لماذا لا يمكن وصف الواقع الكمومي بدون استخدام لفظ أنا؟

احتمال بايزن يجيب:

احتمال بايزن هو تفسير مفهوم الاحتمال على أنه توقعات ممكنة لظاهرة ما حيث تمثل هذه التوقعات حالة من المعرفة أو مقياس لاعتقاد شخصي، بدلاً من استخدام مفهوم الاحتمال التكراري.

تقتضي وجهة النظر التقليدية للفيزياء الكمومية بأن الجزيئات الصغيرة جداً تتخذ شكل العديد من الحالات في وقت واحد حتى يقوم مراقب بقياسها، ما يجعلها تختار حالة واحدة فقط.

ولكن وفقاً لتفسير محير ومثير للجدل، لا شيء موجود بالفعل في العديد من الحالات في وقت واحد – فقط يمكن اعتبار المراقب غير متأكد من الحالة التي يوجد الجسيم عليها.

لكنه بمجرد أن يقوم بالقياس سيعرف.

قدم هذه النظرية الكمومية كريستوفر فوشس Christopher Fuchs، وهذه النظرة تركز على مراقب ميكانيك الكم تسمى «احتمال بايزن أو بيشان الكمي – Quantum Bayesianism»، أو «كبيزم» اختصارًا.

أكون أو لا أكون «كبيزم»:

إذا كنت تفكر في العالم الكمومي كمجموعة من البطاقات، فإن تفسير (كوبنهاجن) التقليدي سوف يذهب إلى هذا المعنى: عندما يضع موزع الورق وجه بطاقة واحدة إلى الأسفل فإن تلك البطاقة تصبح جميع البطاقات الاقنين والخمسين في وقت واحد. في ميكانيكا الكم التقليدية يعرف هذا المفهوم باسم «التراكب – superposition»، والصيغة الرياضية التي تصف كل تلك الحالات تسمى الدالة الموجية.

فقط عند اختيار تلك البطاقة، والنظر فيها يتم «اختيار» هويتها (المعروف أيضا باسم «انهيار الدالة الموجية»).

وبالمثل، إذا تم التعامل مع جميع البطاقات حتى يتبقى فقط بطاقتي الآس البستوني والملكة القلوب هي التي تبقى، إذا وضعت الآس البستوني فإن هذا يغير حالة البطاقة المتبقية حتى تصبح ملكة القلوب.

تلك العلاقة حينما تغير حالة بطاقة واحدة حالة البطاقة الأخرى هو مفهوم يسمى «التشابك – entanglement».

كيف يرى إحتمال الـ«كبيزم» نفس اللعبة بطاقة؟

عندما يضع موزع الأوراق وجه البطاقة إلى الأسفل، يعرف اللاعب أن البطاقة لديها احتمال 1 من 52 لكونها أي بطاقة من بطاقات اللعبة. واحتمال 1 من 4 لكونها واحدة من بطاقات الرموز، و احتمال 1 من 2 لكي تكون حمراء أو سوداء. تبعا للـ«كبيزم» هذا هو كل ما تعنيه الدالة الموجية: وصف الاحتمالات.

عندما نقلب البطاقة، بدلاً من كون الموضوع «اختيار» بطاقة، على سبيل المثال آيس البستوني، سنعتبر أن لاعباً قام بتحديث معرفته، بمعنى أن هذه البطاقة أصبح لديها الآن احتمال مئة من المئة كي تكون الآس البستوني. بمعنى أن الدالة الموجية يتم تحديثها، وليس انهيارها.

وبالمثل، عندما يتم ترك اثنين فقط من البطاقات بوجهٍ مقلوب لأسفل على الطاولة، فإن كل بطاقة لديها ببساطة احتمال 1 من 2 أن تكون –كلا البطاقتين-. إنهما يرتبطان معاً من قبيل الاحتمال، ما يغلق الباب أمام كونها ظاهرة شبحية كمومية.

وفقا لـلـ«كبيزم»، ميكانيكا الكم هي مجرد احتمالات للواقع، وليس الواقع نفسه.

كيف تحصل على الاحتمالات الخاصة بك في الواقع الخاص بي!

هكذا تعمل البطاقات في الواقع، شرح الـ«كبيزم» بهذا المثال يظهر كيف تبدو محكمة جداً، لكن الـ«كبيزم» تأخذ شكل وجهة نظر فريدة في نظرية الاحتمالات: إنها تصف بشكل أكبر فكرة عدم اليقين للمراقب من فكرة أنه يرى الأمور يقينية بشكل واقعي. هذا هو سبب الاعتراض الرئيسي على الـ«كبيزم» حيث أن كل شيء خاضع للتجربة الشخصية ذاتية، لذلك يبدو أن الواقع موجود فقط في ذهن المراقب، وأن شخصين مختلفين يمكن أن يكونا واقعين مختلفين.

يقول منتقدو الفكرة أن العلم موضوعي. الواقع واقع، سواء كان هناك مراقب أم لا.

ولكن، كما كتب ن. ديفيد ميرمين N. David Mermin في دورية الطبيعة، هذا الاتهام غير عادل: «على الرغم من أنني لا يمكن أن أدخل عقلك لتجربة التصورات الخاصة بك، لكن يمكنك أن تؤثر على تصوراتي من خلال اللغة، وعندما أتحدث معك أو أقرأ الكتب والمقالات فإنني أقدم التشبيهات لهذا العالم بنفسي من خلال تجربتي، و أنت تستنتج بخبراتك المعنى، هكذا يمكننا التوصل إلى فهم مشترك لعوالمنا الخارجية، على الرغم من خصوصية تجاربنا الفردية».

الـ«كبيزم» لا تثير أسئلة من تلقاء نفسها. لكن إذا لم تصف ميكانيكا الكم الواقع الخارجي فماذا ستصف إذاً؟

يقول فوكس لدورية كوانتا: قد يكون هذا السؤال الخطأ.

«نحن عادة ما نفكر في الكون هذا الشيء الجامد الذي لا يمكن تغييره». «بدلا من ذلك، من الناحية المنهجية يجب أن نفترض العكس تماما: أن الكون أمامنا حتى نتمكن من تشكيله، وأنه يمكن تغييره، وأنه سوف يدفعنا مرة أخرى،وسوف نفهم حدودنا من خلال ملاحظة كم يدفعنا نحن أيضاً».

ترجمة: مصطفى العدوي

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

تدقيق علمي: سلاف سلمة

المصادر: 1