العدمية بين الفلسفة وعلم النفس ورؤية نيشتة للعدمية 

مدخل لفلسفة العدمية

العدمية هي فلسفة قامت على أساس الشك، كردة فعل رافض لسلطة الكنيسة في القرن الـ 19 ميلادي، فمصطلح العدمية يأتي من الكلمة اللاتينية nihil التي تعني حرفياً لا شيء، كثورة ضد الأعراف الاجتماعية السائدة وقتها، مما جعلها رائجة ومقربه من فئات الشباب تحديداً، وبالتالي تبنتها الجماعة المثقفة كرفض لسلطة الدولة والكنيسة والعائلة، والذين يرون أن لا قيمة جوهرية للحياة، وأن كل ما في الحياة لا معنى فعلي له، والعدميون كثيراً ما يرون أن وجودهم عبث لا أهمية له في الوجود، حتى العقل والمنطق قد يصاب بالشكوك حول مصداقيته لديهم.

فالوعي قد يوضع في خانة التساؤلات لدى فلاسفة العدم حول جدواه في ظل العدم كنهاية فعلية للكون بالنسبة إليهم، فالشك الشديد حول المعرفة الحقيقة للكون والوجود لا يمكن إثباته، بالتالي من غير المنطقي أن يكون هناك ولاء لفكرة أو معتقد في ظل العدم واللاشيء، وقيمة كل شيء في الكون من أفكار أو ماديات تصبح بعد ذلك بلا هدف وبلا أهمية تذكر، ويعتبر الفيلسوف نيتشه من أكثر الفلاسفة العدميين حين قال : “أن كل معتقد وكل شيء يعتبر حقيقة هو زائف بالضرورة لأنه ببساطة ليس هناك عالم حقيقي” وبعد هذه الجملة فأن كل القيم لا أساس لها ولا معنى حين يكون العالم أضغاث أوهام بالنسبة إليهم.

ذكرت الكاتبة نانسي في كتابها أساتذة اليأس أن المعاني المختلفة لكلمة العدمية ذاتها توضح الصلة بين ” الكل ” و ” اللاشيء” ففي روسيا في القرن التاسع عشر لم تكن الكلمة تشير إلى اليائسين الذين ما عادوا يكترثون لشيء، بل إلى الراديكاليين الذين كانت عقيدتهم تتمثل في سؤال تشيرنيشفسكي ( كاتب روسي نظر للأدب كأداة لفعل الثوري) وكانت روايته ” ما العمل؟ ” مصدر إلهام للشباب الثوري في روسيا، ولكن صاحب كتاب ( يوميات القبو) دوستويفسكي كان يرى أن تسابق أولئك الشباب نحو الكارثة والحروب ليست سوى عدمية لا جدوى منها. فالعدمي يرى أنه مختلف عن هذه الجموع المتحمسة للموت من أجل مبادئهم وعقائدهم وأن لا جدوى لتلك المثالية، وهو يحيا ذاته كشخص متوحد منعزل كغريب لا يمت له العالم الخارجي بصلة، وقد ذكر رسول العدم سيوران ذلك حين قال: لا يستطيع أحد أن يحرس عزلته إذا لم يعرف كيف يكون بغيضاً.

العدمية والأدب

بحسب الكاتبة نانسي فأن انتشار العدمية في الأدب من رواية وشعر كان له تأثيره بسبب رفض للعالم القائم وتعبير عن النقصان، فالكتابة بالنسبة للعدمي ملجأ يشعره بالأمان ويبعده عن الانتحار( الكتابة انتحار مؤجل – سيوران)، وممن كتب كذلك عن العدمية واقتبسه هنا من كتاب أساتذة اليأس لبعض جملهم: كالديرون كاتب مسرحي إسباني في كتابه ” الحياة حلم ” عبارته التي كتب لها الخلود:

( إن جريمة الإنسان الكبرى هي أنه قد ولد)

أما باسكال فقد عبر عن حيرة الوجودية ذاتها في عبارات باتت مشهورة :

