ما هي تأثيرات إدمان المواد الإباحية؟

مشاهدة الأطفال للمواد الإباحية مبكرا “تؤثر” في حساسيتهم جنسيا.

تقول آخر الدراسات التي أنجزت في بريطانيا حول “الأطفال والمحتوى الإباحي” إن 94 في المئة من الأطفال الذين خضعوا للدراسة شاهدوا محتوى جنسيا على صفحات الإنترنت، ولم يتجاوزا سن الرابعة عشرة من العمر.

وتخلص الدراسة التي أنجزت من طرف جامعة ميدلسيكس، وبطلب من الجمعية البريطانية لحماية الطفولة من العنف، إلى أن هؤلاء الأطفال الذين يشاهدون محتوى إباحيا في سن مبكرة، معرضون لفقدان الحس باللذة الجنسية بمرور الزمن، عند رؤية هذا النوع من المحتوى الإباحي.

صور إباحية:

واستجوب معدوا هذه الدراسة 1000 طفل من فئة 11 إلى 16 سنة، ووجد الباحثون أن 65 في المئة منهم شاهدوا صورا إباحية في هذه السن، و28 في المئة منهم شاهدوها وهم في السن من 11 إلى 12 سنة.

ومن أهم النتائج الملفتة لهذه الدراسة، أن الفئة الأصغر سنا اي من 11 إلى 12 سنة، تتعرض للمحتوى الإباحي من صور أو اشرطة فيديو عن طريق الصدفة أثناء البحث في الإنترنت، من خلال نوافذ الاعلانات التي تبرز بشكل مفاجئ أثناء التصفح.

وتقول الدراسة أيضا أن 19 في المئة من الأطفال بين 11 إلى 12 سنة، شاهدوا محتوى إباحيا عن طريق البحث المباشر والمقصود.

وتشير الدراسة أيضا إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الأطفال من العينة المدروسة، يقولون إن المشاهد الإباحية لم تساعدهم في فهم الرغبة المتبادلة أثناء ممارسة الجنس، بينما يعتبرها 53 في المئة من الأطفال الذكور المستجوبين “تصويرا واقعيا للممارسة الجنسية”.

وتوصلت الدراسة ايضا إلى أن:

نسبة مشاهدة الصور الإباحية عبر الإنترنت بشكل إرادي ومقصود مرتفعة لدى الذكور أكثر من الإناث.

14 في المئة من العينة المستجوبة من الأطفال أخذوا لأنفسهم صورا وهم عراة أو شبه عراة، وأن 7 في المئة منهم على الأقل تبادلوا تلك الصور.

38 في المئة من الأطفال المستجوبين شاهدوا الصور الإباحية لأول مرة عبر الهواتف المحمولة الذكية أو جهاز الكومبيوتر المحمول.

60 في المئة من المستجوبين شاهدوا الصور الإباحية في البيت، و 29 في المئة منهم قالوا انهم فعلوا ذلك في بيوت اصدقائهم.

وقالت إحدى البنات (11 سنة) في معرض إجابتها على أسئلة الباحثين: ” لم تعجبني تلك المناظر لأنها ظهرت لي صدفة اثناء تصفحي، ولا أريد أن يعلم والدي بذلك، كما أن ذلك الرجل كان يمارس الجنس وكأنه يؤذي تلك المرأة. لقد كان يحاول أن يطرحها أرضا، وهي كانت تصرخ وتشتم”.

وقالت طفلة أخرى لا تتجاوز 13 سنة: “كان بعض من أصدقائي يتخذون من تلك المشاهد دليلا للتعرف على الممارسة الجنسية، لكنهم كانوا يشاهدون صورا غير مناسبة لفهم معنى العلاقة”.

خطر الهواتف الحمولة:

وتقول أنا لونغفيلد محافظة شؤون الطفولة في إنجلترا، تعليقا على نتائج هذه الدراسة: “إننا الآن فقط بدأنا نفهم مدى تأثير الهوتف الذكية المحمولةعلى حياة الأطفال، خاصة وأن هذه الأجهزة نقلت الإنترنت من الواجهة في صالون البيت حيث الآباء والأمهات يراقبون سلوك أطفالهم، إلى غرف نوم الأطفال أو مكان لعبهم، حيث لا يستطيعون مراقبتهم بشكل كامل”.

وتقول الحكومة البريطانية إن حماية الأطفال من التعرض للمحتوى الإباحي عبر المواقع الإلكترونية من أولوياتها، وأن هناك الكثير من المهام التي تقع على عاتق الآباء والأمهات في توجيه وتربية ابنائهم في السن المبكرة.

