ما هو العلم وراء الخوف

إذا ما استعرضنا قائمة أشهر الأفلام المرعبة في تاريخ السينما، نجدها تحتوي على أفلام تصدرت صندوق إيرادات السينما. قد تتساءل لماذا الأفلام في القائمة التالية حتى وإن كانت قديمة، لا تزال ذات شعبية كبيرة؟

ولعلك تتساءل أيضًا لماذا قد يدمن البعض على مشاهدة هذا النوع من الأفلام؟ هل أدمنوا الشعور بالخوف؟

ينشر موقع سي إن إن تقريرًا يتناول ذلك الشعور البشري بأنواعه. فالخوف لا يقتصر على مشاهدة الأفلام فحسب إنما يلجأ البعض لمغامرات كالسقوط الحر أو الرياضات الخطرة ليحصل على لذَّة الخوف.

يقول الكاتب إن مشهدًا من فيلم الرعب الكلاسيكي The Shining عام 19800، حيث يطارد «جاك تورانس» المختل زوجته وابنه قائلًا «سأستشيط غضبًا، وسوف أدمر منزلك»، ثم يحضر فأسًا محطِمًا باب الحمام قائلًا «ها قد وصل جوني»، يعد واحدًا من أكثر اللحظات المرعبة في تاريخ السينما، ومع ذلك يستمتع الكثيرون بمشاهدته مرارًا وتكرارًا.

ثم يتناول الكاتب شعور الخوف بشيء من التحليل، فالخوف سلوك تكيفي يجب علينا مساعدته في تحديد التهديدات، وهو المَلكة التي تتيح لنا نحن البشر النجاة من الحيوانات المفترسة، والكوارث الطبيعية.
المخاوف الغريزية

يولد البشر كافة بنوعين من الخوف الفطري، هما: الخوف من السقوط، والخوف من الصوت المرتفع.

يذكر الكاتب دراسات أثبتت أن هذين النوعين فطريَان، إذ قيمت دراسة أُجريت عام 1960 مدى عمق إدراك الأطفال الرُضَّع في عمر يتراوح بين 6 و14 شهرًا، وكذلك الحيوانات الصغيرة. وضع الباحثون الحالات محل الدراسة على منصةٍ – سطح منبسط – موضوع تحت حافتها زجاج إكريليك، من أجل معرفة كم من الحالات التي تُجرى عليها الدراسة سوف تخطو على ما سمي بـ«السفح المرئي»، إلا أن معظم الحالات سواء كانت أطفالًا أو حيوانات لم تخطُ فوق الزجاج. لذا، يعد الخوف من السقوط غريزة ضرورية لبقاء الكثير من الفصائل.

أما عن الخوف من الأصوات المرتفعة فيقول الكاتب إنه لدى سماعنا الأصوات المرتفعة تنحصر ردود أفعالنا في الكر والفر. وهو ما يُطلق عليه سيث نورهولم – المتخصص في علم الأعصاب التناظرية بجامعة إيموري – «منعكس الإجفال السمعي». ويفسر نورهولم ذلك بأنه إذا كان الصوت مرتفعًا بما فيه الكفاية «فإنك سوف تحني رأسك مسرعًا، فالأصوات المدوية عادة مفزعة، وذلك لأنها غريزة فطرية». ويعد رد الفعل هذا، إشارة على وجود خطر ما ربما يكون قريبًا.

المخاوف المكتسبة

يتطرق الكاتب للنوع الثاني: المخاوف المكتسبة، وهي باختصار معظم مخاوفنا كالخوف من العناكب، والأفاعي، أو الظلام -وتُعرف بالمخاوف الطبيعية، وتنشأ في سن مبكرة، من خلال التأثر بالبيئة المحيطة والثقافة السائدة. لذا، لا يخاف الأطفال الصغار بطبيعتهم من العناكب، إنما يكتسبون تلك المخاوف من نصائح آبائهم. ويقول نورهولم «إنك تحصل على الدلائل من والديك ومن بيئتك، أنك لابد أن تخاف من هذه الأشياء».

وعلى الرغم من أن الخوف في حد ذاته مكتسبٌ، يبدو أن الإنسان لديه استعداد للخوف من أشياء بعينها، مثل العناكب والأفاعي، وذلك بسبب التطور. يقول نورهولم «بالعودة إلى موروثاتنا، نجد أن الأطفال تعلموا ألا يلتقطوا الأفاعي والعناكب لأنها سامة».

اقرأ أيضًا: صناعة الخوف:

الاستراتيجيات العشر للحكومات لنشر الخوف في صفوف الجماهير

إذ يذكر التقرير ما توصلت إليه بعض الدراسات أنه عندما طُلِب من أطفال في سن ما قبل المدرسة وكذلك البالغين التقاط العناكب والأفاعي من بين مجموعة من الصور، كان رد فعلهم أسرع من رد فعلهم عندما طُلب منهم التقاط أشياء لا تمثل تهديدًا – مثل الأزهار – من نفس مجموعة الصور. ويعتقد أن ذلك يرجع إلى التحفيز الذي وجهناه لهم طوال الوقت.

يضيف التقرير أنه كلما تقدمنا في السن، يتطور الخوف لدينا بسبب التلازم والارتباط. يقارن نورهولم ذلك بالمحاربين الذين نجوا من انفجار عبوة ناسفة كانت مُخبأة في حقيبة تسوق. إذا ما أُعيد تكليفه بالقتال في مكان ما، ورأى حقيبة تسوق أخرى، «فسوف يكون رد فعله الشعور بالتهديد والفزع. فما حدث هنا هو الربط بين المثير في الوضع الراهن، ومحصلة الخوف».