“غارقا في الاتساع اللانهائي للفضاءات التي أجهلها وتجهلني، أصاب بالذعر“

ومن الجدير بالذكر والملفت هو حين علقت الكاتبة حول هذه المخاوف بعبارة ( كان بإمكانه أن يلوذ بالإيمان)، فالكاتبة تعترف هنا أن الإيمان بشيءً ما يجعل الإنسان قادر على مكافحة شكوكه وتحاشيه لها، فالإيمان يعمل عمل المخدر الذي قد يبعده عن الوقوع في دوامة العدم.

شارل بودلير قد يكون بالنسبة إلي أستاذ للسأم – أحد أفرع العدمية- حين صرح بتساؤلاته وسأمه من الوجود في قصيدته- لكل وهمه:

“للحظات غمرني اشتهاء فهم هذا اللغز، إلا أنه سرعان ما انقضت علي اللامبالاة التي لا سبيل إلى مقاومتها فوجدتني من جراء ذلك أكثر انسحاقاً من انسحاقهم هم بأوهامهم الساحقة،” فبودلير شعر بالسؤوم واللاجدوى من تلك التساؤلات والبحث عن ماهية الوجود.

ولا أدري هل يصح لي هنا أن أقول أن الشاعر أبو العلاء المعري كان من ضمن من تبنى العدمية حين قال :

“هذا ما جناه أبي عليّ .. وما جنيت على أحد‏،” فمن المعروف أن فلاسفة العدم لا يرون في التكاثر والتناسل إلا ضرب من الجنون في ظل العدم واللاجدوى، وهذه العبارة تحيلني لسيوران حين قال :

هل هناك ما هو أكثر تثبيطاً للعزيمة من أن يمتلك أي سقطٍ القدرة على الإنجاب، فالوجود البشري المتمثل في القدرة على الإنجاب بالنسبة للعدمي رعب لا يمكن أن يتحمله.

العدمية وعلم النفس

قد يلتبس على البعض ويظن أن العدمية هي حالة من حالات الكأبة المؤقتة، وما أقصده هنا هو الاكتئاب الغير سوداوي الذي يتحدد بفترة زمنية أو حالة مزاجية، والذي قد تتلاشى دوافع وأسباب الكأبة ما أن تعالج، فليس بالضرورة أن كل مكتئب عدمي، ولكن غالباً ما يكون كل عدمي مكتئب، فالعدمية صورته الدائمة هي السوداوية الكئيبة التي هي ردة فعل على الضغط الفكري الهائل الذي يمر به الدماغ من التحليل والتشكيك لما يحدث للذات والآخر والكون، ولكن التغيرات الثقافية والعلمية التي يمر بها العالم في الوقت الحالي قد تؤدي للبعض إلى عيش مرحلة قصيرة أو طويلة من الكأبة الذي سمي في الوقت الحالي بمرض العصر.

وقد يظن البعض أن تلك الحالة التي يمر بها ليست سوى عدمية، متجاهلاً الأسباب التي دفعته لتلك الكأبة، ولكن حالته تتحسن ما أن تهدأ الأمور وتمر حالة الإجهاد النفسي، غير مدرك أن فلسفة العدمية هي حوارات أنتجتها الشكوك الفلسفية حول ماهية الكون، والتي انبثقت عنها رؤى ضخمة لكتاب أثروا بمرور الزمن على التاريخ البشري، وأدت إلى انبثاق العلوم الحديثة- نظرية التطور وعلم الجينات وعلم الاجتماع والتحليل النفسي- التي تحطمت قيود الخوف من المعتقدات والأساطير التي كانت لها سطوة في التأثير على التحركات العلمية ما لبثت أن تلاشت بعد ظهور فلسفة العدمية التي انبثقت منها بعد ذلك أفرع منها فرع الوجودية في حرية التفكير بالوجود كيفما ترغب به الذات، والتي عززت القيمة الإنسانية.

