اكتشاف خرائط الحركة عميقاً داخل الدماغ

إن الحركات الإرادية واحدةٌ من “نتائج” الدماغ الرئيسية، ولايزال العلم يدرك القليل جداً حول كيفية تخطيط شبكات الأعصاب لهذه الحركات وتنفيذها.

ويقول الآن الباحثون من جامعة كولومبيا ومركز تشامبالي للرعاية الصحية في البرتغال أنهم قد اكتشفوا “خريطة نشاط” يستخدمها الدماغ لتوجيه حركة الحيوانات.

نُشرت هذه الاكتشافات في المجلة الطبية “Neuron ” وفيها أن هذه النتائج هي خطوةٌ للأمام نحو فهم الكيفية التي يتعلم بها الدماغ حركاتٍ جديدة، وما الخلل الذي يحدث نتيجة بعض الاضطرابات كمرض باركنسون (مرض في الجهاز العصبي يؤثر على حركة الجسم).

يتم التحكم بالحركات وتنسيقها بواسطة أجزاءٍ عدة من الدماغ بما فيها القشرة الحركية، والتي تقع في الجزء الخلفي من الفص الجبهي، وتحتوي على خلايا ذات أليافٍ طويلةٍ تمتد إلى الأسفل من خلال الحبل الشوكي، حيث تتصل بخلايا عصبيةٍ حركيةٍ ثانويةٍ تعطي الإشارة لعضلات الجسم بالتحرك.

وهناك أجزاءٌ داخلية من الدماغ تُدعى (العقد القاعدية)، وتلعب دوراً مهماً في عملية الحركة، حيث يتسبب انحلال هذه العقد بمشاكل في الحركة كما يحدث في مرض باركنسون.

وتحتوي العقد القاعدية على منطقةٍ تُسمى (المُخّطط)، وهي تستقبل المعلومات حول الحركات المحتملة من القشرة الحركية، ويُعتقد أنها مرتبطةٌ باختيار وإعداد الأوامر المناسبة قبل أن يتم إرسالها إلى الجسم.

وأظهر بحثٌ سابق أن الإشارات التي يرسلها المخطط تذهب في مسارين مختلفين؛ أحدهما لأمر الحركة، وآخر لإيقافها.

ويُظهر عددٌ من الدراسات الحديثة، أن كلا المسارين ينشطان أثناء الحركة، مع الإشارة إلى أنهما لا يعملان بمجرد إرسال إشارات “بدء” و “إيقاف” الحركة.

وعلى الرغم من اشتباه العلماء في أن مجموعاتٍ مختلفةً من الخلايا العصبية في المخطط لها وظائف مميزة، إلا أن كيفية القيام بها لا تزال مبهمة.

وللمزيد من التحقق؛ قام عالم الأعصاب روي كوستا من معهد زوكرمان في جامعة كولومبيا وزملاؤه بإنشاء سلالةٍ من الفئران تحمل حساساً للكالسيوم معدلاً وراثياً في الخلايا العصبية في المخطط.

هذا الحساس، وهو بروتين، يرسل إشاراتٍ ضوئيةً كاستجابة على تركيز أيون الكالسيوم في الخلايا عندما تصبح نشطة، ومن خلال تقنية تصوير الفوتون الإشعاعي، تمكن الباحثون من تصوير نشاط ما يقارب من 300 خلية عصبية في منطقة المخطط لفئرانٍ تتحرك بحرية، مستخدمين أدواتٍ مجهريةً مثبتةً على رؤوسها وذلك لتسجيل نشاط الخلايا أثناء الحركة الحرة.

يقول كوستا -القائم على هذه الدراسة– في تصريحٍ له: “وجدنا (التحيز المحلي) في النشاط الخلوي، حيث أن الخلايا العصبية القريبة من بعضها هي أكثر عرضةً لتكون نشطة معاً” ، وأضاف: “رأينا أن العديد من الخلايا العصبية نشطةٌ على وجه التحديد خلال حركةٍ واحدة، في حين أن البعض الآخر نشطٌ خلال أكثر من حركةٍ واحدة، لذلك فإن هناك خريطةً من نوعٍ ما للحركة”.

