إذا تطورنا من القرود فلماذا لا زالت القرود موجودة؟

قبلما أن نجيبك على هذا السؤال يجب أن نوضح لك كيف تتطور الأنواع الجديدة في الطبيعة وفقاً لنظرية التطور.

كيف تتطور الأنواع الجديدة؟

للإجابة على سؤال كهذا علينا أن نُقسِّم الموضوع إلى ثلاثة أجزاء رئيسة، وقبل أن نبدأ بالتقسيم لنتعرف على المصطلح التالي “الانتواع”.

الانتِواع (Speciation):

الانتِواع هو تتطوّر النوع الواحد إلى نوعين أو أكثر، وبما إن التطور غير محصور على البشر فلنضرب مثالًا حول بقية الحيوانات.

سنأخذ هنا مثالًا عن بعض الدببة المعاصرة وكيف إنها تشترك جميعها بسلفٍ واحد يجمعهم كدبيّات، سوف نبدأ نزولًا من الدب الأمريكي الأسود حتى نصل السلف الذي يجمع الدب الأمريكي الأسود بالدب القطبي الأبيض، ونذهب به صعودًا وصولًا إلى القطبي.

يشترك الدب الأمريكي الأسود بسلف مشترك مع الدب الآسيوي الاسود، ويشترك هذا السلف الذي يجمعهم بسلف مشترك مع دب الشمس ليعود ويشترِك بسلف بسلف مشترك يشترك مع سلف منتوِع (متفرع) لنوعين وهم الدب البني أولًا والدب الأبيض القطبي أخيرًا.

ربما الآن بدأت تفكر بشيء آخر وتتساءل:

  • إذًا أين الكائنات التي كانت تستحوذ على النقاط الحمراء؟
  • لماذا انقرض السلف؟، لماذا عليه أن ينقرض دائمًا؟

أين الكائنات التي كانت تستحوذ على النقاط الحمراء؟

حسنًا، في الحقيقة الحيوانات التي كانت تستحوذ على النقاط آنذاك كانت دببة بالتأكيد، وبالطبع لا تجدونها لأنها تطورت لكن لا يمكن للـDNA أن ينكر ذلك، وفي الحقيقة هناك أحافير أيضًا. على أيّة حال نحن هنا لا نحاول تقديم أدلة بل تفسيرها.

في الواقع علينا أن نستبعد مصطلح إنقراض هنا لإنها لم تنقرض حرفيًا بل انتوَعت، وفروعها الآن تمثلها.

الانقراض الشائع أمر مختلف ففي حال حصول أي تغيير بيئي كبير يهلك النوع بالتأكيد سيؤدي بالنوع إلى الانقراض وفي هذا الاحتمال يجب أن لا نجد للنوع فروعًا متقدمة كل ما نجده هو بعض الأحافير لها وربما لا شيء.

إن كان التغيير يؤدي إلى الانقراض فكيف تتطور الأنواع استجابة للتغيرات؟

الأمر برمته هنا يعتمد على مستوى التغير البيئي بالنسبة للكائن ومدته الزمنية، أحيانًا يكون مستوى التغير كبير جدًا وبزمن قليل يؤدي إلى انقراض النوع مباشرة كما عندما ارتفعت حرارة الأرض 7 درجات مئوية بسبب اصطدام فلكي مع نيزك حيث أدى إلى انقراض معظم الأحياء على الأرض فورًا.

هذا النوع من التغير لا يعطي فرصة للكائن على التطور، عكس ما إذا كان التغير البيئي على نحو مقبول بالنسبة للكائن حيث يؤدي به للتطور. وفي التالي النوع جديد يمثلها، وليس بالضرورة أن تنتوعِ هنا بل يمكن أن تتطور فقط.

أقسامنا الثلاثة:

  1. الانتِواع المنعزل جغرافيًا (Allopatric Speciation).
  2. الانتِواع المتداخل جغرافيًا (Sympatric Speciation).
  3. النشوء المتجدد (Anagenesis).

أولاً. الانتِواع المنعزل جغرافيًا (Allopatric Speciation):

أصل كلمة Allopatric تنقسم إلى جزئين، الأول “Allo” وتعني “الاختلاف” و”patris” تعني الوطن، لذا “allopatric” تعني “وطن مختلف”. و”Speciation” تعني “انتِواع”، أي أننا نتكلم هنا على انتِواع يحدث بسبب اختلاف الأوطان وتباعدها، وتسمى أيضًا “geographic speciation”.

