ماذا سنحتاج (غير الديناصورات) لإقامة حديقة حقيقية تحاكي العصر الجوراسي

في الصيف القادم وكالكثير من محبي ورواد السينيما، أخطط لكي أشاهد فيلم: Jurassic World: Fallen Kingdom، وبصفتي عالم حفريات، فإنني أحيي أبطال هذا الفيلم (الديناصورات) وأسخر من أشراره (البشر).

على أية حال لا يهم كم من الممتع أن تكون مشاهدة هذا الفيلم، سيبقى هناك سؤال يراودني طوال الوقت: لماذا غابت خنافس الروث عن الفيلم؟

خنافس الروث – وهي خنافس تعيش وتأكل وتتكاثر داخل الروث- هي واحدة فقط من الضروريات البيئية الكثيرة في العالم الجوراسي الحقيقي (كالعالم الموجود في ” الحديقة الجوراسية ” – الفيلم-)، نعم سيكون من سابع المستحيلات أن نستنسخ الديناصورات المنقرضة منذ زمنٍ بعيد، وحتى إن توفرت جينات الديناصورات، لا يمكننا خلقها هكذا من لاشيء، لذلك وحتى نصل إلى جوهر النقاش لنقل أن هناك شركة ثرية للغاية تمكنت من خلق مجموعة متنوعة من الديناصورات في المختبر.

الخطوة التالية لبناء حدائق “بوش” لكن بطراز العصور المتوسطة (الموسيزيكية) هي أن نعرف كيف يمكننا إعادة خلق -والمحافظة- على النظام البيئي التي كانت تعيش فيه الديناصورات قديماً.

للوصول إلى هذا الهدف سيتطلب وجود فريق ضخم من العلماء، ويجب أن يتكون الفريق (على الأقل) من علماء حفريات، علماء أرض، علماء بيئة، علماء نبات، علماء حيوان، علماء تربة، علماء في الكيمياء الحيوية وأخيراً علماء أحياء دقيقة.

ويتعين على الفريق أن يأخذ بالاعتبار عدداً لا يحصى من العوامل المؤثرة في بيئة الديناصورات المُعاد خلقها، وربما يمكنهم أن يستعينوا بـ “جمعية إعادة الإحياء” التي تقدم جهداً كبيراً في هذا الموضوع في مختلف أنحاء العالم.

مشكلة/مسألة الطعام

في لقطة لا تغيب عن الذاكرة من فيلم : Jurassic Park عالم الحفريات النباتية د. إلّي ساتلير كان يتفحص كومة براز من ديناصور الـ Triceratops المريض بحثاً عن بقايا نباتات سامة قد أكلها.

في هذه اللقطة يتطرق صناع الفيلم إلى موضوعٍ مهم في مجال إعادة خلق بيئة من فترات جيولوجية مختلفة، فالكثير من النباتات الحديثة قامت بتطوير طرق دفاعية ضد الحيوانات العاشبة، مثل وجود السموم التي من الممكن أن تؤذي أي حيوانٍ بسرعة إذا لم يكن متكيفاً عليها.

وبالتالي، فإن ديناصورالـ Triceratops المسافر عبر الزمن – أي المتواجد في زمننا هذا – سيتعرض إلى خطرٍ كبير كلما همّ بأكل النباتات المحلية المتواجدة في زمننا، وفي هذه المسألة يمكن لعلماء الحفريات النباتية أن يحلوا هذه المشكلة من خلال فهرسة وجمع النباتات الأحفورية التي عاشت في نفس الوقت الذي عاشت به تلك الدينصورات ومن ثم البدأ بجمع السلالات التي انحدرت من تلك النباتات وبقيت حتى يومنا هذا، ومع هذا كله لن تكون قائمة النباتات هذه جيدة بما فيه الكفاية حتى نعرف هل الديناصورات مثل “Triceratops, Stegosaurus, or Brachiosaurus” قد أكلت قديماً هذه النباتات أم لم تأكلها؟ أو هل يمكنهم تناول النباتات المنحدرة من سلالة هذه النباتات القديمة.

وقد ينطبق هذا أيضاً على الديناصورات اللاحمة، والتي – كما نعلم جميعاً – قد تكون صعبة الإرضاء من ناحية الطعام، فمثلاً عظام بعض ديناصورات الـ Triceratops أظهرت وجود آثار أسنان ديناصور الـ Tyrannosaurus عليها، لكن من المستحيل أن نكون متأكدين أن الـ Tyrannosaurus المعدل جينياً سوف يأكل نفس الـ Triceratops. ( وحتى لو كانت متوفرة بكثرة وبشكل طبيعي).

لذا دع عنك الكلام الذي يصوّر الدينصورات المفترسة وهي تأكل البشر دون مبرر، فإن عضة واحدة من الأنواع التي لدينا أو أي من الثديات الكبيرة سترمي بهم مرضى.

الحيوانات التي تقوم بعملية التنظيف:

في ذات المشهد المذكور سابقاً مع الدكتور ساتلر لم يكن هناك أي وجود لخنافس الروث وهذا يمكن أن يوضح لنا لماذا كان براز الـ Triceratops متراكماً بشكلٍ كبير، ونحن نعلم من البراز الأحفوري أن الخنافس تغذت على روث الديناصورات قبل ما لا يقل عن 75 مليون عام، أما بالنسبة للديناصورات التي عاشت في نهاية العصر الجوراسي فقد وُجد على عظامها آثار الحشرات الآكلة للجيّف.