لماذا يصر الشباب على متابعة تلك المواد؟

الفضول هو ما يدفع الطفل للاطلاع على المواد الإباحية في البداية، وذلك قبل أن يتحول الأمر إلى إدمان. والإدمان يحدث عندما تتحول مشاهدة المواد الإباحية إلى وسيلة للهروب من المشاعر السلبية: الملل، والضغط العصبي والتعب والغضب. المواد الإباحية ذات طبيعة خادعة لأنها تثير نوعين من المشاعر المتضاربة في نفس الوقت لدى الطفل:

  1. استجابة فيزيائية ممتعة.
  2. انزعاج، ورعب، وصدمة عاطفية وفكرية.

وفقا لدكتور (Mark B. Kastleman) مؤلف كتاب (المخدرات في الألفية الجديدة)، فإن الجمع بين ممارسة الجنس مع العنف ينتج اندفاعًا أكبر من الدوبامين في الدماغ، وهو ما يسبب طبيعة إدمان المواد الإباحية. لهذا السبب أصبح العنف في المواد الإباحية ضروريا للترويج والإدمان. في نهاية المطاف، إذا تُركَ الطفل لمواجهة كل ذلك وحيدا، فمن الطبيعي جدا أن يتم إغراؤه ليبحث عن المزيد، بالرغم من، أو حتى بسبب، طبيعتها الصادمة.

ووفقا لتقرير صدر عام 2013عن (مفوضية حقوق الأطفال) هناك سبب لمشاهدة الأطفال والشباب لتلك الأفلام: بالنسبة للشباب فهي للإمتاع الجنسي وتمريرها فيما بينهم، أما الفتيات فهن أكثر قولا بأننا نشاهد فقط للتعليم. وذلك في نظرهن لا حرج فيه.

ملاحظة: حاول أن تجري مثل تلك المحادثة مع طفلك، وهو معك في السيارة أو وهو مشغول بألعابه. ما الذي يمكنك فعله لتشعر بالتحسن عندما تضجر أو تمل أو تشعر بالغضب والضغط والوحدة والكآبة؟

بجعل الطفل يفكر في كيفية التخلص من المشاعر السيئة ومواجهتها بدلا من التهرب منها.

نحن بذلك نربي جيلا قادرا على تقبل عواطفه ومشاعره وأفكاره السلبية وقادرا على الوصول لحلول واقعية لها بدلا من التهرب منها بالبحث عن أي طريق للإدمان يسليه عما هو فيه.

بإيجاد طريقة للتعبير عن المشاعر السلبية وإيجاد حلول لها، ستقل نسب الإدمان في العالم.

كيف يتطوّر إدمان الأفلام الإباحية؟

في دراسة تناولت تأثير الدوبامين (هرمون السعادة وأحد أهم عوامل الاستمتاع الجنسي) على الإدمان، أوضحت الدراسة أنه في بداية فترة مشاهدة الأفلام الإباحية تعطي الأفلام شعورا للمشاهد بالراحة وتزيل التوتر الجنسي لديه. لكن مع الوقت ومع كثرة المشاهدة يحدث التحفيز فوق-الطبيعي جراء تعرّض المشاهد لاستثارات زائدة عن المعدّل الطبيعي، فيضطر المخ إلى تغيير الكيمياء الخاصة به عبر تخفيض استجابته لهرمون الدوبامين مما يعني أن الجرعة المعتادة للإباحية في فترة المشاهدة (أو في الجنس الطبيعي) لن تعطي المشاهد شعورا بالسعادة، وسيتطلب الأمر أكثر من مجرّد ممارسة الجنس أو مشاهدة مقطع أو اثنين حتى يصل الشخص إلى ذروة المتعة.

من هنا سيلجأ المشاهد إلى تجربة فئات (Categories) جديدة من الأفلام الإباحية حتى يستطيع أن يحفز جسمه للوصول إلى النشوة الجسمية، لكن المشكلة أنه في عالم الإباحيات لا تنتهي الفئات ولا السيناريوهات، ويستمر انحدار المشاهد وانتقاله من فئة إلى فئة ومن سيناريو إلى آخر بلا نهاية. ومع هذا السيل الجارف من المشاهدات والفئات يظهر السؤال: ما ضرر هذا الإدمان على رؤية الرجل لشريكة الحياة؟

في دراسة أُجريت عام 2007م أثبتت الدراسة أن تعرّض الرجال إلى عدد كبير من صور الفتيات المثيرة يؤدّي بهم إلى تقليل قيمة شريك حياتهم في نظرهم، ممّا يزيد من حالات الطلاق والنفور الزوجي، حيث يرى الزوج زوجته أقل جاذبية من الفتيات الأخريات. ووفقا لدراسة بعنوان “أثر الأفلام الإباحية على الرضا الجنسي” أُجريت على شباب من الجنسين تم تعريضهم لمحتوى إباحي على مدار ستة أسابيع فقط، تسببت مشاهدة الأفلام الإباحية في توليد مشاعر النفور من المشاهد (الخاضع للتجربة) تجاه شريكه في الحياة، وأقرّ المشاهدون بانخفاض رضاهم عن شريكهم بصورة ملحوظة منذ أن بدأوا مشاهدة الإباحية، وعبّروا عن سخطهم تحديدا على عاطفة شريكهم، وعلى مظهره الجسماني، وعلى حسّه وأدائه الجنسي.

