ما تأثير الطقوسِ الدينية على الجهازِ العصبي؟

فسّر بعضُ الفلاسفةِ كلمةَ “الدِّين” على أنها الإيمانُ بوجودِ خالقٍ أو قوةٍ تتعالى عن الصفاتِ البشريةِ وعبادتُه، وذلك من خلال بعض الشعائر والطقوس، حيث تنعكسُ تعاليمُ الدينِ عبرَ خصائصِ تلك الطقوس.

والديانةُ ظاهرةٌ فريدةٌ في البشرِ تعززُ لديهم بعض القيمِ من الأملِ إلى الكراهيةِ لبعضِ الأمور.

ولماذااستمر البشرُ بأداءِ طقوسِ ديانتِهم بغضِّ النظرِ عن الصراعاتِ الطائفيةِ بينهم على مرِّ العصور؟

خصوصاً أنَّ بعضَ هذه الطقوسِ أصبحَت تؤثرُ على الحالةِ الجسديةِ للإنسان كرقصةِ الشمسِ التي يؤديها أعضاءُ قبيلةِ “لاكوتا” (قبيلةٌ من السكان الأصليين تقطن في شمال أمريكا)، فتارةً يقومون بإيذاءِ أنفسهم، والتضحية بعددٍ من الأشخاص تارةً أخرى.

الإجابةُ الأوليةُ لهذه الأسئلةِ تكمنُ في تعزيزِ قيمةِ الانتماءِ للمجتمعِ و التقاليدِ المتَّبعة.

لذلك خاضتِ العديدُ من أبحاثِ العلومِ العصبيةِ في الدعائمِ المتعلقةِ بالديانةِ ونتائجِها، والنتائجُ أعطَت روئً جديدةً عن جذورِ التصديقِ بالدِّين.

دراسةُ الطقوسِ الدينيةِ والجسدِ ليست دراسةً جديدة، فهي ستعطينا فهماً أعمقَ حولَ كيفيةِ تديُّن الأشخاص.

والعلمُ الذي يبحثُ في تأثيرِ أداءِ الطقوسِ الدينيةِ على الدماغِ يُدعى “الإلهيات العصبية”.

فقد عرّف البعضُ الطقوسَ الدينيةَ على أنها التمركزُ على الجسد، في حين عرفها آخرون على أنها انفصالُ الجسدِ عن العقل، وذلك وقتُ الاندماجِ الذهنيِّ المطلق.

لهذاصرّح بعضُ الباحثين في مجالِ الإلهياتِ العصبيةِ أن الجسدَ والعقلَ يكونان في حالةٍ مستقلّة، وهذه الحالةُ هي ما تعنيه حالةُ الانفصال.

ممارسةُ الطقوسِ بحدِّ ذاتِها ليست نشاطاً بيولوجياً (جسدياً) فقط، ولكن يمكنُ ملاحظةُ الأثرِ على المدى القريبِ والبعيدِ على كلتا الحالتين؛ الجسدية والذهنية.

وقامَ خبيرُ الأعصابِ -الدكتور أندرو نيوبيرغ– بمقارنةِ الموجاتِ الدماغيةِ لأشخاصٍ يقومون بالتأملِ والقيامِ ببعضِ الطقوسِ التي تتطلبُ النطق، وأشخاصٍ في حالةِ الراحةِ التامةِ أو الاسترخاء، وكانتِ النتيجةُ مذهلة؛ فالبرّغم من أن عمليةَ التأملِ أو النطقِ تتطلبُ قدراً من التركيزِ الذهنيِّ وتحريكِ المشاعرِ بشكلٍ أو بآخر، إلا أنَّ الموجاتِ الدماغيةَ كانت متطابقةً إلى حدٍّ كبيرٍ مع تلك في حالةِ الاسترخاءِ التام.

فمن الناحيةِ النظرية، بغضِّ النظرِ عن ماهيةِ الطقوس، فإن الدماغَ وبالتالي أجسادَنا تتعرضُ لردةِ فعلٍ متشابهة.

ودراسةُ هذا المحتوى من الناحيةِ العصبيةِ سيزوِّدنا بالدليلِ العلميِّ لدعمِ هذه الفكرة.

المعلوماتُ العصبيةُ التي تم جمعُها خلالَ الطقوسِ الدينيةِ أظهرتِ انخفاضَ النشاطِ في الفصِّ الجداريِّ في الدماغ، وهو الجزءُ المسؤولُ عن عملياتِ التحفيزِ الحسيةِ وهو الجزءُ الذي يساعدُنا على بناءِ الشعورِ بالذاتِ وكيفيةِ ارتباطِها بالعالمِ الخارجي.

