ما هي الكواركات؟

لقد أدى اكتشاف هذه المجموعة الكبيرة من الجسيمات الى خلق حالة في الفيزياء يمكن مقارنتها بما واجهته الكيمياء قبل ظهور الجدول الدوري بواسطة ديمتري مندليف عام ١٨٦٩، فقد كان لا بد من وجود بنية تحتية.

ولكن ما هي البنية التحتية هذه؟

إبتكر علماء الفيزياء تنظيمات متنوعة للجسيمات على المستوى النظري بحثًا عن انماط داخل تنظيم هذه الجسيمات، وقد سميت الجسيمات ذات الكتلة الثقيلة والمتوسطة بالهدرونات، وقسمت الهدرونات فيما بعد إلى باريونات وميزونات، وشاركت جميع الهدرونات في التفاعلات القوية، أما الجسيمات ضئيلة الكتلة فقد أطلق عليها أسم اللبتونات وقد شاركت في التفاعلات الكهرومغناطيسية والتفاعلات الضعيفة.

ولكن مثلما كانت هناك حاجة لوجود الالكترونات والبروتونات والنيوترونات لنتمكن من تفسير مجموعة العناصر، كانت أيضًا هناك حاجة ضرورية لشيءٍ ما يكون أوليًا لا ينقسم لوحدات أصغر، وذلك من أجل تفسير جميع هذه الجسيمات.

عام ١٩٦٤ قدّم عالما الفيزياء الأمريكيان موراي جيل مان وجورج زويج تخطيطًا جديدًا يمكن فيه تمثيل جميع الهدرونات بوصفها مركبات يتكون كل مركب منها من ثلاثة جسيمات أصغر منه ومضادات جسيمات مناظرة لها. وقد أطلق جيل مان على هذه الجسيمات الدقيقة الجديدة أسم الكواركات، وذلك بعد قراءته لسطر من رواية بعنوان “Finnegan’s wake” لجميس جويس يقول “ثلاثة كواركات لفرقة السيد مارك.”

ولقد اطلق على هذه الكواركات الثلاثة (الأولى) أسم كوارك صاعد (ص) وكوارك هابط (هـ) وكوارك غريب (غ)، وحملت شحنات كهربية كسرية وهي +٣/٢، -٣/١، -٣/١ على التوالي، مع شحنات معاكسة لمضادات الكواركات المناظرة.

وباستخدام هذا النموذج يمكن تكوين البروتونات والنيوترونات من ثلاثة كواركات على الترتيب:

  1. صاعد صاعد
  2. هابط صاعد
  3. هابط هابط

اضافة إلى ذلك أمكن تكوين مجموعة كبيرة من الميزونات الجديدة من أزواج الكواركات ومضادة الكواركات. فعلى سبيل المثال، يتكون البيون السالب من كوارك هابط ومضاد الكوارك صاعد. وفي هذه التجربة ظهرت فكرة الكوارك كفكرة مبدئية، ومع ذلك فقد استطاع هذا النموذج حل مشكلة تنظيم هذه المجموعة الكبيرة من الجسيمات بطريقة رياضية، حيث كانت فكرة الكواركات مَحل شك نظرًا لأن أحدًا لم يكن قد لاحظها حتى ذلك الحين.

من الناحية التجريبية كانت البروتونات والنيوترونات مجرد كتل مبهمة تشبه الذرة كما صورها نموذج البودينج لطومسون، على أن البروتونات والنيوترونات إتصفتا بأنهما أصغر حجمًا بكثير ولم تكن هناك إمكانية لاستكشافهما بواسطة إطلاق جسيمات الفا على الذرات كما فعل رذرفورد، فقد كانت الجسيمات ألفا كبيرة جدًا ولم تساعد في كشفِ أي شيء.

درس فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في ستانفورد يعمل في مسرع ستانفورد الخطي النواة عن طريق إطلاق الكترونات على الهيدروجين والديوتيريوم ( والديوتيريوم هو النظير الأثقل للهيدروجين وتحتوي نواته على بروتون واحد ونيوترون واحد).

وقاس الفريق زاوية الالكترونات وطاقتها بعد التصادم، وباستخدام طاقات الكترونية منخفضة كان إنتشار الالكترونات الناتج متوافقًا مع البروتونات والنيوترونات، التي لكونها بنيات (لينة) جعلت معدل إنحراف الالكترون بعد الإصطدام بها ضئيلًا جدًا، ولكن عندما استخدم أعضاء الفريق طاقات الكترونية عالية للغاية وجدوا أن بعض الالكترونات فقدت معظم طاقتها الأولية وانتشرت في مجالٍ واسع بزوايا كبيرة.

وعلى غرار العمل الذي قام به رذرفورد أثناء قيامه بالخطوات الأولى لتحديد هوية النواة، فسر عالما الفيزياء الأمريكيان ريتشارد فيليبس فينمان وجيمس بيوركن بيانات انتشار الالكترون بانه مؤشر لوجود بنية داخلية للبروتونات والالكترونات، أي الكواركات.

10 حقائق عن الكواركات

1. للكواركات أنواع:

هناك ستة أنواع من الكواركات، وهي: [العلوي – السفلي – القمة – الحضيض ـ الغريب ـ الجذاب]، وهي جزيئات تشكل معظم ما نتعامل معه من (بروتونات – نيترونات) على حد سواء، حيث أن كلاً منهما يتكون من الكواركين (العلوي و السفلي).

إنه من النادر أن يتم الكشف عن الكواركات الأربعة الباقية لأنها تفنى بسرعة، حيث أن بعضها يعيش لأقل من 5×10-24 ثانية، و لهذا السبب لم يتم الكشف عن كوارك (القمة) حتى عام 1995 على الرغم من إثبات وجوده نظرياً في عام 1973.

