ما هي متتالية فيبوناتشي؟ وما علاقتها بالطبيعة والنسبة الذهبية؟

متتالية فيبوناتشي هي واحدةٌ من أشهرِ المتتاليات العدديّةِ، حدودها الأولى:

1,1,2,3,5,8,13,21,34,55,89,…

بملاحظةٍ بسيطةٍ نجدُ أنّ كلَّ حدٍّ من حدودِ المتتاليةِ (بدءاً من الحدِّ 2) ينتج عن جَمِعِ الحَدَّينِ السّابقَين له، مثلاً:

2=1+1

3=1+2

5=2+3

8=3+5

وهكذا. وبالتّالي فإنّ العددَ التّالي في المتتاليةِ أعلاه هو 55+89=144، ونظريّاً فإنَّ هذه المتتاليةَ تسعى نحو اللّانهاية.

من أين جاءت فكرةُ هذهِ المتتالية؟

سُميَّت فيبوناتشي نسبةً إلى الرّياضي ليوناردو فيبوناتشي الّذي عاش في القرنِ الثّاني عشر والّذي كانَ يهتمُّ بمسائلَ غريبةٍ. بدأ فيبوناتشي فكرتَه بتخيُّلِ أنَّ لديه زوجاً صغيراً مختلفَ النّوعِ من الأرانبِ الصّغيرةِ ( ذكرٌ وَأنثى).

بعدَ شهر كَبِرَ الأرنَبَان طبعاً.

وبعدَ الشّهرِ الثّاني أنجبَ الأرنبان أرنَبَين صغيرَين جديدَين مُختلفَي النّوع أيضاً.

بعدَ الشّهرِ الثّالثِ أنجبَ الزّوجُ الأوَّلُ زوجاً جديداً (ذكروَأنثى) وكَبُرَ الزّوج الثّاني، بالتّالي أصبح لدينا ثلاثُ أزواجٍ من الأرانب.

مرّةً جديدةً وبعدَ شهرٍ آخرَ وُلِدَ لكلِّ زوجٍ كبيرٍ زوجاً صغيرأ مُختلف النّوع وكَبِرَ كلُّ زوجٍ صغيرٍ.

طرح فيبوناتشي السّؤال التّالي: كم سيصبحُ عددُ أزواجِ الأرانبِ بعدَ سنةٍ إذا كانتِ الأرانب لاتمرض ولاتموت وكلُّ زوجٍ بالغٍ يَلِدُ شهرياً زوجاً مختلطاً من الأرانبِ والزّوجُ الصغيرُ يحتاجُ لشهرٍ حتّى يصبحَ قادراً على الإنجاب.

لاحظ فيبوناتشي أنّ عددَ أزواجِ الأرانبِ البالغةِ في أيِّ شهرٍ وليكن An يساوي عددَ الأرانبِ الكليّ ( الكبيرةِ والصغيرةِ) في الشّهرِ السّابقِ وليكن 1ــRn ، أي أنَّ:

كما أدركَ أنَّ عددَ أزواجِ الأرانبِ الصّغيرةِ في شهرٍ ما Bn يساوي عددَ أزواجِ الأرانبِ الكبيرةِ في الشّهرِ السّابقِ 1ــAn والّذي يساوي بدورهِ عددَ أزواجِ الأرانبِ الكليِّ في الشَّهر الّذي يسبقه 2ــRn.

ولذلك، فإنّ العدد الكليَّ لأزواجِ الأرانبِ الكبيرةِ والصغيرةِ في شهرٍ معيّنٍ هو مجموعُ إجماليِّ عددِ أزواجِ الأرانبِ في الشَّهرَين السّابقَين.

بالتّالي بدءاَ من زوجٍ واحدٍ ستتولد متتاليةٌ مطابقةٌ للمتتالية الّتي عرضنا حدودَها في بدايةِ المقالِ وعليهِ وَبعدَ 12 شهراً سنجدُ أنَّ عددَ أزواجِ الأرانبِ أصبحَ 144 زوجاً.

ثمّ ماذا؟

طبعاً، لاتتكاثرُ الأرانبُ في الطّبيعةِ بهذا الشَّكلِ المثاليِّ بسببِ الأمراضِ والموتِ وعوامل أخرى كثيرة، ولكن رُغمَ ذلك يمكنُ أن نجدَ متتاليةَ فيبوناتشي في أماكنَ كثيرةٍ على سبيلِ المثالِ في حلقاتِ الحلزوناتِ الطّبيعيّةِ وفي نموِّ النّباتاتِ وفي شجرةِ عائلةِ النّحلِ، وأيضاً في رقمٍ شهيرٍ جداً يُدعى النّسبة الذّهبيىّة.