الانتِواع مجددًا هنا، سوف لن نكرر ما ذكرناه أعلاه ولكن سنبدأ بقصة صغيرة حدثت قبل أكثر من 300ma. (مليون سنة ماضية: ma, my, mya)

إن السلف المشترك بين الطيور والثدييات جميعها، ولكي نكون أكثر وضوحًا يمكن القول السلف المشترك بين القطط وطيور الطنان أو الإنسان والبومة، وهكذا لأن الثدييات جميعها تشترك بسلف مشترك واحد تواجد قبل 310ma كما الطيور وبالتالي يشتركان هذين السلفَين بسلف مشترك يجمعهم.

في الواقع نحن لا نملك تلك المتحجرة الأخيرة التي تجمعهم قبل اكتمال هذا الانتواع العظيم الذي انحدرت منه الثدييات والطيور ولا تفاصيل عنها، وفي الواقع أيضًا نحن لا نحتاجها ولا تهمنا التفاصيل إطلاقًا.

لن نكون مخطئين جدًا لو تصورناه أشبه ما بكائن زاحف مترامي (متباعد) الأطراف يصطاد الحشرات، حتى بأحدى الأيام الملحمية وبطريقة أو بأخرى عبر ظاهرة جغرافية أو بيئية تم العزل بين أفراد هذا الكائن مما جعلهم مجموعتين منفصلتين لكنهم للحظة لا زالوا متشابهين جدًا ويمكنهم التزاوج أيضًا.

لا أحد يعلم عما حدث آنذاك بالضبط، فقط حدث منذ زمن بعيد جدًا، ولا أحد يعلم مكانه أيضًا. لكن نظرية التطور بإمكانها وبثقة إعادة بناء الأشياء كهذا التاريخ.

نكمل القصة، لذا بعد أن تم فصلهم لنفرض عبر جبل وكل مجموعة أصبحت بجانب أو وادِ يفصل بينهم أو شق بحري بين البر القاري وجزيرة تتوسط الشق المائي. (في حال عدم وجود فاصل لا يمكن أن يحدث انتواع كهذا حيث ستبقى المجموعتين تتزاوج فيما بينها ويبقى الحوض الجيني فائض بالجينات وبالتالي لا يحدث انتواع).

عبر التطور وبدون خلط جيني بين المجموعتين لمدة زمنية طويلة كفاية نجد أن لو عاد الزمن بهم للخلف وجمعتهم الظروف معًا من جديد سيجدون أنفسهم متباعدين فيما بينهم فلا يمكنهم التزاوج على الأقل ويكون قد فات الأوان للعودة للخلف بيولوجياً.

حتى لو كانت الظروف على كلا جانبي الحاجز الجغرافي متطابقة، فإن الحوضين الجينييين المفصولان جغرافيًا لنفس النوع سوف ينجرفان آخر الأمر بعيدًا عن بعضها، حتى يصبح اختلافًا في جينومَيهُما، سواء بالانجراف الوراثي وحده، أو مع مساعدة الانتخاب الطبيعي المتباين، حالما يصل الحوضان الجينيّان إلى نقطة حيث لا يحتاجان من بعد العزل الجغرافي للبقاء معزولين جينيًا، فإننا ندعوهما نوعين مختلفين، أي في حال التقى النوعان فلن يتمكننا بعد التزاوج فيما بينهم بعد لكي لا يحدث تدفقًا جينيًا بينهم.

يمكنك أن تسأل كم هذه المدة الزمنية المطلوبة لكي ينتهي بهما المطاف كنوعين مختلفين؟

حسنًا، فإن كانا مُعرّضين لضغوط انتخابية قوية جدًا ومتضاربة، فيمكن أن تكون المدة قليلة أي بحدود بضع قرون أو أقل.

كمثال، سحالي جزيرة Pod Mrcaru: تطورت هذه السحالي بشكل نسبي ملحوظ مورفولوجيًا (أي ظاهريًا نسبة للشكل الخارجي بغض النظر عن وظائف الأعضاء الداخلية) وجينياً بمدة قياسية جدًا 36 سنة فقط، وكان هذا عبر نقل مجموعة من هذه السحالي من جزيرة Pod Mrcaru في جنوب البحر الأدرياتيكي إلى جزيرة Pod Kopiste المجاورة لها والتي لا توجد بها أي من سحالي الجزيرة الأولى، في عام 1971، وحدث هذا عبر تخطيط مجموعة من علماء الأحياء لتسليط ضغوط انتخابية كبيرة قاسية عليها.

كان الباحثون يعودون إلى الجزر مرتين لمدة ثلاثة أعوام، في كل ربيع وصيف للأعوام الثلاثة 2004، 2005، و2006.

لاحظ الباحثون تغييرات مثيرة في صمَّاماتها المصرانية وسببها هو تغيُّر في نظامها الغذائي من الحشرات إلى أكثر نباتية. وإضافة لذلك امتلكت رؤوسًا أكبر (أطول، أعرض، وأعلى) وهذا يُترجم إلى قبضة فكّية أقوى على نحوٍ واضح.