وهو نفس رد فعل الطفل الذي يخاف من زينة عيد القديسين – الهالوين – بالضبط. يقول نورهولم «إن الأمر يتعلق بالسياق». فالطفل الصغير قد لا يعرف أن الهيكل العظمي شيء مخيف، حتى يعيد والداه على مسامعه مرارًا وتكرارًا كيف أن الهيكل العظمي شيء مرعب.

كيف يعالج المخ الخوف؟

عندما نتعرض لشيء مخيف (المثير)، يكون رد فعل المخ حينها الكر أو الفر. على سبيل المثال، إذا رأيت ثعبانًا أثناء ممارستك الركض، فوفقًا لنورهولم، هناك طريقان لردود الأفعال أمام المخ، ويبدأ بهما المخ في نفس اللحظة.

يذكر التقرير أولهما الأسرع: «الطريق السفلي»، وهو الناتج عن أنظمة المخ الحسية الموجودة في اللوزة الدماغية، وهو «ما تراه وتشمه وتسمعه»، ومن ثم تُرسل الإشارات إلى المخ، أن هناك شيئًا يدعو إلى الخوف. ويزداد إفراز هرمون الأدرينالين الذي يحث ضربات قلبك على الخفقان بسرعة، ويسبب تعرق الجسم.

وفي نفس الوقت تقريبًا، هناك الطريق الثاني الأبطأ: «الطريق العلوي». يقول نورهولم «يكون ذلك من خلال أعلى مركز قشرتك الدماغية. إذ يحدثك قائلًا لقد رأيت ذلك النوع من الثعابين من قبل، ولا داعي للقلق».

فيرسل إلى الهايبوتلاموس – الوطاء – المرتبط بالجهاز الحوفي المسؤول عن الوظائف الانفعالية في جسم الإنسان – كالشهوة والغضب والحب والخوف والحسد – بوقف شعور الخوف. وبالتالي، يمكن النظر إلى تلك الآلية على أنها استجابة عقلانية تتخطى الطريق السفلي الذي أرسل إشارة حسية للمخ بالهلع. ومن ثم يقرر العقل هل يهلع ويفر سريعًا من الخطر، أم أن المثير لا يمثل خطرًا ويتوقف عن الخوف.

إدمان الخوف/ الإثارة؟

يقول نورهولم «هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن السعي وراء الإثارة يشبه أي شيء ممتع، كالمقامرة أو تناول الطعام، ويؤدي إلى إفراز مادة الدوبامين». يُعد الدوبامين ناقلًا عصبيًا يساعد على التحكم في مراكز المتعة والتقدير في المخ. ويضيف نورهولم «نعلم جميعًا أنه كلما كافأت شيئًا، منحك المزيد».

وكلما كثف الساعون وراء الإثارة من بحثهم عن السلوك الخطير، تصبح قدرتهم على سلوك الطريق العلوي القشري -وتخطي الطريق الأساسي الحسي – أفضل، ومن ثم يجدون السياق العقلاني الذي يجعل من سلوك البحث عن الإثارة غير خطير. يقول نورهولم إن لاعبي الرياضات الخطرة يعدون أكبر مثال على ذلك، فهم يداومون على سلوكياتهم الخطرة لأنهم في كل مرة يقومون بذلك، يخرجون سالمين.

هناك بعض الناس الذين يستمتعون حقًا بكونهم خائفين. يقول عنهم جلين سباركس – أستاذ الاتصالات بجامعة بوردو، والمتخصص في التأثير الإدراكي والعاطفي لوسائل الإعلام، وفي أفلام الرعب على وجه التحديد – «نعلم جميعًا أن هناك بعض الفروق الفردية الأساسية في مدى غرابة الناس».

اقرأ أيضًا: الخوف آلية بقاء

يقول سباركس إن «بعض الأشخاص غريبي الأطوار للدرجة التي تجعلهم يسعون وراء تجارب غاية في الخطورة». وعندما يجربون ذلك النوع من الخبرات، «تفرز أجسامهم الأدرينالين بغزارة». وقد شبَّه هنا سباركس الذين يستمتعون بمشاهدة أفلام الرعب، بأولئك الذين يحبون ركوب الأفعوانية الدوارة.

يضيف سباركس أيضًا أن البحث عن الإثارة فيه تحيز جنسي؛ «فالرجال شُكِلوا اجتماعيًا على ألا يُظهِروا علامات التَفَجُّع بل يتحدونها. بينما الإناث، مُتَقَبَلٌ اجتماعيًا إظهارهن لعلامات الفزع».

جدير بالذكر أن التقرير أشار إلى بعض الدراسات التي أكدت أننا نستطيع التغلب على بعض مخاوفنا من خلال التعرض لها باستمرار. ويقول سباركس إنه من خلال تعريض أنفسنا المستمر لمخاوفنا، سواء كانت رياضات خطرة، أو أفلام رعب، أو أفاعيَ وعناكبَ، سوف يزداد تحملنا لها.

ولكن تذكر، الشعور بالخوف ليس دائمًا شيئًا سيئًا. لطالما كان الخوف آلية النجاة للبشر لملايين السنين.

ترجمة: جمال علي

المصادر: 1