قد تُشاهد متتالية فيبوناتشي أحياناً في الطبيعة؛ فنجد على سبيل المثال أن شكل الأعاصير أحياناً قائم على حلزون فيبوناتشي، وكذلك بعض المجرات الحلزونية، وبعض الزهور كعباد الشمس، والنباتات وثمارها كالأناناس ومخاريط الصنوبر، وقوقعة الحلزون، وحلزون الأذن، كما نجد أن طولي ساعد ويد الانسان يحققان النسبة الذهبية، وسلاميات الأصابع كذلك، وقديماً اعتمد اليونان في الكثير من رسوماتهم وتصاميمهم المعمارية (معبد باراثنيون) على النسبة الذهبية ومتتالية فيبوناتشي، واستخدمها ليوناردو دافنشي في لوحته الشهيرة الموناليزا، كما وظهرت في بعض الأعمال الموسيقية ربما بشكل مقصود أو غير مقصود.

الزهور العملاقة كعباد الشمس واحدة من المظاهر الأكثر وضوحاً وجمالاً لمتتالية فيبوناتشي، فإذا ما قمت بعدّ لوالب البذور التي تصل إلى الحافة الخارجية للزهرة باتجاه عقارب الساعة وعكس عقارب الساعة، فإنك ستجد عادةً زوجاً من الأرقام ذات التسلسل: 34، 55 أو 55، 89. وقد تصل إلى الزوج 89، 144 في الأزهار الكبيرة جداً.

لم يتمكن علماء الأحياء حتى الآن من فهم آلية نشوء أنماط بذور عباد الشمس هذه، كما أن نبات عباد الشمس لا يُظهر دوماً مثاليةً في أعداد فيبوناتشي، لذلك قام متحف العلوم والصناعة في مانشستر- المملكة المتحدة بتولّي مهمة القيام بهذه الدراسة؛ فعلى مدى السنوات الأربعة الماضية قام العديد من العامة بزرع زهور عباد الشمس خاصةٍ بهم وقدّموا صوراً وتعدادات لأنماط اللوالب.

بعد جمع كل هذه المعلومات عن 6,577 زهرة، ظهرت صورة أكثر واقعية لعباد الشمس، ونُشرت الدراسة في الجمعية الملكية للعلوم المفتوحة، وجاء في هذه الدراسة أن ما يقارب واحداً من خمسة من الزهور إما أنها لم تحمل نمطَ فيبوناتشي أو حملت أنماطاً أكثر تعقيداً، بما في ذلك سلاسل مشابهة لفيبوناتشي ونماذج رياضية أخرى.

النمو الذّهبي:

يبيّن علماء النبات أن النباتات تنمو من مجموعة صغيرة منفردة من الخلايا تقع على رأس أي نبات ينمو تسمى بالنسيج الإنشائي، ويوجد نسيج إنشائي منفصل في نهاية كل فرع أو غصن حيث تتشكل الخلايا الجديدة وحالما تتشكل ينمو حجمها ولكن الخلايا الجديدة تتشكل فقط في نقاط النمو وتتوسع الخلايا بشكل مبكر في أسفل الساق وبالتالي ترتفع نقاط النمو وكما أن هذه الخلايا تنمو بشكل حلزوني كما لو أن النسيج الإنشائي يستدير بشكل زاوية ينتج خلايا تستدير بنفس الزاوية وتنتج خلية جديدة وهكذا دواليك، وهذه الخلايا يمكن أن تصبح بذرة أو ورقة جديدة أو فرعًا جديدًا وربما يمكن أن تصبح بتلات أو سداة على الزهرة.

الشيء الرائع هو أن زاوية واحدة ثابتة للدوران يمكن أن تنتج التصميم المثالي مهما كان حجم نمو الزهرة، ومبدأ أن الزاوية الواحدة تنتج حزمًا غير منتظمة مهما كان واضحًا حجم النمو تم اكتشافه مبكرًا ولكن لم يتم إثباته رياضيًا حتى 1993 من قبل ستيفاني دوادي- StéphaneDouady و Yves Couder وهما عالما رياضيات فرنسيان حيث جعل 0.618 من الانحراف قبل إنتاج بذرة جديدة ( ورقة أو بتلة..الخ) ينتج الرزم المثالية من البذور مهما كان حجم رأس البذرةولكن من أين يأتي الرقم السحري 0.618؟

النسبة الذهبية:

إذا أخذنا نسبة رقمين متتاليين من سلسلة فيبوناتشي بقسمة كل منهما على الآخر سوف نجد سلسلة الأرقام التالية:

1/1=1، 2/1=2 ،3/2=1.5 ،

5/3=1.666…،8/5=1.6 ،13/8=1.625 ،21/13=1.61538….

