نحن ما نشاهده؟ ماذا يخبرنا اختيارك للبرنامج التلفزيوني عن أخلاقك

هل نوع البرامج التلفزيونية الذي تشاهده يؤثر على مدى لطفك مع الآخرين؟ بحثت دراسة جديدة في كيفية تأثير البرامج التلفزيونية المختلفة على خيال الأشخاص الأخلاقي، ووجدت أن ردة فعل المشاهدين حيال القضايا الأخلاقية تختلف من مشاهدٍ لآخر.

اعتقد الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي أننا لا نصبح أفضل من خلال قراءة النظريات وتعلم القوانين، ولكن من خلال التعاطف مع شخصيات في رواية ما.

نبدأ بتخيل أنفسنا في مواقف مختلفة، نضع أنفسنا مكان الآخرين، ونتيجة لهذا نعمل بلطفٍ أكبر تجاه الآخرين في الحياة الحقيقية.

ولكن هل مشاهدة الشخصيات في برنامج تلفزيوني لها نفس التأثير؟

يختلف الدرس الأخلاقي المتعلم باختلاف المُشاهد

قسم الباحثون المحتوى الأخلاقي للحلقات التلفزيونية إلى ما يسمى أخلاقيات الرعاية وأخلاقيات العدالة.

إن أخلاقيات العدالة لها قواعد ومبادئ صلبة في صميمها، في حين أن أخلاقيات الرعاية تهتم بشكلٍ أكبر بالظروف الخاصة بكل حالة والمشاعر الشخصية للأشخاص المعنيين.

قد يتبنى الشخص الذي يعتمد أخلاقيات الرعاية القاعدة “لا تفعل شيئاً للآخرين لا يمكن أن تفعله بنفسك” – ويطبقه على كل حالة يواجهها.

ولكن الشخص الذي يعتمد هذه الأخلاقيات قد يولي مزيداً من الإهتمام لسياق الكلام قبل أن يقرر ما هو الشيء الأخلاقي الذي يجب القيام به.

وكشفت الدراسة أن الأفلام الوثائقية والأخبار والشؤون الجارية تظهر أخلاق العدالة، في حين أن السوب أوبرا “Soap Opera” والمسلسلات الدرامية والأنواع الخيالية الأخرى تصور أخلاقيات الرعاية.

بناء على تفضيلهم، تم تقسيم مشاهدي التلفزيون أيضا إلى ثلاث فئات: طالبي المعلومات، ومشاهدي الخيال والترفيه، والمشاهدين البوسيفورز “Paucivores” الذين يشاهدون القليل من كل شيء.

وعموماً، فإن طالبي المعلومات لديهم درجة أعلى من التوجه الأخلاقي، وهذا يعني أنهم غالباً يعلمون بأن كل قرار له عواقب على الآخرين، وهم على دراية بأن هناك جانبين لكل صراع، كما أنهم يتلمسون حساسية التعقيد في السلوك الإنساني بشكلٍ عام.

أما فيما يتعلق بالمحتوى الأخلاقي، فإن طالبي المعلومات يميلون إلى التعبير أكثر عن أخلاقيات العدالة التي تشمل عوامل أخلاقية ذكورية، في حين أن مشاهدين الخيال والترفيه يميلون إلى التفكير في أخلاقيات الرعاية التي تشمل عوامل أخلاقية أنثوية.

يميل الباحثون عن المعلومات، فضلاً عن مشاهدين الخيال والترفيه، إلى أن يعبروا عن القضايا الأخلاقية أكثر من البوسيفورز “Paucivores”. كما أن البوسيفورز “Paucivores” هم الأكثر تعرضاً للعامل الأخلاقي الانثوي.

والمثير للدهشة أنه كلما شاهد المتابعون العامل الأخلاقي النسائي، كلما قل تعبيرهم الأخلاقي.

وتشمل النتائج الأخرى المثيرة للاهتمام حقيقة أن المشاهدات أكثر تعبيراً من المشاهدين الرجال، وبالإضافة لمشاهدي الخيال، لديهم فهم أكبر للطابع الإنساني.

كما يلعب تنوع البرامج التي تمت مشاهدتها دوراً، كلما تعرضنا لمواضيع أخلاقية أكثر، أصباحنا أكثر نشاطاً أخلاقياً.

التلفزيون والخيال الأخلاقي:

قد لا ندرك ذلك، ولكن عندما نقرأ الكتب أو نشاهد التلفزيون نكون في وضع متميز جداً: فنحن نرى الناس في نضالٍ مع المواقف الأخلاقية الصعبة ونحكم عليها دون أن نكلف أنفسنا.

ويكون هذا من خلال التعاطف مع شخصيات وهمية واتخاذ قرار ذاتي فيما ينبغي ولا ينبغي أن تفعل – نختبر السيناريوهات الأخلاقية المعقدة مع تجنب العواقب في الحياة الحقيقية.

وانطلاقاً من هذا الرأي حول الخيال الأخلاقي، قام طوني كريجنين ومارك فيربورد من جامعة إيراسموس روتردام في هولندا بالبحث في مختلف أنواع المحتوى الأخلاقي في البرامج التلفزيونية.

استطلعت الدراسة 500 مشاهد تلفزيوني هولندي، تتراوح أعمارهم بين 12 و 98 عاماً، وطرحت أسئلة حول محتوى البرامج التلفزيونية التي شاهدوها وانعكاساتها الأخلاقية.

نظر كريجنن و فيربورد في جميع أنواع البرامج التلفزيونية، بدءاً من التلفزيون الواقعي والأخبار إلى الدراما والمسلسلات، قاموا بتقسيم البرامج إلى غير خيالية – مثل الأخبار والأفلام الوثائقية – وبرامج الخيال والترفيه مثل السوب اوبرا “Soap Opera” والمسلسلات الدرامية.

التعاطف ضد المعرفة في الانعكاس الأخلاقي:

وقد كتب فلاسفة مثل ريتشارد رورتي ومارثا نوسبوم على نطاق واسع عن الروايات الأدبية وكيف أن التجربة العاطفية العميقة التي تقدمها هذه الروايات تعزز التعاطف وتحولنا إلى بشر أفضل وأكثر أخلاقية.

ولكن تشير هذه الدراسة إلى أن التفكير الأخلاقي قد يكون معرفي أكثر منه عاطفي، وبما أن طالبي المعلومات أكثر انعكاساً أخلاقياً، يمكن أن يكون الجانب المعرفي أكثر أهمية من الجانب العاطفي.

وتشير الدراسة أيضاً إلى أن البرامج التلفزيونية قد لا تغني تعاطفنا بقدر ما تغنيه الرواية الأدبية.

هذا النوع من الروايات الأخلاقية التي تظهر على شاشة التلفزيون تلفت انتباهنا بشكلٍ مختلف عن الروايات.

قد يكون هذا لأن القراءة تأخذ المزيد من الوقت والجهد، أو لأن الشخصيات في الروايات أكثر تطوراً وتعقيداً.

نحن بحاجة إلى مزيد من البحوث لفهم أفضل للفروق بين التلفزيون والقراءة.

ولكن في الوقت الراهن، قد يكون من المفيد أن نسأل أنفسنا: ماذا سأشاهد الليلة؟ وهل سأصبح شخص أفضل عند مشاهدة ذلك؟

ترجمة: علي عبد الكريم

تدقيق لغوي: حسام عبدالله

تدقيق علمي: عمر عبد السلام

المصادر: 1