العدمية والوجودية

إن التأثيرات الهدّامة للعدمية ستدمّر في النهاية كل المعتقدات الأخلاقية، والدينية، والميتافيزيقية، وتؤصل للأزمة الأعظم التي ستواجه الفكر البشري في التاريخ. -نيتشه

هذه العبارة لنيتشه خلقت الكثير من الجدل حول الفوضى التي من الممكن أن تخلقها هذه الجملة لدى الجنس البشري، وبالتالي انبثقت فلسفة جديدة من رحم الفلسفة العدمية وهي الفلسفة الوجودية، التي تعني أن لكل شخص هدف في الحياة وكل منهم مسؤول عن تحقيق معنى للحياة التي يعيشها أن كانت ستؤدي في النهاية إلى العدم، أهدافها الحب والكرامة الإنسانية وحرية الإرادة والأبداع، ففلاسفة الوجود يؤمنون أن كل إنسان يولد في عالم خال من المعنى حتى يجد معناه الخاص والغرض منها وغاية سعادته.

إذاً في هذه الحالة فالوجودية هي إيجاد معنى للعدم، فمع الحركة الثقافية التي ازدهرت في أوربا في العام 1940 و 1950، تشكل نشاط حركي ثقافي متمثلة بسارتر وسيمون دي بوفوار وكافكا وصمويل بيكت وغيرهم، أوصلت الفلسفة العدمية والوجودية إلى عدد لا يحصى من الكتب المختلفة، وصولاً إلى الفن السابع (السينما) الذي توضح تأثره بهذه الفلسفة لدى المخرج وودي آلن الذي يحاول في أغلب أفلامه تصوير تلك التساؤلات الوجودية لدى الإنسان عن معنى الحياة والعلاقات الاجتماعية وغياب المعنى والوجود، فهذه الثقافة المزدهرة لفلسفة الوجودية عنت بكون الوجود الإنساني يتطلب فئات جديدة غير موجودة في الفكر القديم وحتى الحديث، كتفاعل يومي وضروري مع كل شيء في الكون.

العدمية في الوقت الحالي:

استمرار فلسفة العدمية إلى الوقت الحالي معناه أن العقل لا يزال يبحث عن إيجاد معنى للكون والعالم، وهذا يدل كذلك على أن العقل البشري أصبح يركن أكثر إلى الاستقلالية في الفكر بدون تأثير من قبل الأدلجة القمعية التي كانت تمارس ضده، وأن الذات أرتقت لمرحلة أعلى في الإنسانية حين سنت قوانين لحماية الحريات ، وبحسب مشاهداتي فأن العدمية عبر التاريخ تنقلت إلى مراحل مختلفة أولها العدمية السلبية التي خلقت حروب ومجازر بعد أن كانت ترى في القتل نهاية محتومة للبشر، ومن ثم وصلت إلى العدمية النشطة التي خلقت رؤى فلسفية عظيمة وضعت جذورها في الفكر والأدب، إلى أن وصلنا إلى العدمية الإيجابية والمنتفع بها المتمثلة في الفلسفة الوجودية وخلقت علاقة بين الفكر والعلم، والتي لا تزال نتاج تلك العلاقة في أوج عطاها الإنساني.

ظلمت الفلسفة العدمية في الثقافة العربية بسبب ضرورة الاعتقاد، والذي اعتبر العدمي فيها مخالفاُ للشرائع وبالتالي أصبح شخص منبوذ ومكفر، فالعدمي علاقته بكل شيء سلطوي قابل للرفض والتشكيك، والاعتقاد هي حاجة للإيمان بفكرة وتقديسه لدرجة الموت من أجلها، ولكن لم يستمر ذلك القيد الممارس حول العقل العربي لفترة طويلة، فالتكنولوجيا والقراءات والحريات الفكرية هي أدوات ساهمت في إيصال الثقافات بجميع أشكالها إلى كل العالم، ولكن قد يؤدي أحيانا كثيرة إلى قفزة غير صحية، قفزة غير ناضجة، حين تكون عبارة عن رؤيه ضيقة من ثقب باب العدمية، فالمؤسف أن العدمية في الوطن العربي في بعض الأحيان يستخدمها الكسالى كقناع يلبسه حين لا يرغب بتنشيط عقله عن التساؤلات الوجودية، وعن التجربة التي تصقل تلك الفلسفة.