وهذا شيءٌ منطقي، لذا يجب علينا أن نقوم بإعادة تدوير هذه الفضلات والأجسام وغيرها من الأحافير التي حُفظت والطاقة كذلك، لتوظيفها في النظام البيئي الحديث، وبناءاً على هذا وحتى نحافظ على النظام البيئي للديناصورات، يجب علينا إدخال الحيوانات التي تؤدي الوظائف الأساسية في الأنظمة البيئية إلى هذا النظام البيئي الجديد، وهذه الحيوانات تشمل أيضا الـ “مُلقحات” مثل النحل والخنافس والفراشات، وأيضا الحيوانات التي تساهم بنثر البذور مثل الطيور والثديات الصغيرة.

ولذا كان يجب على شركة ماسراني غلوبال Masrani Global (شركة خيالية تعمل على بناء عالم جوراسي) إضافة فرص وظيفية أخرى على موقعهم الإلكتروني – الوهمي- كـ علماء حشرات وعلماء الطيور والثديات.

حدائق بليستوسين، هل يمكن أن تكون شيء واقعي؟

(حدائق بليستوسين هي مشروع في روسيا يهدف إلى إعادة بناء نفس النظام البيئي الذي كان يعيش فيه الماموث).

هل يمكن أن نتعلم أي شيء من المشاريع الخيالية التي تهدف إلى إعادة بناء أنظمة بيئية كانت قديماً، كتلك التي عاشت بها الحيوانات الكبيرة في يوم من الأيام ؟ بالتأكيد نعم.

تُعرف هذه المشاريع بـ”مشاريع إعادة الإحياء”، حيث يمتزج العلم والخيال مع بعضهما البعض، تهدف هذه المشاريع إلى إعادة بناء نظم بيئية عن طريق تقليد سابقاتها من النظم، وغالباً ما يتم أيضاً إدخال الحيوانات المنقرضة محلياً ( يعني في تلك المنطقة) إلى هذه النظم البيئية الجديدة.

وربما من أكثر وأشهر مشاريع إعادة الإحياء نجاحاً بدأ مباشرةً بعد إصدار النسخة الأولى من فيلم Jurassic Park.

في عام ال1995 تم إعادة إطلاق ذئاب في حديقة Yellowstone National Park (والتي تم استخراجها من المنطقة في وقتٍ سابق من القرن العشرين) وطبعاً لم يكن إطلاق هذه الذئاب مثيراً جداً مقارنة بإطلاق ديناصور الـ velociraptor كما في الفيلم آنف الذكر، إلا أنه كان له أثراً دراماتيكياً منعشاً.

وبعد أن قامت الذئاب بالتغذي على الأيل الذي كان متواجداً هناك – ومن الجدير بالذكر أنه بسبب عدم وجود مفترسات لفترة من الزمن أصبح عدد الأيل كبيراً جداً في المنطقة – ولذا ازدادت أوراق النباتات والأشجار النهرية مما منع التعرية ومنع أيضاً توسع الفيضانات النهرية مما أعطى معيشة أفضل للقنادس ومكّنها من بناء سدود نهريّة بشكلٍ أفضل.

وفي تجربة مشابهة للتجربة السابقة، أُجريت في أوروبا، حيث أنه تم زيادة أعداد الحيوانات الآكلة للحوم مثل الذئاب والدببة والوشق، مما أدى إلى إعادة تغيير النظام البيئي الخاص بها حتى أصبح أكثر شبهاً بالنظام البيئي الذي كان موجوداً بالأصل.

وبعد هذه النجاحات، اقترح أنصار فكرة “إعادة الإحياء” لإعادة إدخال الكثير من الحيوانات إلى مناطق معينة في أمريكا الشمالية مثل الفيلة والأسود والفهود وغيرها من الحيوانات كبديلٍ عن النظام البيئي القديم الذي كان هناك وكان فيه حيوانات مثل الماموث والأسد الأمريكي والفهد الأمريكي التي عاشت قبل ما يقارب الـ 10 آلاف سنة في تلك المناطق.

ونظرا للوقت الأقصر منذ انقراض هذه الحيوانات ووجود حيوانات شبيهة لها بلا حاجة إلى تعديلاتٍ جينية فإن فكرة “حديقة بليستوسينية” – العصر البليستوسيني هو العصر الذي كان قبل 2.5 مليون سنة حتى 11700 سنة – ستكون أكثر سهولة لتطبيقها مقارنة بفكرة الـ “الحديقة الجوراسية” ( كما أن الحيوانات ستكون أكثر تكيفاً وتجانساً).

لذا إذا كانت هناك أي شركة تفكر في بناء حديقة كالتي تكلمنا عنها، رجاءاً قم بهذا المعروف لنا : أياً كان ما ستفعله، أبداً لا تنسى وضع خنافس الروث.

ترجمة: يزن خنفر

تدقيق علمي: حسام عبدالله

المصادر: 1