ويضيف كوستا: “تمكن الباحثون من توقع حركات الحيوانات قبل تنفيذها وذلك اعتماداً على الخلايا العصبية التي تُطلق إشارةً ضوئية” ، ويوضح: “إن الأفعال المتشابهة لها نشاطٌ عصبيٌّ متشابه، وللأفعال غير المتشابهة أنماطٌ أقل تشابهاً، لذلك لم تكن توقعاتنا دقيقةً حيث راقبنا نمط النشاط الخلوي للحركات المتشابهة فقط “.

ولاحظ القائمون على هذه الدراسة أن أنماط النشاط الخلوي كان بمعزلٍ عن سرعة الحيوانات والتي تم قياسها بواسطة أدوات قياس التسارع المثبتة على رؤوسها.

وحول هذا الموضوع علق كوستا قائلاً: “إن النشاط الخلوي المرتبط بالحركة في المخطط هو أكثر تعقيداً مما كنا نظن، وإن نمط النشاط الدقيق في الفترة ما بين الأمر بالحركة والأمر بالتوقف هو أكثر أهميةً من النشاط عند تطبيق أيٍ من الأمرين”.

وقال جون رينولدس -بروفيسور الفيزيولوجيا في جامعة أوتاغو في نيوزيلاندا- والذي يدرس كيف تولد العقد القاعدية الحركة: “هذه ورقةٌ بحثيةٌ عظيمة استخدمت منهجيةً معقدةً للمساعدة في حل مشكلةٍ بسيطةٍ نظرياً كانت مصدر جدالٍ كبير، وهي خطوةٌ واحدةٌ للأمام لحل لغز ما إذا كان اثنين من الطبقات الرئيسية من الخلايا العصبية في المخطط والتي وبشكلٍ منفصلٍ تنشط أو تثبط الحركة الموجودة في المجموعات الوظيفية المنفصلة أو أن تعمل معاً خلال سلوكٍ معين”.

وصرح جوشوا دودمان -عالم الأعصاب في مركز البحث جانيليا في معهد هاورد هيوز الطبي- والذي يدرس الدوائر العصبية المتحكمة بالحركة، بأن هذه الدراسة مفيدةٌ، لكنه يؤكد على محدوديتها،،”قد علمنا لعقودٍ عديدةٍ عن أنماط نشاط متشابهةٍ وظيفياً في المخطط، وأنا سعيدٌ لتمكننا إثبات ذلك في الحيوانات حرة الحركة “.

وأضاف: “ويبدو أنهم (الباحثين) يركزون على تقييم نموذجٍ لم يقترحه أحد، وهو أن سرعة الحركة مشفرةٌ في مكانٍ ما من منطقة المخطط بشكلٍ مستقلٍّ عن تحديد الحركة”.

ولكن، كما يقول، تعتمد نتائج الباحثين على استنتاج كيف تبدو القياسات المتزامنة لمجموعات الإشارات الناتجة من جميع أوامر بدء وتوقف الحركة داخل الخلية، بدلاً من اتخاذ الخطوة مهمة في محاولة تطبيقها عملياً”.

ويضيف دودمان: “هذه الدراسة مفيدةٌ لأنها تظهر نشاط مجموعاتٍ من الخلايا العصبية في المخطط أثناء نشاطها في أداء سلوكٍ أو حركةٍ معينة.

في الماضي، كان يتم رصد مثل هذه الملاحظات عبر دراسة حركاتٍ متشابهةٍ مثل الالتفاف نحو اليمين أو اليسار، وإنه لشيءٌ قيمٌ أن نحظى على الأدلة باستخدام مجموعةٍ متنوعةٍ من الحركات. وأثبتت دراساتٌ حديثةٌ أن إشارات بدء وتوقف الحركة تعمل معاً للتحكم في الحركة.

وستكون هذه الدراسة حجر الأساس لدراساتٍ عديدةٍ حول هذا الموضوع وذلك عبر أخذ قياساتٍ متزامنةٍ للإشارات العصبية لمختلف السلوكيات و حركات الجسم”،

ترجمة: عدي بكسراوي

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

تدقيق علمي: بسام ناجي

المصادر: 1