إليكم القصة الحقيقية وراء انهيار حضارة جزيرة القيامة الغامضة فهم لم يدمروا جزيرتهم!

لفترة طويلة، لم يكن من السهل التبيّن ما إذا كان سكان الجزيرة الأصليين يرجعون لأمريكا الجنوبية أم لبولينيزيا، ولم يكن من السهل أيضًا تفسير المفارقة الجلية والتي تكمن في تماثيل الـ”مواي” الصخرية الضخمة، فبناؤها وتصميمها ونقلها يُعد إنجازًا حضاريًا كبيرًا، ولكن كيف وجدت هذه التماثيل على أرض جزيرة مجدبة تفتقر للموارد ولسكان يقومون بعمل بارع كهذا؟

ولطالما تساءل الأنثروبولوجيون عما إن كان حقًا بوسع سكان الجزيرة، والذين كانوا أناسًا بسطاء على ما يبدو، إنتاج أعمال في مثل هذا التعقيد الثقافي، أم ربما كانت هذه التماثيل من صنع شعوب أكثر تطورًا جاءت من الأمريكيتين، ومن بعد ذلك دمرت تلك الشعوب بالكامل الموارد البيئية التي كانت تزخر بها الجزيرة يومًا ما؟

لقد أصبحت جزيرة “رابا نوي” عبرة لأنانية البشر وأخطار تدميرهم البيئة، وذكر الجغرافي “جاريد دايموند” في فرضية إبادة البيئة الطبيعية (Ecocide) التي وضعها جزيرة “رابا نوي” كبرهان على أن كل مجتمع محكوم عليه بالهلاك إن لم يتفكر فيما يفعله.

ولكن 60 سنة من الأبحاث الأثرية قد أظهرت في الواقع صورة مختلفة جدًا، وفي الوقت الحاضر تقوم بيانات جينية جديدة بتسليط المزيد من الضوء على الجوانب المغيبة من تاريخ “رابا نوي”.

إن فرضية إبادة البيئة الطبيعية مبنية على ادعائين رئيسين: الأول، تقلص عدد سكان الجزيرة من عشرات آلاف السكان أيام كانت الجزيرة في أوجها ليصبحوا 1500-3000 شخص وذلك حين وصل الأوروبيون في مطلع القرن الثامن عشر إلى الجزيرة. والادعاء الثاني يقول بأن سكان “رابا نوي” قد قاموا قديمًا بقطع أشجار النخيل التي كانت تغطي الأرض الجزيرة بصورة وحشية وذلك لتسهيل نقل التماثيل.

وبما أنه لم يعد هنالك أشجار لتثبيت التربة، فقد تسبب ذلك بانجراف التربة الخصبة وبات المحصول الزراعي هزيلاً، وكذلك لم يعد باستطاعة السكان بناء قوارب الكانو بسبب عدم وجود الخشب مما حرمهم من صيد السمك والقدرة على نقل التماثيل، فكانت النتيجة دخول السكان في حرب ضروس وصلت إلى حد أكل لحوم البشر.

لا نستطيع إلى الآن الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بعدد السكان بشكل مقنع. ومعظم علماء الآثار متفقون على التقديرات التي تقول بأن عدد السكان كان بين 4000 إلى آلاف شخص، ولكن دراسة حديثة أفادت أنه بتقدير تقريبي لمحاصيل الجزيرة الزراعية فسنجد أن هذه المحاصيل كان من الممكن أن تكفي ما يقارب الـ15000 شخص، كذلك فإنه لا يوجد دليل قاطع على تقلص عدد سكان الجزيرة قبل أول وصول أوروبي إليها عام 1722.

وتقدم تقارير إثنوغرافية من مطلع القرن العشرين قصصًا تاريخية مروية شفهيًا تحكي عن حروب نشأت عن نزاعات قبلية على أرض الجزيرة، وقد اعتبر عالم الأنثروبولجيا “ثور هايردال”، الذي اشتهر بعبوره المحيط الهادي على متن قارب من قطب “إنكا”، إنّ هذه التقارير تعد أدلة على نشوب حرب أهلية وصلت ذروتها في معركة وقعت عام 1680 حين قُتل معظم أفراد إحدى قبائل الجزيرة. وتُفسر قطع حجر السبج المتناثرة على أرض الجزيرة على قطع أسلحة وشواهد على العنف الذي جرى.