قد تعتقد أن اللواحم هم من يجب أن تكون رؤوسهم أكبر وليس النباتيين، ولكن هذا غير صحيح، لأن الخلايا النباتية مُصلّبة بالسليلوز عكس غيرها. فإن الثدييات العاشبة كالأحصنة هي من لديها أسنان ضخمة وشبيهة بالحجر الرحى لطحن السليلوز وليس اللواحم، وعضلات فكّية ضخمة، وبالتوافق مع ذلك جماجم قوية لأجل روابط عضلية.

نعود للقصة، الآن وفي فرضنا في القصة، لدينا مجموعتين واحدة على البر القاري والأخرى على الجزيرة، ربما المجموعة على الجزيرة أصبحت أبعد تطوريا عن السلف مقارنة باللّتي على البر بسبب افتقاد المفترسات والتحول إلى نظام أكثر نباتية.

وبالتالي، ربما لاحظ عالم حيوان لو وجد في ذلك الزمن استنادًا على الفروقات بينهم أن يعطي لتلك التي على الجزيرة اسما جديدًا، بينما تبقى التي على البر على اسمها القديم، وكلًا منهم يصبح له اسمًا.

في هذا السيناريو الخاص بنا ربما كانت المجموعة التي على الجزيرة تطورت منها الزواحف العضائية Sauropsid (أي كل شيء ندعوه اليوم زواحف بالإضافة إلى الطيور)، بينما التي على البر تطورت منها الثدييات.

ومرة أخرى يجب أن نشدد على تفاصيل قصتنا (فهي محض خيال). يمكن على نحوٍ مساوٍ أن المجموعة التي على الجزيرة تطورت منها الثدييات، أو ربما لم يحدث هذا الانفصال عبر شق مائي حتى، هذا لا يهمنا هدفنا هو تخيل كيف يؤثر التباعد الجغرافي على النوع.

على الرغم من أنها محض خيال لكن لا بد وأن حدث شيء كهذا في ذلك الزمن وإلا لم يحدث انتواعا، سيخبرك جميع علماء الأحياء أن الانعزال الجغرافي هو المقدمة الطبيعية للانتواع، رغم أن بعضهم (من علماء الحشرات) يتفقون على التحفظ بأن الانتواع الذي يحدث بنفس المكان يمكن أن يكون مهمًا أيضًا. يتطلب الانتواع متطابق المكان أيضًا نوعًا ما من الانفصال البدئي العَرَضي لدحرجة الكرة، لكنه شيء آخر غير الجغرافي لن نخوض بالتفاصيل ولكنه يبدو هامًا على مستوى الحشرات فقط وليس الحيوانات.

في الصورة أدناه يمكنكم مشاهدة تفرعات مجموعة الهومو مجملها التي كان سلفها الأول موجود قبل 2ma-3ma.

ونلاحظ التفرعات دائما مرتبطة بشكل كبير بالتوزيع الجغرافي ولم تختلط أبدًا على مر الزمن، يمكننا أن نستثني بالنهاية كيف أن التقى الإنسان العاقل مع النياندرتال، لكن من المحزن بعد كل هذا تعود لتفرض أن في التداخل هذا بينهم تشكلت علاقات جنسية!، وماذا بعد أن انفصلنا عنهم قبل أكثر من 0.4ma وفي الحقيقة نحن لم ننفصل عنهم بل إنسان روديسيا “Homo rhodesiense” أنفصل عنهم، وثم تطور الإنسان العاقل من روديسيا.

ما زال حتى هذه اللحظة سبب انقراض النياندرتال يلفه الغموض، ولكن يقول بعض العلماء إن الإنسان العاقل قد نافس النياندرتال على البقاء.

في أعلى الصورة في النهاية الإنسان العاقل قد سيطر على أكبر مساحة ممكنة أي أصبح نوعًا عالميًا ولا توجد أي فواصل تفصل أفراده، فمن المحزن أيضا أن تسأل لماذا لا ينتوِع الإنسان؟، لكن هذا لا يعني أننا لا نتطور بل لا ننتوِع تحت هذه الظروف أبدًا.

ثانياً. الانتِواع المتداخل جغرافيًا (Sympatric Speciation):

أصل كلمة “Sympatric” تنقسم إلى جزئين أيضًا، الأول “Sym” ويعني مُطَابِق أي (نفسه) وليس نظريه والثاني “patris” مجددًا أي “الوطن”، لذا “Sympatric Speciation” تعني “الوطن نفسه”، و”Speciation” مجدداً “الانتواع”، أي أننا لا زلنا نتكلم عن الانتواع لكن هذه المرة في نفس الوطن.