فسيوران على سبيل المثال بشذارته التي خلقت حياة في بعض الكلمات البسيطة، لم يكن منعزل عن العالم تماماً بل كان يخالط الناس ويدرك أن تلك الأفكار لم تأتي اعتباطاً ولم تأتي من سرقة فلسفة شخص آخر من الثقافات المكتوبة، فالشعور بالقلق من كل الصراعات التي كانت تجول بذاته هي نتاج ما كان يتعايشه يومياً من قلق ما في العالم من صراعات.

نيتشه والعدمية الأخلاقية

في الثقافة الشائعة، يرتبط الفيلسوف نيتشه عادة بالعدمية الأخلاقية. ربما نعرّف العدمية على أنها غياب القيم العليا. ترتبط بالعدمية الأخلاقية النسبية الأخلاقية. النسبية الأخلاقية هي الاعتقاد بأن كل القيم – وخصوصا لأنه لا توجد قيم عليا – هي مجرد تعبير عن التفضيل الشخصي. على أي حال فللسخرية فإن هذا النوع من وجهة النظر الأخلاقية تحديدا هي ما ينتقده نيتشه. فبدلا من أن يكون عدميا فهو مضاد للعدمية. العدمية هي تشخيص لانحلال الثقافة الغربية، أكثر منها وضعا أراده نيتشه، أو يريدنا أن نطمح إليه.

ما هو سبب وأصل العدمية في المجتمع المعاصر؟ إنه الهدم المستمر لكل المعاني والدلالات، إنه الاعتقاد بأنه لم يعد هناك شيء يهم حقا، لأنه لم يعد هناك شيء ذو معنى حقا. ليس لدينا منظومة معتقدات أو قيم يمكنها أن توجهنا. منظومات المعتقدات القديمة كالدين والآخلاق لا تزال موجودة، ولكننا في أفضل الأحوال نتبعها بنصف إيمان، وفي أسوأها نعتقد أنها لا تحمل معنى مع ذلك. إنها موجودة فقط على حواف حيواتنا ووعينا. ولكن ليس العالم فقط هو الذي لم يعد يحمل معنى، نحن أنفسنا لم نعد نحمل معنى لأنفسنا. لِم علينا أن نختار مجموعة الأفعال تلك على حساب أي مجموعة أخرى؟ ما الذي يظل يعنيه هذا طالما أن الحياة الفردية للكل لم تعد تحمل دلالة وسط المخطط الكبير للأشياء؟ كما يصف ميشيل هار:

لم يعد هناك شيء يعني الكثير، كل شيء يعود إلى نفس الشيء، كل شيء متساو، كل شيء هو نفسه ومتكافيء: الصح والخطأ، الخير والشر، كل شيء منتهي الصلاحية، مستهلك، قديم، رث، محتضر: ألم المعنى غير المحدد، الغسق الذي لا ينتهي، ليس اندثارا محددا للدلالات، ولكن سقوطها غير المحدد. (Allison 1985, p.13)

بالتالي سيكون من العبثي تماما أن نزعم أن هذا ما رغبه نيتشه. على العكس، هو أراد أن يشخص كيف وصلنا إلى هناك. ثقافتنا تشبه شخصية الله في ثلاثية فيليب بولمان: “المواد المظلمة،” كبير ومستهلك، بالكاد يحيا، وبالتأكيد ليس شيئا علينا أن نظل نؤمن به.

