لماذا نعاني من قصر النظر؟

يقول إيان فليتكروفت من المستشفى الجامعي للأطفال في دبلن:” قصر النظر مرض مرتبط بالعصر الصناعي”.

وتشكل عوامل، مثل انتشار التعليم وحملات تعليم القراءة والكتابة جزءا من التغير الذي حل بالعالم مع العصر الصناعي، وهي عوامل يمثل وجودها أحد التفسيرات الأكثر شيوعا للمعاناة من قصر النظر.

للوهلة الأولى، يبدو الدليل على صحة ذلك قويا: فما أن يلقي المرء نظرة على هذا العدد الهائل من النظارات التي تلمع طوال الوقت على وجوه الحاضرين في أي قاعة للمحاضرات بالجامعة أو بأي مؤتمر أكاديمي، حتى يشعر بأنه قد عثر على برهان يثبت وجود مثل هذه الصلة.

لكن الدراسات المتعلقة بعلم الأوبئة تشير إلى أن تأثيرات عوامل مثل التعليم ومحو الأمية على الإصابة بقصر النظر أقل كثيرا مما كان يُعتقد.

وقال فليتكروفت: “كلما أمعنا في دراسة هذا الأمر، وتعرفنا على حجم ما يقرؤه الناس، وجدنا الرابط ما بين الأمرين قد تلاشى”.

أما ياكوبسِن فتقول إن نتائج دراسة كبيرة تناولت متابعة تطور أداء الأطفال في ولاية أوهايو الأمريكية، أظهرت عدم وجود ارتباط على الإطلاق بين قصر النظر والقراءة، وذلك بالرغم من أنه يستحيل أن نستبعد بشكل كامل وجود تأثير للانغماس في القراءة على ضعف الإبصار.

بدلا من ذلك، يقول كثيرون الآن إن البقاء لفترات أطول داخل المنزل هو العامل الذي يؤثر بشكل أكبر في مسألة تدهور القدرة على الإبصار، وليست القراءة.

فهناك دراسات تلو أخرى جرت في بقاع شتى من أوروبا إلى استراليا وآسيا، خلصت إلى أن من يقضون وقتا أطول خارج المنزل، أقل تعرضا للإصابة بقصر النظر، مقارنة بمن يقضون أغلب أوقات حياتهم حبيسي الجدران.

كيف ذلك؟ ثمة تفسير يحظى بالانتشار مفاده أن ضوء الشمس يزيد، بشكل ما، قدرة العينين على الإبصار:

أجرى الباحث سكوت ريد من جامعة كوينز لاند للتكنولوجيا تجربة مؤخرا زود فيها مجموعة من تلاميذ المدارس بساعة خاصة تسجل، كل ثلاثين ثانية ولمدة أسبوعين، كل حركة يقومون بها، وشدة الضوء الذي يتعرضون له.

وكشفت الدراسة عن عدم وجود فوارق في مقدار النشاط ما بين الأطفال الذين ينعمون بقوة إبصار جيدة ونظرائهم الذين يرتدون نظارات، وهو ما استبعد إمكانية أن يكون النشاط البدني، والتمتع بصحة جيدة بوجه عام، سببا في حماية العينين.

بدلا من ذلك، بدا أن قياسات عدسات النظارات، التي تستخدم لتصحيح الإبصار، تعتمد – تقريبا على وجه الحصر – على الوقت الذي كان يُقضى تحت أشعة الشمس.

وعموما، تركيز ضوء الشمس الساطع يمكن أن يكون أقوى بآلاف المرات من تركيز الأضواء المُستخدمة داخل المباني (على الرغم من أن أعيننا ربما تخفي مثل هذا الاختلاف). وهكذا، كلما زادت كمية ضوء الشمس الذي ينعم به الأطفال، كانوا أقل حاجة للنظارات.

من جهة أخرى، ربما يحفز ضوء الشمس جسم الإنسان لإنتاج فيتامين (د) المسؤول عن صحة جهاز المناعة والدماغ.

كما أنه قد يكون مسؤولا عن تنظيم صحة العين. وكذلك، ربما يكون ضوء الشمس مُحفزا على إطلاق مادة الدوبامين الكيميائية التي تصل إلى العين مباشرة.