أضرار الأفلام الإباحية:

ذهبت الأخصائية النفسية الأميركية برين رينا إلى أن الأفلام الإباحية لا تتسبب في تدمير العلاقة الزوجية فحسب، وإنما تتسبب في إتلاف الصحة الجنسية للرجل كذلك (15). ففي بحث آخر أُجري عام 2016م شاركت فيه برين مع ستة باحثين بعنوان “هل تتسبب الأفلام الإباحية في أمراض جنسية؟”، رصد الباحثون الآثار المباشرة للأفلام الإباحية في ارتفاع نسبة حدوث ضعف الانتصاب، وتأخر القذف، وخمود الرغبة الجنسية، وفقدان القدرة على الاستمتاع بشريك الحياة.

واللافت أن أضرار الأفلام الإباحية لا تقتصر على المستوى العضوي فحسب، وإنما تشمل أضرارا نفسية كذلك، أحد الأضرار هي قلة الحساسية (Desensitisation)، وتعني فقدان المشاهد للشعور بالمتعة في أنشطة واهتمامات كان يضعها في أولوياته ويجد فيها متعة وإثارة. وتشمل قائمة الأضرار النفسية للأفلام الإباحية كذلك القلق المتزايد جنبا إلى جنب مع الميل نحو ردود الفعل الغاضبة عموما، وفقدان التركيز وعدم القدرة على إنجاز المهام طويلة المدى، بالإضافة إلى طغيان شعور اللامبالاة والخمول لدى المشاهد طوال الوقت مما قد يؤول عنده إلى مرض الاكتئاب.

هل يمكن التعافي من إدمان الأفلام الإباحية؟

تبدو إذن الأفلام الإباحية كما يصفها أحد المدمنين السابقين لها: “تدخل إلى الجسم كإبرة، وتخرج كخُطّاف”، فهي لا تسبّب تغيّرات في كيمياء المخ والجسم فحسب، وإنما يعاني المدمن عليها من آثار نفسية سيئة، وتسوء صحته الجنسية، وتهدد الإباحية حياته الزوجية، وتغيّر من نمط تفكيره في الأشياء وفي المرأة وفي العملية الجنسية، إنها صناعة تهدف إلى ربط المستهلكين بالمنتجات لا إلى تحسين حالتهم الصحية والجنسية. في وسط هذه المأساة يكون السؤال ملحا: هل يمكن للمشاهد أن يتعافى من إدمان الأفلام الإباحية؟

يقدّر بعض الباحثين مدّة التعافي من الأفلام الإباحية بشهرين على الأقل حتى يستردّ المشاهد كامل صحّته الجنسية، ولكن -مثل أي إدمان آخر- تتضمن عملية العلاج من الأفلام الإباحية -في الغالب- أعراض انسحاب تماثل أعراض الانسحاب من أي إدمان آخر، ولكن أبرز الأعراض لتوقف المشاهدة هو ما يُسمّى بالخطّ المستوِي (Flatline)، وهي فترة تتضمن “موتا جنسيا” حيث يفقد المريض رغبته الجنسية بشكل شبه كامل ويشعر بالخمول الدائم(25)، وهو عَرض انسحاب يزول مع تعافي كيمياء الجسم واسترجاعها لوضعها الطبيعي. لكن ماذا بعد هذه الفترة؟ هل يمكن التعافي بشكل كامل ونهائي من الأفلام الإباحية؟

قام اثنان من الباحثين بدراسة حالة مدمن للأفلام الإباحية ممّن ساءت علاقته الجنسية مع شريكته وفقد الرغبة في العلاقة بشكل كبير نتيجة لإدمانه للأفلام الإباحية، بعد ثمانية أشهر من توقف المريض عن مشاهدة الأفلام الإباحية تحسّنت الحالة الجنسية للمريض، وعادت إليه صحته الجنسية الطبيعية من جديد، واستطاع أن يستمتع بعلاقات جنسية طيبة مع شريكته.

لذلك، وفي ظل ما يعانيه مجتمعنا العربي من كبت ومشكلات مجتمعية عديدة تتعلق بالجنس مثل التحرش الجنسي والضعف الجنسي وغيرها من المشكلات، تأتي قضية التعافي من الإباحية كأولوية يجب أن يلفت المختصون والمعالجون والواعظون الانتباه إليها، حيث تمثل الإباحية وباء عصريا أطلقته الرأسمالية لينتهك الأجساد والعقول بلا رحمة.

إعداد: أنمار رؤوف

المصادر: 1234