إن كنت ترغب حقا بتذكر لحظة ما، فحاول عدم التقاط صورة تذكارية لها

يقوم الأشخاص حول العالم، بتحميل ما يفوق البليون صورة في اليوم، من أجل الاحتفاظ بها كذكريات يستمتعون بها في المستقبل، غير أنه حسب المدون الصوتي التكنولوجي (بودكاستر) مانوش زومورودي Manoush Zomorodi، يمكن لهذا التصوير الفوتوغرافي أن يتحول إلى مثبط لعملية التذكُّر.

من المحتمل ألّا يكون التقاط الصور هو الأسوأ في علاقاتنا، عندما يتعلق الأمر بهواجس تكنولوجية، فإنك إن لم تكن تحدق بعيني أحدهم، فعلى الأقل ستكون موجها هاتفا ذكيا نحوه، ولكن كيف لهذه الحاجة الدائمة لتصوير اللحظات -الذي يشعر به أغلبنا- أن تغيِّر الطريقة الحقيقية التي نختبر بها تلك اللحظة، سواء في الوقت الحاضر أو عند محاولتنا تذكرها طوال الوقت؟ الإجابة جد واضحة.

واحدة من أهم الأسباب التي تجعلنا نلتقط الصور بالدرجة الأولى، هي لتذكر تلك اللحظة لأطول وقت ممكن بعد حدوثها: كمَولد طفل أو اجتماع أو بحيرة عريقة…

قمت سنة 2015 بقيادة “مشروع ممل ولامع” Bored and Brillant Project -الذي تحدَّيت فيه أشخاصا أن يتركوا أجهزتهم (هواتفهم) لكي يقوموا بالقفز- بدؤوا بإبداعاتهم، مع أكثر من عشرين ألف 20.000 مستمع لـ نوت أوف سالف Note of Self (المدون الصوتي عن التكنولوجيا الذي أقوم باستضافته)، وعندما قمت باستطلاع آراء المشتركين قال الكثير منهم بأنهم يستخدمون الصور كمساعد للذاكرة، التقاط صور للأشياء كأماكن التوقف، أو ملصقات الصلصة الحارة في المطاعم من أجل شرائها لاحقا، إلَّا أنَّنا نأخذ صورا سريعة لشيء ما في أي وقت، وسنكون بذلك في الواقع قد أحدثنا ضررا لذاكرتنا.

في إحدى الدراسات، طُلِب من التلاميذ أخذ صور لأشياء من متحف، والذين لم يتمكنوا من تذكر سوى أقلِّ عدد من بين مجمل تلك الأشياء، التي قاموا بتصويرها فوتوغرافيا.

قامت البروفيسور في علم النفس في جامعة فاير فيلد Fairfield الأمريكية بولاية كونيكتيكوت Connecticut ليندا هينكل Linda Henkel، بدراسة كيفية تأثير التقاط الصور على الخبرة والذاكرة، وذلك من خلال تجربة قامت بها معتمدة على مجموعة من الطلبة غير المُتخرجين في الجامعة، حيث قاموا بزيارة موجهة لمتحف الفنون لجامعة بيلرماين Bellarmine، وقد طُلِب منهم أثناء الزيارة أن يقوموا بتصوير بعض الأشياء التي يقع نظرهم عليها في المتحف، وتذكُّر بقية الأشياء الأخرى ببساطة.

وفي اليوم التالي، قامت البروفيسور بجلب الطلبة إلى مختبر الأبحاث الخاص بها، بهدف فحص ذاكراتهم حول الصور التي شاهدوها خلال زيارتهم، فكانوا كلما تذكروا شيئًا من ذلك، سألتهم تبعا عن تفاصيل بصرية محددة، فكانت النتائج واضحة جيدا: لم يستطع المشتركون بشكل عام أن يتذكروا سوى العدد الأقل من الأشياء التي قاموا بتصويرها، كما أنهم لم يتمكنوا من استرجاع العديد من التفاصيل المرئية الأخرى، المتعلقة بفن التصوير الفوتوغرافي مقارنة بالأشياء التي شاهدوها بالعين المجردة.

تقول هينكل أنه: “عند قيامك بتصوير شيء ما فوتوغرافيا، فإنك بذلك قد منَحت الكاميرا وظيفة التذكُّر بدلا منك”، “وستقول أساسا حسنا، ليس علي أن أفكر في هذا كثيرا، فالكاميرا قد سجلت التجربة، وبالتالي فإنك لم ترتبط بأي من الصنف المسهب أو الشعوري للمعالجة التي كانت لتساعدك حقا على تذكر هذه التجارب، كونك قد استعنت بمصادر تذكُّر خارجية متمثلة في الكاميرا.