الجانب الأخطر في العدمية على كل حال هي أنها في النهاية تصبح سعيدة وراضية عن نفسها، طالما اعتدنا على أن نشعر بالخوف والرعب من حقيقة أن الدين والأخلاق لم تعد تحمل أي معنى حقا، ولكن الآن نحن سعداء لأننا نعيش في عالم بلا معنى. أحد الأمثلة على هذا الرضا هو موت الله. مرة أخرى علينا أن نذكر أنفسنا بتلك الفقرة في “العلم المرح”، حيث كتب نيتشه عن المجنون الذي اندفع إلى السوق وأعلن أن الله مات. العديد من الناس قرأوا هذه الفقرة على أن نيتشه يحتفي ببساطة بالإلحاد، ولكن إن قرأنا هذه الفقرة بحرص، يمكننا أن نرى أن ما تصفه بحق هو كيف أن الناس العاديين لا يهتمون حقا إن كان الله ميتا أم لا. هذا هو المخيف بحق. ليس أن الله ميت، ولكن أن أحدا لم يلاحظ أنه مات:

ألم تسمعوا عن المجنون الذي أشعل المصباح في ساعات النهار المضيئة، جرى إلى السوق وصرخ بدون توقف: “أنا أبحث عن الله! أبحث عن الله! – في حين كان يقف حوله وقتها العديد ممن لا يؤمنون بالله، يستثيرهم الرجل ليضحكوا أكثر. سأل أحدهم: هل تاه؟ وسأل آخر: هل ضل طريقه كطفل؟ أم أنه يختبيء؟ هل هو خائف منا؟ هل ذهب في رحلة؟ هاجر؟ – وهكذا صاحوا وضحكوا. (Nietzsche 1974, p.181)

كيف يمكن لهذا المشهد أن يكون إعلانا عن الإلحاد، بينما الناس الذي يعلن عليهم المجنون موت الله هم في الحقيقة ملحدون؟ لا، ليس هذا هو ما يعتقد نيتشه أنه هام لفهمنا. حقيقة هذه الفقرة تأتي لاحقا، عندما يخبرهم المجنون بأنه نحن من قتلنا الله: “نحن قتلناه – أنتم وأنا”. (Nietzsche 1974, p.181) إلا أنه مع كوننا قتلة الله نحن نظل بلا فكرة عن عالم بدون الله، بدون قيم تعني شيئا، وبسبب ذلك فنحن ما زلنا نتمسك بالعالم المثالي رغم أنه غائب. ليس كافيا أن ننفي القيم، لأن ساعتها كل ما سيتبقى معك هو النفي، والنفي معتمد بشكل كبير على الشيء المنفي. أقول إنني لا أؤمن بالله، ولكن وللتناقض فهذا اللا – إيمان هو معتمد على فكرة الله بنفس قدر الإيمان بالله، فبدون فكرة الله كيف يكون من الممكن أن تكون ملحدا. علينا أن نصل إلى ما وراء كلا من فكرتي الإيمان وعدم الإيمان. علينا أن نصل، ولنستخدم عنوانا لأحد كتب نيتشه، إلى ما وراء الخير والشر.

المصدر الرئيسي للعدمية هو النفي، وبالتالي فلكي نفهم العدمية علينا أن نفهم النفي، أو ما سيطلق عليه نيتشه الإرادة السلبية للقوة، هناك مصدران للقيم في العالم عند نيتشه: الارتكاسية والفاعلة. العدمية بكل أشكالها ارتكاسية، وهذا هو تحديدا السبب في أن فلسفة نيتشه لا يمكن أن تكون عدمية، لأنها ضد الإرادة الارتكاسية للقوة المذكورة.

نقد نيتشه للأخلاق هو لكونها في الحقيقة ثانوية. الأخلاق تقدم نفسها على أنها تقييم موضوعي منزه للعالم، ولكن تحت ذلك هي مجرد شكل آخر من إرادة القوة: الرغبة في الحفاظ على الذات، حتى لو عنى ذلك السيطرة على الآخرين عن طريق المراءاة والمكر. كل الأخلاق منافقة، ليس لأنها زائفة أو خاطئة – هذا الذي سيكون تبسيطا شديدا، طالما كان كل البشر يعيشون بالقيم، حتى لو كانت القيمة الأعلى في عصرنا هي ألا نقدر شيئا – ولكن لأنها تقدم نفسها على أنها ليست من هذا العالم، تتعالى على التوافه والمكابدات، موضوعية وصحيحة تماما.