إذا رسمت منحنيًا يمثل هذه القيم سترى بأنها ستصل إلى حد معين والذي نسميه النسبة الذهبية (كما يسمى الرقم الذهبي أو القسم الذهبي).

قيمته تصل إلى(1+5√) /2 (أي تقريبًا1.618034) ويتم تمثيله غالبًا بالحرف اليوناني Phi الذي يكتب على الشكل ɸ، وأقرب قيمة له والتي نكتبها على الشكل ɸ (phi بأحرف صغيرة) هي فقط القسم العشري من Phi أي 0.618034.

((5√-1)/2) وهو الرقم الذي يمثل الأشكال الحلزونية في رؤوس البذور وترتيب الأوراق في عدة نباتات ولكن لماذا نرى الرقم phi في الكثير من النباتات؟

الرقم Phi(1.618034) والرقم phi 0.618034 هي أرقام غير منطقية ولا يمكن كتابتها على شكل قسمة بسيطة، لنرَ ما الذي يمكن أن يحصل لو أن النسيج الإنشائي في رأس البذرة تحول بدلًا من ذلك إلى رقم أبسط على سبيل المثال 1/2.

بعد دورتين عبر نصف دائرة سنعود إلى حيث تم إنتاج أول بذرة، ومع مرور الوقت الدوران بنصف دورة بين البذور سينتج رأس بذرة بذراعين ينتشران من النقطة المركز ويتركان الكثير من المساحة الضائعة.

رأس بذرة تم إنتاجه ب0.5=1/2 دورة بين البذور: تتعاقب البذور على شكل خط
رأس بذرة تم إنتاجه ب0.48=12/25 دورة بين البذور:البذور تشكل ذراعين دائريتين.
رأس دائرة تم إنتاجه ب 0.6=3/5 دورة بين البذور : البذور تشكل خمسة أذرع مستقيمة.
Pi دورة بين االبذور تنتج سبعة أذرع حلزونية.

الشيء نفسه سيحدث لأي قسمة بسيطة مشابهة لدوران: البذور تنمو بأذرع حلزونية تترك مسافة كبيرة بينها (عدد الأذرع هو القاسم المشترك للقسمة) وبالتالي فإن أفضل قيمة للأدوار بين البذور ستكون رقمًا غير منطقي ولكن ليس كل رقم غير منطقي سيفي بالغرض.

على سبيل المثال رأس البذرة الذي يتم ينشأ بـ pi دورة لكل بذرة يبدو أنه يملك سبعة أذرع حلزونية من البذور وذلك لأن 22/7 هو قيمة تقريبية منطقية جدًا لـ pi.

ما نحتاجه لعدم تضييع المساحة هو رقم غير منطقي لا يمكن تقريبه إلى رقم منطقي ويتبين أن الرقمين )1.618034(Phi وجزؤه العشري هما أكثر رقمين غير منطقيين بين كل الأرقام الغير منطقية ويمكنك أن تكتشف

ذلك في كتاب : (الفوضى في أرض الأرقام: الحياة السرية للقسمة المستمرة Chaos in number land: the secret life of continued fractions).

ولذلك فإن دورة Phi تعطي الحزم المثالية للبذور والأوراق في النباتات، وكما أنها تشرح لماذا تظهر أرقام فيبوناتشي في ترتيب الأوراق وفي رقم الأشكال الحلزونية في رؤوس البذور.

أرقام فيبوناتشي المتجاورة تعطي أفضل قيم تقريبية للنسبة الذهبية، حيث تتبادل الأدوار بأن تكون القاسم للقيم التقريبية وتعرّف عدد الأشكال الحلزونية عندما تزداد أحجام رؤوس البذور.

كيف اكتشفت الكثير من النباتات هذا الرقم الرائع والمفيد Phi؟

كما هو واضح فإنها لم تكتشفها من الحل الرياضي كما فعل فيبوناتشي، بدلاً من ذلك نفترض أنه كما استقرت النسبة بين أرقام فيبوناتشي أن تكون النسبة الذهبية فإن التطور تدريجيًا أيضًا استقر على الرقم الصحيح، وإن إرث ليوناردو بيزانو أو فيبوناتشي هو محور كل زهرة فإنه أيضًا محور نظام أرقامنا.

إعداد: جمال علي