بمعنى آخر، فقد قامت كامرتك بتصوير اللحظة، بينما لم يقم عقلك بذلك.

لقد جاءت هينكل بمصطلح مخيف عن هذه الظاهرة: ” تأثير التقاط الصور الضار”، حسنا، حسنا.

كان بإمكانك أن تتذكَّر بالتأكيد الأشياء بشكل أحسن لو كنت موجودا في الزمن الحاضر كليا، ومفرط اليقظة والتفطُّن لكل التفاصيل، مثل بعض معلمي الزن Zen، ولكن أما وُجِدت الصور لأجل ذلك؟ أي من أجل إنعاش ذاكراتنا المعرضة للخطأ؟

من منا لم يقم بوضع صور لرحلة في صندوق الرسائل دروب بوكس ووعد بإنشاء ألبوم لها، فقط لكي لا يراها ثانية؟

وتوافق هينكل على أنَّ الغاية من الاستعانة الخارجية بالأجهزة للتذكر، يمكنها تحرير أدمغتنا من أجل القيام بمعالجات إدراكية أخرى، وتقول بأنَّ المشكلة تكمن في كوننا ننتقل باستمرار من شيء إلى الشيء التالي فالتالي وهكذا.

لذا بدلا من أن نستعين بمصادر خارجية للتذكر لكي يمكننا التركيز على أمور أكثر أهمية، إننا نملك تلك النزعة الدائمة لمعرفة ماذا سيأتي بعد وماذا بعد وماذا بعد، ولا نستوعب بالكامل أيا من الخبرات التي نمتلكها، كما أجرت هينكل كذلك رفقة إحدى طالباتها كاتلين باريزي Katelyn Parisi دراسة أخرى بهدف معرفة ما يحدث للذاكرة عند امتلاك الأشخاص صورا تذكرهم بلحظة ما أو شيء ما، رغم أنَّ هينكل تلاحظ بحق أنَّنا في الواقع منشغلين جدا بأخذ صور والتي قد لا نشاهدها تماما فيما بعد، فمن منا لم يأخذ مجموعة صور تذكارية لحفل تخرجه أو لرحلة قام بها، ويلقي بها في صندوق الدروب بوكس بِنية صنع ألبوم من هذه الصور، إلا أنه لم يلقي عليها نظرة واحدة فيما بعد؟

الآن بينما يقوم الأشخاص بجولة في المتحف يُطلب منهم أخذ صنفين من الصور، الصنف الأول خاص بالأشياء المعروضة وحدها والصنف الثاني خاص بالأشياء الموجودة بجانبها، لتقوم هينكل فيما بعد بإجراء حوار مع الطلاب حول تذكُّرهم لما شاهدوه، بينما تملك هي صورا عن جميع تلك الأشياء التي قاموا بتصويرها، فاتضح حسب هينكل بأنَّ نظرتك لتلك التجربة تتغير حقا، سواء أكنت موجودا في تلك الصورة أم لا، فإن كنت موجودا في الصورة فإنك ستصبح معزولا عن اللحظة الحقيقية التي تمت فيها التجربة -كما لو كنت ملاحظا حياديا، تشاهد نفسك وأنت تقوم بشيء ما خارج ذاتك- بينما لو كنت غير موجود في الصورة فإنك ستتحول إلى الشخص الأول، وستعيش تلك التجربة من جديد بواسطة عينيك المجردتين وستتذكر أكثر.

تؤكد ليندا هينكل: “بقدر روعة الكاميرا، إلّا أنها لا تقارن بقدرة الدماغ على المداخلة مع العينين والأذنين”.

تبقى المسألة المتعلقة بالتأثير الذي تحدثه طريقة أخذنا للصور على فهمنا لأنفسنا وللأشياء التي قمنا بتصويرها نقطة استفهام كبيرة، ولكن كنتيجة للتجارب التي قامت بها، تؤكد هينكل بأنَّه على قدر روعة الكاميرا، إلا أنها لا يمكن أن تقارن بما للدماغ من قدرة على الادخال مع العينين والأذنين، وتعتبر بأن الكاميرات هي النسخة الأدنى لنظام معالجة المعلومات لدى الإنسان.

حتى وإن كان من المتعب تفعيل قرص صلب مثقل بالصور في الحاسوب، إلا أنَّ تجارب هينكل قد أظهرت طريقة بحيث لا يقلص التقاط الصور عمل الذاكرة عند الأشخاص، فعندما قام المشتركون في الدراسة التي تمت في متحف الفنون، بتقنية التكبير الفوتوغرافي من أجل تصوير جزء معين من مجسم، فإنَّ ذلك لم يتلف إدراكهم اللاحق وذاكرتهم المفصلة، وقد كتبت البروفيسور إنَّ ذاكرتهم حول الأجزاء التي لم يتم تكبيرها فوتوغرافيا كانت في الحقيقة قوية، تماما بحجم الذاكرة حول الأجزاء التي تم تكبيرها، ويفترض هذا أن يكون للوعي الإضافي والمعالجة الإدراكية المرتبطة بهذا النشاط الهادف، الإمكانية في الحد من تأثير التقاط الصور المضعِف.