ولكن ووفقًا للبحث الذي أجراه “كارل ليبو” مؤخرًا فإنّ هذه القطع كانت على الأغلب تستخدم كمعدات منزلية أو كأدوات تستخدم في الطقوس والشعائر.

ومما يبعث على الدهشة، فإن عدد الجثث المستخرجة من الجزيرة التي تظهر عليها علامات الجروح قليل جدًا لا يتجاوز الـ2.5 بالمئة وظهرت على تلك الجثث علامات التئام للجروح أيضًا، مما يعني أن تلك الإصابات لم تكن قاتلة، وبهذا فإنّ الأدلة على قصص أكل لحوم البشر لا تتعدى التاريخ الذي تتناقله الأفواه. والأخذ بحكايات القرن العشرين على أنها مصادر موثوقة لما حدث في القرن السابع عشر من نزاعات أمر مختلف فيه.

ما الذي حدث للأشجار؟

لقد تكونت مؤخرًا صورة لشعوب من ما قبل التاريخ عاشت حياة ناجحة ومستدامة على الجزيرة، وذلك قبل أول وصول أوروبي. ومن المجمع عليه بشكل عام، أن أشجار النخيل التي كانت يومًا تغطي جزيرة “رابا نوي” قد قطعت بصورة سريعة فور قيام أول استيطان لها عام 1200م. ومع أن أدلة النباتات الدقيقة، كتحاليل اللقاح، تشير بأن غابات النخيل قد اختفت بسرعة، إلا أن جزءًا من اللوم فقط يمكن إلقاؤه على البشر بهذا الخصوص.
فلقد أحضر أوائل المستوطنين البولينيزيين معهم جرذانًا تعرف بالجرذان البولينيزية، وأرجح الظن أن هذه الجرذان قد التهمت ثمار النخيل والبتلات، مما يمنع من نمو الغابات مجددًا، لكن بحثًا أجرته كاترين جارمان، المختصة بالآثار والأنثروبولوجيا لدى جامعة بريستول، حول النظام الغذائي لشعب “رابا نوي” العائد إلى ما قبل التاريخ يفيد بأنه وبالرغم من حادثة قطع الأشجار تلك، فإنّ سكان الجزيرة كانوا يعتمدون على طعام البحر وكانوا أكثر تطورًا ومرونةً مما تم اعتقاده سابقًا.

يجب إلقاء اللوم على تجار الرقيق لا الحطابين:

ماذا لو كان أمر ما قد حدث لسكان الجزيرة وتسبب في تضاؤل أعدادهم وتوقف نحت التماثيل؟ وما السبب وراء العثور على تقارير تتحدث عن حروب ونزاعات في مطلع القرن الحادي والعشرين؟

إجابة هذه الأسئلة فيها جانب قاسٍ، حيث تمكن تجار الرقيق القادمون من أمريكا الجنوبية، خلال القرن التاسع عشر، من أخذ ما يساوي نصف عدد سكان الجزيرة الأصليين. بالإضافة إلى ما قام به التجار الأوروبيون من إدخال للأمراض، وتدمير للممتلكات، وفرض للهجرة مما قد فتك بالسكان الأصليين وزاد من حدة النزاعات بين من بقي منهم. ربما كانت هذه الأحداث هي التي دفعت السكان إلى التوقف عن النحت وليس ما ورد في سجلات التاريخ العرقي من حروب ونزاعات.

والدراسات الحديثة التي أجريت غيرت كل ما سبق ذكره من إلقاء اللوم على سكان جزيرة “رابا نوي” وتصويرهم على أنهم مخربون للبيئة، ويجب أخذ العبرة من قصتهم، فالأدلة غير الوافية والتشبث بقصص الجرائم الشنيعة المبهمة صورت، ظلمًا، شعباً متكيفًا مع المحيط والبيئة على أنه السبب في هلاك نفسه.

ترجمة: أهلّة العبيد

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان

المصادر: 1