مشكلة جوائز نوبل وأسطورة العبقري الوحيد

لطالما كان تقييد جوائز نوبل لثلاثة أفراد فقط مشكلة، وزيادة في معاناة العلماء ومساهماتهم اليومية.

الأسبوع الماضي، مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء لاكتشاف موجات الجاذبية، بعد جهد جماعي كبير في تجربة مرصد (Ligo). وأثار الإعلان النقاش الدائم حول لماذا يعزى التقدم العلمي إلى عدد قليل جداً من الناس فقط!

ووفقاً لما ذكره مراسل العلوم في هيئة الإذاعة البريطانية «بالاب غوش» قال الأستاذ مارتن ريس، عضو فلكي ملكي سابق ورئيس الجمعية الملكية، في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، “إن نجاح ليجو كان مستحقاً لمئات الباحثين. وقد يسبب رفض لجنة نوبل لعام 2017 إعطاء جوائز جماعية مشاكل كثيرة، فضلاً عن إعطاء انطباع مضلل عن طبيعة العلوم وتطورها”.

و في الواقع أيضاً، أشار أحد مستلمي جائزة نوبل الثلاثة، وهو البروفسور رينر فايس من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، إلى إن الاكتشاف لم يشمل فقط مئات لكن أكثر من 1000 عالم وهو فكرة تطورت على مدى40 عاماً!

ومع ذلك، فإن لجنة نوبل لا تعطي الجائزة لأكثر من ثلاثة أشخاص. ليس هناك شك في أن المتلقين الثلاثة قدموا مساهمات مذهلة، لكن حتى قبل ظهور مشاريع علمية كبيرة ضخمة مثل (Ligo)، كان من الصعب -والظلم- دائماً أن ينسب العمل إلى عدد قليل جداً. وبما أن العلم يصبح متعدد التخصصات بشكل متزايد، فإن هذه المشكلة سوف تزداد سوءاً فقط.

عندما يتعلق الأمر بالاكتشافات العلمية العظيمة فنحن من النوع الذي يتوق إلى “بطل روائي”، فرد أو أفراد قلة يتبلور فيهم التقدم الملموس. لذلك تكون “لحظة إيجاد الفكرة” مثل رمز جذاب؛ فكرة صاعقة تضرب البطل، تجربة علمية تغير نسيج إدراكنا عن بنية الكون للأبد.

هذه الأشياء من القصص الكبرى، من المعرفة والأساطير، هي التي تلهم الجيل القادم من العلماء. والمغزى أنه يمكن لأي شخص أن يكون البطل، إذا كان في المكان المناسب والوقت المناسب وكان منفتحاً للتجربة.

الكسندر فليمينغ مثال جيد عن هذا النوع من السرد، إذ لاحظ وتساءل عن هذا العفن العرضي غير المرغوب في طبقه بدلاً من أن يرميه ويتوجه إلى أقرب حانة! لكن لحظة الكسندر الاكتشافية (المشكوك بأمرها) لم تكن إلا البداية، متبوعة بكثير من الجهد والإصرار وحتى هو لم يكن يعلم ما هو بصدد اكتشافه لكن، حسناً، هذا النوع من قصص التطور البطيء ليست مثل خرافات الخلق إثارة!

والتحيز موجود أيضاً في العلم باستغلال عمل المختبرات المتواضعة، وعندما أقرأ عن آخر الاكتشافات البيولوجية ألاحظ الكثير خلف أبطال غلاف المجلة (العلماء الأساسيين) من باحثين لم يذكروا ولم تذكر إنجازاتهم وهناك أيضا الطلاب وطلاب ما بعد الدكتوراه الذين ساهموا في وضع الصورة الأولية لأبحاث ودراسات مستقبلية لكن إنجازهم كان بسيطاً لم يؤهلهم للظهور على غلاف مجلة وهذا حال التقنيين على سبيل المثال وغيرهم كثير.

ثم هناك الناس الذين لا يعرفون حتى إنهم قد ساعدوا. المتحدثون في المؤتمرات الذين أوقد عملهم شعلة الأفكار الجديدة وكتّاب أوراق بحثية قديمة ساهمت بحوثهم بدفع عجلة الأبحاث المستقبلية والبناء على أساسها.

وأعتقد أنه ليس من قبيل المبالغة تقدير أن المساهمات غير المغطاة يمكن أن تصل إلى المئات، حتى بالنسبة للمشاريع الصغيرة التي لا تنطوي على فِرق ضخمة وسيكون الكثير إن لم يكن معظم المتطوعين الشباب يعملون على عقود قصيرة الأجل ولا يكسبون شيئاً مقارنةً مع غيرهم من المهنيين.

وكثيرون، حسب تقييم مختلف الدراسات الاستقصائية مثل تلك التي تديرها فيتاي، يودون البقاء في الأكاديمية. ولكن بالنظر إلى أن العلم الأكاديمي يرتكز على نموذج للعمالة الرخيصة، التي يمكن التخلص منها، فمن غير المحتمل تحقق هذه الاحلام. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة، لا يشكل الموظفون الدائمون سوى 3.5٪ من محصلي الدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا والابتكار في الجامعات، و 17٪ فقط في المنظمات البحثية غير الجامعية، بما في ذلك الصناعة.

واحدة من أسهل الطرق لضمان موقع دائم هو أن تكون بطل ورقة بحثية ويسجل اسمك على ورق الاكتشاف عندها ستضمن مستقبلك، ولن يذكر غالباً المساهمون في الخلفية بكل دموعهم وتعبهم ولن يبقى لهم أثر.

ويمكن للمهنية العلمية ككل، أن تقوم بعمل أفضل بكثير في الاعتراف بجميع الجهات، العملاقة والمتواضعة، التي يقف عليها الأبطال العظيمون. هناك تروس وعجلات في الجهاز الضخم الذي تخرج منه الاكتشافات، وكل جزء ضروري.

والاعتراف ليس فقط حول الجوائز الكبرى مثل نوبل، التي لا يفوز بها غير قلة. لكن الأهم من ذلك عندما يتعلق الأمر بالتقدم الوظيفي، على سبيل المثال عندما يحين الوقت لقائمة مختصرة أو الترويج لفرد لمنصب أكاديمي.

دورة نوبل السنوية هي الوقت لإعادة التفكير رغم أن مقاومة جاذبية أسطورة العبقري الوحيد لن تكون سهلة. وقياس قيمة الفرد الحقيقية ومساهمته ستكون أكثر صعوبة. ولكن نحن مدينون لجميع الباحثين المجهولين بجعل نظام المقاييس الفردية والائتمان أكثر عدلاً.

ترجمة: غازي فيصل غازي

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

تدقيق علمي: موسى جعفر

المصادر: 1