وتنجم الإصابة بقصر النظر عن استطالة مفرطة لمقلة العين، مما يزيد من صعوبة أن تُجمِّع العدسة الصورة على الشبكية، ولكن يبدو أن مادة الدوبامين تكبح جماح مثل هذا النمو المفرط، لتُبقي على طول المقلة في حيزه الطبيعي.

أشارت توقعات لخبراء في طب العيون إلى أن نصف سكان العالم سيعانون من قصر النظر بعد 35 عاما، وأشاروا إلى أن نحو مليار شخص ممن يعانون من قصر النظر الشديد سيكونون عرضة لخطر العمى.

وحسب الدراسة التي نشرت نتائجها مجلة “أوبثالمولوجي” العلمية، فإن الإحصاءات تشير إلى أن نسبة القصيري النظر من سكان العالم ارتفعت من 23% (مليار و400 مليون نسمة) سنة 2000 إلى 28.3% (مليار و900 مليون نسمة) سنة 2015.

وتوقعت الدراسة المشتركة بين معهد “برين هولدن فيزن” للبصر في جامعة “نيو ساوث والس” الأسترالية ومعهد “أي ريسيرش” في سنغافورة، أن يستمر هذا الارتفاع في السنوات القادمة، لتبلغ نصف سكان العالم سنة 2050، أي ما يعادل حوالي أربع مليارات وسبعمائة مليون نسمة.

وأشار الباحثون إلى أن نحو مليار شخص ممن يعانون من قصر النظر الشديد سيكونون عرضة لخطر العمى، أي أن قصر النظر قد يصبح المسبب الرئيسي لفقدان البصر في العالم.

وقصر النظر -المعروف أيضا بحسر النظر- هو ضعف في حدة بصر العين خاصة عند رؤية الأشياء البعيدة.

وكشفت الدراسة أن أسباب ارتفاع نسبة قصر النظر في العالم، تعود أساسا إلى عوامل بيئية والتغيرات العميقة التي طرأت على نمط الحياة.

إذ تشير الدراسة إلى أن قضاء ساعات طويلة أمام شاشات الأجهزة الإلكترونية، وقضاء أوقات أقل من السابق في الهواء الطلق للقيام بأنشطة مختلفة، قد أثر على سلامة العنينين. لكن الباحثين لم يستبعدوا أيضا العامل الجيني.

وارتكز الخبراء في دراستهم على أكثر من 145 دراسة أجريت ابتداء من سنة 1995، وإلى إحصاءات وتوقعات الأمم المتحدة المتعلقة بتنمية السكان في العالم.

وبعد تحليل معلومات كل بلد على حدة، اتضح أن ارتفاع نسبة قصر النظر يمس الشباب خاصة في شرق آسيا، حيث إن معدل انتشار حسر النظر مرتفع لديهم بضعفين مقارنة بمناطق أخرى في العالم. ويعود السبب في ذلك إلى ضغط نظام التعليم في بلدان كسنغافورة وكوريا وتايوان والصين، وهي بلدان يستعمل فيها الأطفال منذ سن مبكرة وبشكل مكثف الأجهزة الإلكترونية.

دراسة ألمانية:

توصل علماء ألمان من الجامعة الطبية في ماينتس إلى كشف العلاقة بين المعرفة والذكاء وقصر النظر. ونشر العلماء نتائج دراستهم في الدورية العلمية “انفيستيكاتيف أوبذالمولوغي أند فيسوال ساينس”. ونقل موقع “هايل براكسيز” الألماني نتائج الدراسة وذكر الموقع أن الذكاء لا يرتبط مباشرة بقصر النظر، بل أن قصر النظر يزداد عند الأشخاص الذين يتمتعون بتحصيل علمي عالٍ.

وقصر النظر هو أكثر أمراض العين انتشارا. وذكرت الدراسة أن قصر النظر “مرتبط بصورة وثيقة مع ارتفاع نسبة خطر الإصابة بأمراض مثل انفصال الشبكية والتنكس البقعي وعتامة العين (ظهور الماء الأبيض في العين) وكذلك مرض الغلوكوما (أو ظهور ماء أزرق في العين)”.

ويلعب الكشف المبكر عن أسباب المرض دورا مهما في علاج أمراض العين، وذلك كون أن مرض قصر النظر يمكن علاجه بصورة جيدة في مراحل المرض الأولى ويمكن حتى الشفاء منه، كما نقل موقع “هايل براكسيز”.

المصادر: 1 - 2 - 3