هل تعرفون مرض هنتنغتون أو “الرقّاص الوراثي”؟

مرض هنتنغتون هو مرض وراثي ينتج عن تدمير مبرمج لبعض أعصاب المخ والذي يحدث نتيجة لطفرة جينية محددة قد يتوارثها الأبناء عن الأباء المصابون، ويسبب تلف بالأعصاب مما ينتج عنه حركات لا إرداية في بعض العضلات، إنعدام الإحساس في مناطق أخرى.

هذا المرض قد تم اكتشافه في العصور الوسطى تحت مسمى ” الرقاص” وذلك لما يسببه للمريض به من حركات غير إرادية بنمط منتظم يشبه الرقص، ثم سمي بعد ذلك بـ ” الرقاص الوراثي” وذلك بسبب إصابة الأبناء للأباء المصابون بنفس الأعراض إلا أنه في العصر الحالي أطلق اسم هنتنغتون على المرض وتم اقتصار مسمى ” الرقاص” على العرض.

أسباب المرض:

نعرف جميعاً أنَّه توجد داخل نواة كل خليةٍ في جسمنا المادةُ الوراثية التي تُمثل كُتيّبَ التعليماتِ الذي بموجِبه ستعمل الخلايا وتنجزُ وظائفَها.

بنيةُ هذه المادة الوراثية هي الحمض النووي منقوص الأوكسجين الذي يُعرف اختصاراً بـ DNA وحقيقةً فإنَّ كُتيّب التعليمات هذا مكتوبٌ بلغةٍ خاصةٍ به مؤلفةٍ من أربعة أحرف فقط هي الأدينينA والغوانينG والستوزينC والثيامينT، وكلُّ ثلاثةِ أحرفٍ بترتيبٍ معين تُشفِّر لحمضٍ أميني واحد، فالـ CAG مثلاً تعطي التعليمات لصنع الغلوتامين، وتتالي ثلاثيات الحروف يُشكل لنا تتالياً لحموضٍ أمينية يتم خارج النواة -في عُضيَّة خَلوية تُعرف بالريبوسوم.ribosome.

وهي أشبه بالمصنع الذي يُنفِّذ التعليماتِ الواردةَ من النواةويجمع الحموضَ الأمينيةَ- التي صُنِّعَت وفق تسلسل الثلاثيات في الـDNA- لتشكيل بروتيناتٍ ذاتِ دور محوري في تنظيم الجسم وبنائه. وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أنَّ المادة الوراثية تتجمع على شكل وحدات تُسمَّى صبغيات Chromosome عددها عند البشر 23 زوجاً.

من الواضح حتى الآن لمن لم يطَّلع على هذه المعلومات سابقاً أنَّ دراسةَ المادةِ الوراثية أمرٌ واسعٌ ومعقد – وهذا أمرٌ يعرفه بداهةً من درسها- وسنكتفي بهذا القدر هنا ونعودُ إلى المرض الذي هو صلب موضوعنا: مرض هنتغتن.

تصنع الخلية بالاعتماد على الصبغي رقم 4بروتيناً يُسمَّى بروتين هنتغتن، وصراحةً فإنَّ العلماءَ لا يعرفون على وجه التحديد وظيفةَ هذا البروتين، وما يهم هنا أنَّ المورثةgene (مجموعةٌ من تتالي الثلاثيات مسؤولةٌ عن صنع بروتين) الخاصة بهذا البروتين تحوي تتالياً من الـCAG وهي الثلاثية التي تُشفِّر لصنع الحمض الأميني الغلوتامين.

في الحالة الطبيعية يحوي البروتين تتالياً من هذه الثلاثية يتراوح بين 10 إلى 35 تكراراً(وهو ما يقابل 10-35 جزيء من الغلوتامين مرتبط مع بعضه)، المشكلة التي تسبب داء هنتغتن هي أنَّ تكرارَ الثلاثيةِ CAG يبلغ أكثر من 35 إذ قد يصل إلى 120 تكراراً ما يؤدي إلى تشكيل مورثة طافرة، وبالتالي بروتين طافر يترسب في الخلايا التي تصنعه فيؤذيها، وطبعاً كلَّما زادَ التكرار، ظهر المرض بسنٍ مبكر أكثر وكانت أعراضُه وعلاماتُه أشد.

هذا المرضُ الوراثي ذو صفة جسمية سائدة Autosomal Dominant. قد لا يبدو مصطلحُ “سائد” واضحاً لمن لم يطلع على العلوم الوراثية قبلاً لكنَّ الأمرَ ليس بالصعب فنحن نملك كما قلنا 23 زوجاً من الصبغيات، وسببُ وجودها في أزواج أنَّنا نرثُ نصفَها من الأب ونصفَها المقابل من الأم (وهذه الصبغيات المتقابلة تحوي مورثاتٍ متقابلة)، والمقصودُ بالسائد أنَّ وراثة مورثة طافرة (أي مورثة معيبة وبالتحديد تعرَّضت لطفرة) واحدة تسبب المرض حتى لو كانت المورثة المقابلة سليمة، أما المرضُ الوراثي ذو الصفة الجسمية المتنحية فيجب أن يملكَ الإنسانُ نسختين من المورثة الطافرة كي يُصاب بالمرض.