وهذادليلٌ عصبيٌّ على انخفاضٍ فعليٍّ في إدراكِ البيئةِ المحيطة.

وباختصار، فإن انتقالَ الحالةِ الذهنيةِ في الطقوسِ الدينيةِ يصاحبُها نشاطٌ دماغيٌّ معين أو “تثبيطٌ للنشاط” في هذه الحالة.

ويبدو أن الاستغراقَ في أداءِ الطقوسِ الدينيةِ يُنظَّمُ في الدماغِ أيضاً، فبينما ينخفضُ نشاطُ الفصِّ الجداريّ، يرتفعُ نشاطُ الفصِّ الجبهيِّ المسؤولِ عن التركيز.

ويشهدُ الفصُّ الصدغيُّ نشاطاً أيضاً، وهذا أمرٌ مهمٌّ لأن نوباتِ الصرعِ الناتجةَ من هذا الجزءِ من الدماغِ فسّرَها البعضُ على أنها نتيجةٌ لـ “تجربةٍ روحيةٍ دينية” .

وطُبِقت هذه النظريةُ في دراسةٍ على الشامان (ظاهرةٌ دينيةٌ موجودةٌ في دولِ آسيا الوسطى)، وهي عبارةٌ عن طقوسٍ دينيةٍ ترتكزُ إلى انتقالِ الشخصِ إلى حالةٍ ذهنيةٍ شديدةِ التركيز.

والجديرُ بالذكرِ أن هذه الحالةَ تتمُّ دونَ مساعدةِ أيٍّ من الموادِّ المؤثرةِ على العقل.

ووجودُ المشككين حولَ قدرةِ الشامان على علاجِ بعضِ الأمراضٍ باستخدامِ هذه الحالةِ الذهنيةِ هو أمرٌ طبيعيٌّ، ولكن هناك أدلةٌ عصبيةٌ على إمكانيةِ الوصولِ لهذه الحالةِ الذهنيةِ فعلاً.

وهناك جزءٌ في الدماغِ يدعى اللوزةَ الدماغية، يرتبط أحياناً بالظواهرِ الذهنيةِ غيرِ الاعتيادية، الفصامِ وبعض الاستجاباتِ العاطفية، حيث ينشطُ هذا الجزءُ أيضاً أثناءَ الطقوسِ الدينية.

وهذه الحالةُ الذهنيةُ التي يسعى الشامان أو أيُّ طائفةٍ لتحقيقها لا تتعلقُ بالديانةِ فحسب، حيث أن للإنسانِ القدرةَ عن الانفصالِ عن الواقعِ والدخولِ في حالةٍ ذهنيةٍ مشابهةٍ لتلكَ في الطقوسِ الدينية.

وجد الباحثون كذلك أن أيَّ نوعٍ من أنواعِ الطقوسِ -الدينية أو غير الدينية- والتي تُنتجُ حالةً من المتعةِ والانفصالِ تندرجُ تحتَ التصرفاتِ المتتابعةِ والتي يقومُ الدماغُ بتكرارِها مراراً.

وتشيرُ دراساتٌ عديدةٌ أن السعادةَ والرضا والطاقةَ الإيجابيةَ متعلقةٌ بأداءِ طقوسِ العبادةِ باستمرار.

وأشارَ الدكتور نيوبيرغ أن الحالةَ الذهنيةَ التي تُشعِركَ بالسعادةِ هي نتيجةُ نشاطِ الدماغِ المرتبطِ بالطقوسِ الدينيةِ وله آثارٌ على المدى البعيدِ على صحةِ الإنسانِ الجسديةِ والذهنية.

وقام الدكتور نيوبيرغ بدراسةِ أثرِ بعضِ طقوسِ التأملِ على كبارِ السنِّ من مرضى الزهايمر، حيث أجرى لهم مسحاً للدماغِ منذ اليومِ الأول، وبعدَ ثمانيةِ أسابيع، أظهرت صورُ الدماغِ تغيراً ملحوظاً في نشاطِ الدماغ، وشعرَ المرضى براحةٍ أكبرُ وتحسنتِ الذاكرةُ لديهم قليلاً.

وفي دراسةٍ منفصلة، فإن ممارسةَ الطقوسِ له تأثيرٌ مباشرٌ على خفضِ نسبةِ التوترِ والحمايةِ من الاكتئاب.

ترجمة: إبراهيم وصفي

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

تدقيق علمي: بسام ناجي

المصادر: 1