:

لدينا جميعًا القوة الكافية لتحمل مصائب الآخرين

هناك بعض الناس الذين لم يسبق لهم أن وقعوا في الحب، إذا لم يسمعوا بأن هناك شيء من هذا القبيل.

من المرجح أن نبتسم حين نقرأ بعض النصوص مع اعتراف فوري بأننا قد مررنا بذلك أو شعرنا بذلك أي ” أننا كُنا هنا أنفسنا” لكننا لم نستطع تحويل ما يعتمل داخلنا إلى شيء بهذهِ الاناقة ..! يمكن تشبيه الأدب بآلة عالية التقنية تساعدنا على التركيز على فهم أنفسنا والآخرين من حولنا. فالكاتب العظيم يحول الغموض إلى وضوحٍ خالص.

كلما قرأنا لمزيد من الكتاب، يزداد نمو فهمنا لعقولنا الخاصة. الكاتب العظيم يمكن أن يكون كمستكشف لزوايا جديدة، غامضة حتى الآن في الذات. بعض المستكشفين يستكشفون القارات، والبعض الآخر يقضون حياتهم لاكتشاف واحدة أو اثنين من الجزر الصغيرة، أو وادي أو نهر أو كهف. وهنالك من يكشف لنا المناطق المظلمة في دواخلنا وبخلاف ذلك سنتعثر في طريقنا لمعرفة العالم.

يوضح الشاعر الياباني ماتسو باشو المشاعر المصاحبة للوحدة, تولستوي يفسر طموحنا لنا، كافكا يجعلنا ندرك فزعنا من السلطة، كامو يرشدنا إلى عبثية وخدر أنفسنا كما أن الأدب يزيدنا معرفة بالطبائع البشرية، وهنا نذكر ما قدمه أدب الروائي الروسي ديستويفيسكي لعالم النفس فرويد وبخاصة روايته الأخوة كرامازوف؛ إذ ألهمته هذه الرواية نظريته النفسية المبنية على عقدة أوديب.

كانت كاتبة القرن العشرين الإنجليزية فرجينيا وولف تُعاني مرضًا. ولكن لأنها كاتبة وفي مهمة لتوضيح مشاعرنا لنا، بدأت – في مقال نموذجي يدعى “أن تكون مريضًا” – اوضحت أننا لا نميل إلى معرفة بوضوح ما هو الشعور بالمرض. نحن نقول أننا لسنا على ما يرام، أو لدينا صداع، ولكننا نفتقر إلى مفردات مركزة عن المرض. هناك سبب واحد كبير لهذا: هم المؤلفون الموهوبون الذين لم يكتبوا عن الشعور بالمرض.

وقالت وولف في مقالها: الإنجليزية، التي يمكن أن تعبر عن أفكار هاملت ومأساة لير، لا يوجد لديها كلمات لوصف الرعشة والصداع..! طالبة المدرسة، عندما تقع في الحب، لديها شكسبير أو كيتس ليتكلم عنها. ولكن حين يحاول مريض أن يصف آلام في رأسه إلى طبيب تجف اللغة ويعجز عن الوصف “. اتضح أن هذه واحدة من مهام وولف العظيمة كمستكشف أدبي. وصفت بدقة تامة ما يعني أن تكون متعب، على مقربة من الدموع، ضعيف جدًا لفتح درج، غاضب من الاصوات, أصبحت وولف كولومبوس المرض.

يقول الأديب اليوناني نيكولاي كازنتكيس: “الأدب يحول دون تفسح العالم”

اليوم، هنالك الكثير من الناس الذين يعتقدون أن قراءة ودراسة الأدب ببساطة ليست مهمة أو يقللون من قدرتها على اعطائنا معرفة كبيرة. أولًا وقبل كل شيء، الأدب يفتح أعيننا ويجعلنا نرى أكثر من ما يظهره الباب الأمامي. أنهُ يساعدنا على ادراك العالم الخارجي والبيئة المحيطة بنا. حينها نبدأ في التعلم، وطرح الأسئلة، وبناء حدسنا وغرائزنا فتتوسع عقولنا.

إن التاريخ والأدب متشابكين مع بعضها البعض. التاريخ ليس فقط عن صراعات السلطة والحروب والأسماء والتواريخ بل هو حول الناس أيضًا وحياتهم الخاصة. اليوم العالم ليس كما كان عليه في القرن الخامس عشر. تغير الناس إلى حد كبير. دون الأدب، لم نكن نعرف عن ماضينا، وعائلاتنا، والناس الذين جاءوا من قبل وطبيعة حياتهم. القراءة عن التاريخ، الأنثروبولوجيا، أو الدراسات الدينية يوفر وسيلة للتعلم عن الثقافات والمعتقدات الأخرى, كما تتيح لك الفرصة لإلقاء نظرة عميقة على أوجه الحياة المختلفة.

وأخيرًا كل الأدب، سواء كان قصائد، مقالات، روايات، أو قصص قصيرة، يساعدنا على فهم الطبيعة البشرية والظروف التي تؤثر على جميع الناس. يجعلنا نُدرك معنى التعاطف والشفقة، الثقة وتقبل النقص. يجعلنا ندرك أن النقص ليس دائمًا سيئًا وأن العادي يمكن أن يكون مملًا, وأن الحياة يجب أن تُعاش على أكمل وجه. نحن بحاجة إلى الأدب من أجل التواصل مع إنسانيتنا.

الكتاب الجيد يجعلك تفكر خارج حدود عقلك، ويجعلك تتعاطف مع الناس الذين خاضوا تجارب لم تعرف عنها، والتي تعلمك عن أشياء لم تكن لتدرك وجودها أو التعرف عليها بمفردك. الأعمال الأدبية العظيمة التي كتبت بصورة جيدة، تمنحك الفرصة للشعور بمشاعر الشخصيات التي تصفها، بعض الاعمال التي خلدها التاريخ بمثابة مرشد للمثل والقيم الإنسانية، التي من خلالها يفهم الإنسان حياته وحياة الآخرين.

على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد فينا

-فرانز كافكا

المصادر: 1 - 2