نيتشه لا ينتقد القيم في العموم، ولكن القيم الارتكاسية، وهذه القيم هي التي قادت إلى عدمية الغرب. وبكونها قد نفت العالم، ولم تجد شيئا إيجابيا فيه، انتهت إلى النفي الكلي وتدمير نفسها. أما إرادة القوة الفاعلة فعلى العكس، فهي يمكن أن تُهزم عن طريق قوة فاعلة أخرى، ولكنها لا تبحث عن هدمها الذاتي.

القيم الفاعلة والارتكاسية تصف علاقات السيطرة والتبعية. ما هو ارتكاسي هو دوما رد فعل لما هو فاعل. إنه يجعل نفسه تابعا للقوى الأكثر سيطرة. ولكن من المهم أن ندرك ذلك؛ أن التبعية ليست غيابا للقوة. نيتشه يعتقد أنها تعبير عن قوة للسيطرة بنفس القدر الذي تجعل به نفسها تابعة. في الحالة الثانية، يحصل المرء على القوة عن طريق تكييف ودمج نفسه مع الحالة الحاضرة. هذه بالضبط هي الطريقة التي تعمل بها المجتمعات الحديثة. إنها القوة على التكيف والنفع، وهؤلاء القادرون على تكيف أفضل يكون لديهم قوة أكبر، وهؤلاء الذين يرفضون التكيف والتشابه والتطابق، تكون لديهم قوة محدودة أو يكونون بلا قوة على الإطلاق. “كن مثل أي شخص آخر، أو كن آخر!” هذا هو شعار مجتمعاتنا، ومدارسنا وجامعاتنا ليست سوى آلات لتنتج هذا القبول.

ولأن مجتمعاتنا، وربما المجتمع نفسه، هو ارتكاسي أصلا، فيكون من الأصعب أن نصف ما هي القوى الفاعلة. شيء واحد نعرفه هو أنها لا بد أن تكون مُقَدَمة، لأنه بدون القوى الفاعلة فلن تكون هناك أي قوى ارتكاسية، فأي شيء سترتكس ضده؟ هذه هي أول خطوة بعيدا عن العدمية. لأن العدمية تقول إن المقدم هو النفي. ولكن هذا هو بالضبط ما تقوله القوى المرتكسة: انف! ما هو فاعل، على العكس، هو الخلّاق، الذي يفرض الأشكال ويسيطر. كلمته الأولى ليست “لا” بل “نعم”، وما على المرء أن يخلقه أولا هو نفسه فيما وراء القوى الارتكاسية للمجتمع. مرة أخرى فنفي المجتمع ببساطة، والقيم المتضمنة بداخله ليس كافيا، فأن تكون معتمدا على قيم المجتمع الذي تزدريه تماما، وأن تنفيه كله دفعة واحدة سيكون المتبقي لك هو ثقب أسود. الفكرة هي أن تخلق قيم جديدة تقفز فيما وراء قيم المجتمع المنفية. هذا هو ما يدعوه نيتشه، كما وصف لدى ديلوز، “القوة الديونسية” (Allison 1985, p.83).