2. ليس للكواركات حجم:

إن الكواركات هي أصغر ما تم رصده إلى يومنا هذا، حيث تم ذلك على مستوى قياس10-19 متر ولم نجد أي مؤشر على وجود بنية هيكلية مكونة لها.

عموماً، الكواركات توجد جنباً إلى جنب مع الليبتونات (مثل الإلكترونات والنيترونات) والتي نطلق عليها “الجسيمات الأولية المكونة للمادة”، فعلى المستوى الذي تم القياس به لا يوجد أي دليل على أنها تتكون من جسيمات أصغر و هناك احتمال ألا يكون لهذه الجسيمات حجم، على الرغم من ذلك فإن هذا الاحتمال من شأنه أن يسبب مشاكل رياضياتية في الطريقة التي نصف بها هذه الجسيمات.

3. تم اكتشاف الكواركات بطريقة مشابهة لما تم في اكتشاف نواة الذرة:

حيث تم ذلك بإحداث تصادم بين جسيمات في مركز ستانفورد لتسريع الجسيمات الخطية عام 1967، وذلك بصدم إلكترونات مع بروتونات، و كانت النتيجة هي ارتداد الإلكترونات، وهذا يدل على أنها تصادمت مع بنية أقوى من “البنية اللينة” المفترضة للبروتونات.

4. إن الكواركات لا تلفظ على ما هي:

على الرغم من أن البعض لا يزال يلفظها (كوارك) إلا أنها في الحقيقة تلفظ (كورك) على ما اقتضاه العالم الفيزيائي “موري غيلمان” من قصيدة “جيمس جونس” الذي وجد الكوارك وأطلق عليها اسم (كورك).

5. الكواركات واحدة من الجسيمات الأولى المشكّلة للكون:

حيث بدء ذلك حوالي 10-12 ثانية بعد الإنفجار العظيم عندما برد الكون إلى 10 كوادريليون درجة وفي تلك الفترة بدأت حقبة الكواركات، حيث تشكلت في جميع أنحاء الكون علماً أن درجة حرارة الكون في تلك الفترة لم تكن باردة كفاية لربط الكواركات مع بعضها البعض لتشكيل النيترونات والبروتونات وذلك عندما كان عمر الكون10-6 ثانية.

6. من المستحيل أيجاد كوارك وحيد:

فعند محاولة سحب اثنين من الكواركات لفصلهما عن بعضهما البعض، ينبغي عليك وضع الكثير من الطاقة للتغلب على قوة جذبهما لبعضهما، و تلك القوة تكون كافيةً لإنشاء زوج من الكواركات، و التي يرتبط كل منهما مع الكواركين الأصليين، و نطلق على هذه الحالة من التكاثف الدائم اسم “الحجز الكواركي”، أي عدم السماح لوجود كوارك وحيد.

7. الكواركات لها ألوان:

الكواركات لها شحنة لونية؛ فكما في القوة الكهرومغناطيسية، المسؤولة عن الضوء والكهرباء وقوة الجذب المغناطيسية، والتي لديها شحنة رابطة وهي “الشحنة الكهربائية”، و بالنسبة للقوة النووية القوية (المسؤولة عن ترابط الكواركات)، وهي من القوى الأربعة الأساسية في كوننا، لديها شحنة رابطة و نطلق عليها “شحنة لونية”، ولها ثلاثة ألوان: الأحمر، الأزرق و الأخضر. وفي الحقيقة إن الكواركات ليست ملونة ظاهرياً، لأن آلية التلوين تتم بانعكاس الضوء عن الجسم بطول موجة معينة مسبباً إحداث اللون، ولكن فيما يخص الكواركات فهي صغيرة جداً لينعكس عنها الضوء حيث ينبغي أن تكون أكبر بتريليونات المرات حتى يحدث ذلك.

8. يمكن للكواركات تغيير شحنتها اللونية:

يمكن للكواركات داخل البروتونات و النيترونات أن تغيّر شحنتها اللونية عن طريق تبادل الغلوونات، وهي عبارة عن جسيمات افتراضية تقوم بعملين وهما: حمل القوة النووية القوية و ربط الكواركات معاً.

و لكن هناك شرط عام للبروتونات، وهو أن يبقى لونها أبيضا، بحيث تبقى الكواركات مكافئة لثلاثة في البروتون بحيث تكون ألوانها دائماً : (الأحمر، الأزرق و الأخضر) وحتى عندما يتغيّر لون كوارك واحد فإن أحد البقية سيغيّر من لونه لثبات القاعدة التي ذكرناها.

9. للكواركات صحبة وهم الكواركات المضادة:

للكواركات جسيمات مكافئة (مناظرة)، و هي الكواركات المضادة، حيث توجد الكواركات و ضدها على شكل أزواج في الفراغ، علماً أن لكل منهما دوران معاكس لبعضهما و شحنة لونية مضادة، أي عندما يكون للكواركات اللون الأزرق فإن للكواركات المضادة القرينة شحنة لونية مضادة الأزرق. و إن اجتماع هذه الصحبة يؤدي لفنائهما.

10. القوة النووية القوية مسؤولة عن ربط الكواركات لبعضها البعض:

عمل هذه القوة هو جذب الكواركات لبعضها البعض داخل البروتونات و النيترونات ومنع انهيارها، و يتوسط هذه القوة جسيمات حاملة للطاقة تدعى “الغلوونات” مثلها مثل الفوتونات في حملها للقوة الكهرومغناطيسية.

ترجمة: إبراهيم وصفي

تدقيق لغوي: حسام عبدالله

المصادر: 1234