لمَ لا تتحدى نفسك بيوم من دون صور؟ وتنظر للعالم لمدة 24 ساعة من خلال عينيك المجردتين وليس من خلال شاشة جهازك؟ وأن لا تقوم البتة بأخذ أية صورة على الإطلاق لا لوجبة غداءك ولا لأطفالك ولا لحجرتك أو لمنظر غروب جميل، لا رسائل مصورة ولا صور قطط، ولا صور على الإنستغرام، سينجح ذلك مع مستخدمي السناب شات؟ حاولوا القيام بالأمر، ومتأكدة من أنَّ الجميع سيكون راض بذلك.

أما أولئك الذين تعودوا على أخذ صورة واحدة في الشهر كحال والدتي، فسوف يجدون هذا التحدي عاديا جدا، ولكن قبل أن ترضى أنت بهذا التحدي، فلتعلم بأنَّ الأمر قد يكون أصعب مما تظن، لقد أفاد العديد من الأشخاص بأنهم قد التقطوا صورا كثيرة جدا، كثيرة من دون وعي منهم ولدرجة لم يكونوا يتخيلونها من قبل، إلا أنك سوف تشعر بعطاء هذه التضحية.

ومع ذلك، تقول بيث Beth في إينديانا Indiana : “بالتاكيد العالم يحب رؤية حفيدي الجميل, لكنه كان يوما من الحرية ”

إن كان هنالك مشترك يستحق الفوز بجائزة تحدي يوم بدون صور في برنامجي “ممل ولامع”، فستكون على الأغلب المشتركة فانيسا جين هيرالد Vanessa Jean Herald ، التي تعرضت أثناء توجهها من مقر سكناها في مزعة ويسكونسين Wisconsin نحو عملها في مايديسن Madison الذي يتطلب ساعة للتنقل، لحادث انزلاق بينما كانت تقود سيارة من نوع سوبارو Subaru خضراء، في الطريق السريع أين هوت بها في حفرة من الثلج، ورغم أنه كان عليها انتظار شاحنتي النجدة، لأكثر من ساعتين وفي درجة حرارة منخفضة تصل حد التجمد، إلا أن ذلك لم يقتص من عزيمتها شيئا، فتقول: ” لم أقم سوى بإرسال طلبات النجدة، بينما أرسلت رسائل للناس للاطمئنان بأنني على ما يرام، ثم اكتفيت بالجلوس”.

وبالطبع! تضيف: لم يخطر على بالي حينها سوى أخذ صورة للسيارة الهاوية في الحفرة والمغطاة بالثلج، ونشرها في الإنستغرام، أو أخذ صورة لتلك الأضواء الحمراء والزرقاء لسيارة الشرطي، التي تضيء الطريق وتومض في المرآة العاكسة في سيارتي، ليتحول نهاري ليلا في غضون تلك الساعتين العصيبتين التي اقتطعتا من حياتي.

ولكن بفضل تحدي اليوم أدركت كل ما كان يدور من حولي، وبدلا من البقاء مسترخية قمت باستخراج دفتري لأكتب فيه قصة أصف فيها كيف يمكن أن تنتهي بك أفضل خطط القيادة أحيانا في حفرة من الثلج على حافة الطريق، وضعت فيها صورة وهمية لسيارة سوبارو خضراء اللون داخل حفرة من ثلج على حافة الطريق هنا.

لا تقلق إن لم تتمكن من تشكيل قصة جيدة في وحي خيالك دون استعمال صور، بالطريقة الحسنة التي فعلت بها هيرالد ذلك، ولا بأس أن تكون غير مرتاح أو عدائي أو ضجر بسبب عدم أخذك للصور التي تشعرك بيومك، فقط استعمل دماغك بدلا من هاتفك، فلا أحد سيحب أو يتعلق بذلك جدا، وكل ما يحدث هناك يخصك أنت وحدك.

وإن كنت ترغب حقا في التخلص من الصور الرقمية، تجنب انتشار الصور في ذلك اليوم، أي يمكنك فحص الصور في مواقع التواصل الاجتماعي مع تجنُّب الإعجاب أو التعليق عليها، فقط خذ نظرة جميلة فيها، أو ارسم عنها ربما صورة ذهنية.

ترجمة: نور حام

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان

تدقيق علمي: محمد جواد السعيدي

المصادر: 1