ربما أفضل طريقة لأن نفهم هذه القوة يكون من خلال التمييز الذي صنعه نيتشه بين ديونيسيس ويسوع. حياة يسوع، كما يعرف من شاهدوا فيلم جيبسون “الآلام” هي حياة تبرير للمعاناة والتي تجعل الحياة نفسها شيء يسبب المعاناة والتي عليها أن تُبَرَر وتُشَرَّع كالمعاناة. هذا يجب أن يتميز عن ديونسيس، أو على الأقل ما يمثله الإله اليوناني لنيتشه. الحياة هنا لا تحتاج لأن تُبَرَر، وحتى لو كان هناك ألم، فبالتالي فهذا جزء مبرر في الحياة. ليس من المفترض ان يدفع لها الثمن من مكان آخر، كما أدت معاناة يسوع على سبيل المثال. الحياة ليست بحاجة لأن تُخلّص، لأنه لا يوجد شيء تُخلّص منه، الأحرى أن تتأكد الحياة كما هي. هذا هو ما يعنيه نيتشه بالعود الأبدي، التي ربما تكون واحدة من أصعب الأفكار:

ماذا لو في ليلة ما، تسلل جني إلى أكثر أوقاتك وحدة وقال لك: (هذه الحياة التي تعيشها الآن والتي عشتها، سيكون عليك أن تعيشها مرة أخرى والعديد من المرات الأخرى… كيف ستعد نفسك جيدا أمام نفسك وأمام الحياة لأن لا تأمل لشيء بانفعال أكثر من التأكيد والإقرار السامي الخالد؟) (Nietzsche 1974, p.343)

لم نيتشه ليس عدميا؟ لأن العدمي هو الشخص الذي يختصر العالم إلى لا شيء. بهذه الطريقة فالمسيحي أو الأخلاقي هو العدمي، لأنه بدون يسوع أو الأخلاق، ستكون الحياة لا شيء على الإطلاق. فلأنهم يختبرون الحياة كلا شيء في ذاتها، فهم يحتاجون أخلاق مضافة أو نظام ديني متجاوز للحياة. العدمي الحديث هو مجرد مؤمن بدون إله، مسيحي بدون يسوع، أخلاقي بدون أخلاق. يتبقى معهم نفي العالم، ولكنهم ببساطة ليس لديهم نظام إيماني ليحل محل الدين والأخلاق والفلسفة. بدون الله ستكون الحياة بلا معنى، ولكن هذا يعني أن المسيحية عليها أن تثبت أن الحياة بدون الله بلا معنى. الآن الله مات، وكل ما يتبقى لنا هو لا معنى الحياة. كل ما يمكن حدوثه في المستقبل هو أننا سنحصل على معتقدات جديدة (الرأسمالية، القومية) التي ستغطي موت الله. العدمية هي مجرد عَرَض على الإيمان، مرحلته النهائية وتطوره الأخير. إنها ليست المواجهة للإيمان، ولكن مجرد شكله النهائي، كما يشرح ديلوز ببلاغة شديدة:

كانت الحياة مزدراة من قَبْل من قِبَل علو القيم السامية. الآن على العكس، فقط الحياة تبقى، ولكن تظل الحياة المزدراة المستمرة الآن في عالم بلا قيم. منزوعة من المعنى والغرض، تتقدم من كل اتجاه نحو اللا شيء. (Deleuze 1983, p.148)

المرء لا يمكن أن يكون عدميا ويؤكد الحياة، وفلسفة نيتشه ليست سوى التأكيد على الحياة كما هي. هذا هو السبب في انتقاده للدين والأخلاق والفلسفة؛ لأنها كلها تبدأ بنفس الافتراض المسبق بأن الحياة لا تعني الكثير ويجب أن تزود بدين أو أخلاق أو “عالم آخر” ميتافيزيقي وأساسي. نعم العدمي يتخلص من هذا “العالم الآخر” ولكنه يظل باق على كراهية العالم الذي بدأت منه أولا كل المعتقدات كدافعها الأصلي. بطريقة ما فالعدمية أسوأ من الأخلاق والدين والفلسفة، لأنها تنفي الحياة، ولكن ليس لديها تعويض على الإطلاق عن الحياة التي تهدمها. ما نحتاجه بالتالي هو إيمان جديد، إيمان ديونيسي، يؤكد الحياة، وحتى المعاناة تكون مجرد جزء من الحياة على نفس القدر من البهجة.

إعداد: جمال علي

المصادر: 123