الفرق بين العزلة والوحدة

‘تعاسة الرجل’ عبارةٌ كتبها عالم الرياضيات الفرنسي ‘بليز باسكال’، وهي مشتقةٌ من عدم القدرة على الجلوس وحيداً في غرفةٍ هادئة. ويكمن السبب عادةً في وجود الكثير للقيام به، وفي أحيانٍ أخرى هو عدم قدرتنا على وضع الهاتف الذكي جانباً والجلوس بهدوء.

نظام حياتنا المزدحم لم يترك لنا الفرصة لنحظى ببعض الوقت مع أنفسنا، وذلك يدعو للأسف. فكما قال العديد من المفكرين، أن قدرتك على الجلوس وحدك مع أفكارك هي مهارةٌ رائعةٌ يجب على مزيدٍ من الناس استغلالها.

ومع ذلك، هناك فرقٌ بين الوحدة والعزلة ربما يقتلك:

البعض منا _وبشكلٍ خاص الأكثر ذكاءً منا_ يستمتعون بلحظاتٍ هادئةٍ من حينٍ لآخر بشكلٍ متكرر. ولكن البعض الآخر يشعر بالوحدة، وهو ليس فقط شعوراً سلبياً، ولكنه قد يحمل آثاراً جسيمةً على الصحة، لذلك يتوجب علينا فهم هذه الآثار لتجنبها.

وتشير البحوث إلى أن الشعور بالوحدة يمكن أن يزيد وبشكلٍ كبيرٍ من خطر الموت، بل هو يشكل تهديداً بالموت المبكر أكثر من السمنة. وصرح ‘هولت لونستاند’ -وهو القائم على دراسةٍ تحليليةٍ لأكثر من مئتي دراسةٍ سابقةٍ لحالات مئات الآلاف من المرضى- قائلاً: “هناك أدلةٌ قويةٌ على أن العزلة الاجتماعية والوحدة تزيد بشكلٍ كبيرٍ من خطر الموت المبكر، كما أنها تزيد من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة”.

وقال ‘جون كاسيوبو’ -عالم الأعصاب في جامعة شيكاجو- حول هذا الموضوع: “الشعور بالوحدة بشكلٍ مفرطٍ يمكن أن يؤدي إلى مشاكل صحيةٍ جمّة، منها ارتفاع مستويات الكورتيزول ( هرمون يُفرَز كاستجابة للإجهاد)، زيادة إفراز هرمون التوتر، زيادة انقباض الأوعية الدموية، ما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وقلة تدفقه إلى الأعضاء الحيوية، إضافةً إلى إشارات الشعور بالخطر التي تتولد في الدماغ والتي تؤثر على إنتاج خلايا الدم البيضاء مما يضعف مناعة الجسم في محاربة الأمراض”.

هذه الأخبار لن تصدم أرسطو، الذي قال قبل ألفي عام أن الصداقة هي متطلب الحياة الجيدة، وافترض أيضاً أن قلة الأصدقاء لن تمكنك من الاستمتاع حقاً بكونك إنساناً. وعلى اعتبار أننا بيولوجياً يجب أن نحظى بقدرٍ من التواصل الاجتماعي يشير إلى ضرورةٍ ملحّة لتثقيف الأفراد حول كيفية تكوين صداقات.

اليوم، هناك أكثر من أربعين مليون شخص بالغٍ فوق سن الخامسة والأربعين في الولايات المتحدة يعانون من الوحدة المفرطة. تلك الصورة التي تتخيلها لذلك الرجل الحزين العجوز في دار العجزة صحيحةٌ جزئياً، فكما تشير الإحصائيات، هناك تغيراً في الخريطة السكانية نتيجة قلة المقبلين على الزواج، وعلى عدد الأبناء الذي ينجبه كل زوج. وإنه من الصحيح اعتقاد أن كبار السن هم أكثر عرضةً للشعور بالوحدة، فواحدٌ من اثنين ممن تجاوز عمرهم الخامسة والثمانين في الولايات المتحدة يعيش لوحده. وهذه حقيقةٌ قاسية، حيث لم يتبقَّ لهم الكثير من الوقت على هذه الحياة.

هل من الممكن أن تكون الوحدة مفيدةً لنا؟

شوبنهاور، الفيلسوف الأكثر كآبةً على الإطلاق، قرر أنه من الأفضل لنا اختيار العزلة كبعض الحكماء من الرهبان الذين عزلوا أنفسهم عن المجتمع وفضلوا الحياة بشكلٍ بسيط، هؤلاء هم الأكثر سعادةً بنظره، وذلك لتحررهم من التفاهة والضلال في طريقهم إلى السعادة الذهنية. بالرغم من أن شوبنهاور لم يستطع العيش بهذه الطريقة.

مفارقةٌ غريبةٌ وهي أننا نعاني من الوحدة، ولكننا لا نستطيع تخصيص وقتٍ كافٍ لأنفسنا. فقد جعلتنا التكنولوجيا الحديثة على تواصلٍ أكثر من أي وقتٍ مضى، ولكنها لم تستطع أن تجعلنا أكثر سعادةً أو أقل وحدة. يجب علينا أن نتعلم كيفية التواصل بشكلٍ سليم، ومتى يجب أن نبقى مع أنفسنا، فهذه المفارقة تليق بعصر التواصل والتحضر.

ترجمة: علي عبد الكريم

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

تدقيق علمي: بسّام ناجي

المصادر: 1