تخيل معي كما كنت تتخيل في قصتنا الأولى، تخيل أن عائلتك قد عاشت في منزل واحد ولسنوات عديدة. في الواقع، هو هذا منزلكم الوحيد الذي سكنتم به طول السنين.

الآن تخيل من جديد، أن شقيقتك انتقلت إلى منزل قريب. وهي تبني حياتها العائلية هناك وتتوسع، وبمرور الزمن هي بقيت مستقرة في هذا المنزل ولم تعود لمنزلها القديم.

بمرور الزمن بينما عائلتها هناك وعائلتك في نفس المنزل القديم وانتما تشتركان بأب وجد واسلاف مشتركَين، سيحدث هنا انتواع على الرغم من أنكم في نفس المنطقة الجغرافية تقريبا، لكن بالطبع لا يحدث هذا لك بل للذبابة عندما تفعل هذا أو أية حشرة أخرى. كيف؟

سوف نبدأ هنا بمجموعة من الذباب من نوع واحد، وهناك نوعين من المصادر الغذائية التي يمكنهم العيش عليها (التفاح الأخضر، والتفاح الأحمر).

في البداية، جميع أفراد النوع يتغذى على التفاح الأحمر، لكن في نقطة ما بعض أفراد النوع يبدأون بتفضيل التفاح الأخضر على الأحمر.

يحدث الانتواع المتداخل هذا عندما تقل التفاعلات الجنسية إلى أدنى حد بين المجموعة التي تفضل التفاح الأحمر مع تلك التي تفضل التفاح الأخضر.

هكذا بمرور الزمن سيحدث تباينًا وراثيًا بين الحوضين الجينيين (المعلومات الوراثية للنوع). بينما يواصلون التزاوج مع أفراد مجاميعهم التي تفضل التفاح الأخضر فقط، سيصبح الاختلاف الجيني أكثر وأكثر بين بين المجموعتين، وبمرور الزمن سوف لن يتمكنا فعل أي تفاعل جنسي بينهم وحينها سوف نقول أنهم نوعين مختلفين من الذباب.

مرى أخرى، لا يمكننا تحديد تلك النقطة التي صار بها الاختلاف الجيني كافيًا لنطلق على المجموعتين أنهما نوعين مختلفين، بسبب بطء العملية، تمامًا كما نظريا لا نفرق غالبًا بين 49% و50%.

كما يقول تشارلز داروِن في كتابه سلالة الإنسان:

في سلسلةٍ من الأشكال متدرجةٍ على نحوٍ ضئيلٍ غير محسوسٍ من كائنٍ ما شبيهٍ بالقرد أكثر من الإنسان كما يتواجد الآن، سيكون مستحيلًا تعيين مرحلةٍ محددةٍ يجب عندها استعمال مصطلح إنسان

ثالثاً. النشوء المتجدد (Anagenesis):

إن كنت قد سمعت بـ”التخلق التجددي” فهو نفسه النشوء المتجدد، وحيث أنه لا يختلف كثيرًا عن الانتِواع. ببساطة الانتواع يؤدي إلى تحدّر نوعين بينما النشوء المتجدد يتطور بدون تفرع.

من الأمثلة على النشوء المتجدد هو جنس الهومو هابيليس “Homo habilis” والذي يعتبر أحد أسلاف البشر، حيث تطور من الأسترالوبيثكس “Australopithecus”. ما نعنيه هنا بتطوره من الاسترالوبيثكس مباشرة أي أن الاسترالوبيثكس هو سلفه المباشر، مما يعني أن الهومو لا يمتلك سلف مشترك مباشر مع نوع منحدر من الاسترالوبيثكس أيضًا.

لختم موضوع النشوء المتجدد، يمكننا القول باختصار أن التطور عبر النشوء النشوء المتجدد يحدث على مستوى الفرع الواحد ولا يستدعي حدوث أي تفرع، بل يكسب النوع الصفات الجديدة عبر الزمن حتى يؤدي هذا إلى طمس وجود السلف. حيث هذا لا يمنع أن يعود ليحدث انتِواع بعد حدوث نشوء متجدد كما يحدث العكس.

اكتسب الاستراولوبيثكس صفات الهومو تدريجيًا عبر الزمن حتى لم يتبقَ وجود للاسترالوبيثكس، حيث الاسترالوبيثكس تطور إلى هومو هابيليس، ولكنه لم ينقرض بل كان الهومو يمثله بفروعه.

لو توفي جدك قبل أن يترك أحفادًا خلفه بالتأكيد سوف لن يكون هناك احفادٌ له وبالتالي لم توجد أنت قط، هذا هو الانقراض الحقيقي

المصادر: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10