الخلايا العصبية الأساسية التي تتضرر من هذا هي خلايا موجودة في بنى عصبية تُسمَّى النواة المذنبة Cudate nucleusوالبطامة Putamen وقشر الدماغ cerebral cortex، (ولنكون صريحين فإنَّ أسماءَ هذه البنى العصبية المذكورة قد تبدو غيرَ مفهومة للقارئ العادي، وهو معذور في ذلك فالتشريح العصبي من الأمور المعقدة التي لا يسعنا المقام لذكرها هنا، ولن نحتاجَ إلى التوسع فيها أيضاً).

الأعراض تختلف في البداية من شخص إلى أخر اختلافاً كبيراً ، وفي مايلي أشهر الأعراض التي تحدث مع المرض:

اضطرابات في المزاج:

العصبية، واللامبلاة – الإحباط – الغضب هذه الأعراض إما أن تقل حدتها تدريجياً مع تقدم المرض أو تحدث في صورة نوبات متفرقة.

اضطرابات في الوظائف العقلية:

ضعف الذاكرة – سوء الحكم والتصرف – صعوبات في قيادة السيارة – صعوبة في تعلم أشياء جديدة – صعوبة في إتخاذ القرارات ومع تقدم المرض يقل التركيز، ويصبح القيام بالوظائف العقلية والحسابية أكثر صعوبة.

حركات لا إرادية في أصابع اليدين، والقدم، عضلات الوجه أو الجذع: تشبه الرقص وتزيد حدتها عندما يكون الفرد مضطرباً أو ثائراً.

اضطرابات في الكلام، بل والوظائف الحيوية مثل صعوبة البلع ، المضغ، السير.

التشخيص:

يتم ذلك من خلال أخذ تاريخ صحي مفصل للوقوف على اعراض المرض، والتاريخ العائلي للمرض واجراء بعض الفحوصات التي تؤكد الاصابة بالمرض، و تشمل:-

تحليل الشفرة الوراثية ( DNA)- اكتشاف الجين المسبب للمرض، وذلك عن طريق أخذ عينة من الدم أو النسيج.

يستخدم تحليل الشفرة الوراثية أيضاً في المسح للكشف عن المرضى الذين لم تظهر عليهم أعراض بعد ولكنهم قد ورثوا الجين المسبب للمرض من أبائهم، وذلك للتشخيص المبكر، والبدء في العلاج.

بعض الفحوصات الأخرى مثل الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي: والتي قد تظهر ضمور في بعض المناطق بالمخ.

العلاج:

لسوء الحظ إلى يومنا هذا لا يوجد علاج يستطيع أن يمنع حدوث المرض، أو يوقف تقدمه، ولكن الإستراتيجية المتبعة هي كلما كان التشخيص مبكراً، كلما كانت النتائج مع العلاج المساعد أفضل. ولهذا فإن العلاج المتوافر حالياً هو علاج موجه للتحكم في الأعراض والقلة من حدتها قدر المستطاع، وبالأخص تلك الأعراض الخاصة بالمشاعر والمزاج والحركات اللارادية.

أمثلة للعلاجات المتاحة: العقارات المضادة للهلوس والاضرابات النفسية: مثل الهالوبريدول والتي تقلل اضرابات المشاعر وكذلك الحركات اللارادية.

المهدآت: مثل البنزوديزابينز والتي تقلل الاضرابات.

مضادات الاكتئاب: تلك العقاقير لها أعراض جانبية خطيرة ينبغي توخي الحذر عند أخذها ويكون تحت إشراف طبي كامل.

علاج واعد:

لقد تمكن علاج جديد لداء هنتنغتون Huntington’s disease من كبح فعالية الطفرة الوراثية المسؤولة عن المشكلات العضلية الحادة والارتعاشات اللاإرادية لعدة أشهر، من خلال تجربة أجريت على الفئران.

قام الباحثون بتجربة أصابع الزنك كعلاج لداء هنتنغتون لمدة أكثر من عقد حتى الآن، ومن خلال تعديل تركيب البروتين أطالوا فترة تأثير هذا العلاج من عدة أسابيع في 2012 إلى عدة أشهر. قام الباحثون في آخر تجربة بعلاج اثني عشر فأرًا لديهم داء هنتنغتون بإعطائهم حَقنة واحدة من إصبع الزنك.

واستُخدِمت صور مسح الدماغ لتحديد تقدم المرض بعد إعطاء العلاج، حيث وجد الفريق أن العلاج كبح ما متوسطه 77%‏ من تعبير الجين المصاب بالطفرة بعد ثلاثة أسابيع فقط. بعد ستة أسابيع، استمر كبح 61%‏ من تعبير المورثة غير المرغوب به، وبعد 12 أسبوعًا استمر كبح 48%. وفي الأسبوع الـ 24 استمر كبح 23%‏، وأعلن الباحثون أنه في بعض الفئران استمرت ملاحظة التأثيرات بعد ستة أشهر من إعطاء أول حقنة.

يضيف إيزالان: “إذا استمر كل شيء على ما يرام وحصلنا على مزيد من النتائج الإيجابية، سنتوجه إلى البدء بالتجارب السريرية خلال خمس سنوات لمعرفة ما إذا كان العلاج آمنًا وفعالًا عند البشر”.

ترجمة: أنمار رؤوف

المصادر: 123