قد تكون هناك طريقة نستطيع من خلالها استرجاع ذكريات الطفولة

استرجاع كلّيّ لتلك الذّكريات؟

أغلبنا على الأرجح لا يستطيعون تذكّر أيّ شيء قبل سنّ الثّالثة. ولكن، وبدلاً من البقاء في حالة ضياع دائم، تقترح دراسة جديدة أنّ هذه الذّكريات تبقى خامدة في عقولنا، وتنتظر الظّروف المناسبة لتظهر وتُسترجع!

هذه النّتائج أطلقت بناءً على عدّة أبحاث كانت قد أجريت على الفئران. ويعتقد العلماء أنّه يمكن ترجمة النّتائج وإطلاقها على دماغ الإنسان.

وكما نعلم، نحن نخزّن الكثير من المعلومات خلال أيّامنا الأولى، كيف نمشي، كيف نتحدّث ولذلك، لا بدّ من أن تكون ذكريات طفولتنا قابعة في مكان بعيد في ذاكرتنا.

إنّ ذكريات الطّفولة التي نحاول استرجاعها تسمّى بـ “الذّاكرة العرضيّة”، أي أنّ كلّ ما تحمله هو ذكريات مترابطة محدّدة عن: الشّخوص، الزّمان، المكان، الحدث، وسبب الحدث.

فنحن نشكّل الذّاكرة العرضيّة طوال حياتنا، ولكنّنا لا نستطيع استرجاعها قبل عمر الثانية أو الرّابعة! ما يعرف بـ “فقدان الذّاكرة الطّفولية”، والذي تتعرّض له الحيوانات أيضاً خلال طفولتها.

قام باحثون من جامعة نيويورك بتدريب مجموعة من الفئران -تبلغ ال17 من العمر، أي ما يعادل سنتين أو ثلاثة من عمر الإنسان- تمّ تدريب هذه الفئران على ربط جانب من الصّندوق بحدوث صدمة كهربائيّة خفيفة. (تصعق هذه الفئران إذا لمست جانباً معيّناً من الصّندوق).

وبسرعة، كانت هذه الصّدمة الخفيفة قد أصبحت طيّ النسيان، بسبب صغر سنّ الفئران. وبعد 24 سنة، أعاد الباحثون الفئران نفسها إلى ذلك الجانب من الصّندوق، وبإحداث صعقة كهربائيّة مجدّداً، استطاع الباحثون جعل الفئران تتذكّر التّرابط بين هذا الجانب من الصّندوق والصّعقة الكهربائيّة.

وكما يوضّح الباحثون: “نحن نستنتج هنا، أنّ التّجربة التي تعلّمتها الفئران بفترة “فقدان الذّاكرة الطّفولية” بقيت هناك كامنة في مخطّط ذاكرتها لمدّة طويلة من الزّمن” ” وبالتأكيد، فإنّ وجود محفِّز على التّذكّر، سيعيد للفئران ذاكرتها المتينة، طويلة المدى و التي اكتسبتها في سياق محدّد”.

وعندما ألقى الباحثون نظرة قريبة على نشاط “الحصين” -منطقة في الدّماغ مرتبطة بقوّة بتشكيل الذّاكرة طويلة المدى- في أدمغة الفئران الطفلة والفئران المتقدّمة في السّنّ قبل تعلّم الفئران وبعده، وجدوا أنّ الفئران الصّغيرة لم تستطع تشكيل الذاكرة طويلة المدى واسترجاعها بشكل جيّد عندما لم يكن “الحصين” نشيطاُ. مشيرين إلى أنّ التعلّم الفعّال ضروريّ إذا أردنا أن نتمسّك بأحداث الطّفولة.

حيث تقول واحدة من الباحثين “في طفولتنا المبكّرة، يكون العقل غير قادر على تكوين ذاكرة طويلة المدى، ولكنّنا نستطيع “تعلّم” تكوينها، نستطيع جعل استرجاعها ممكناً إذا طوّرنا قدراتنا لنستطيع حفظ الذاكرة طويلة المدى” “أمّا عن كيفيّة تطويرها فذلك يكون من خلال تحفيزها خلال التعلّم، وإلا ستتلف وتضيع”.

واستطاع الباحثون تحديد بروتين(BDNF) الذي يساعد على النّمو والإبقاء على الخلايا العصبيّة، وصرّحوا بأنّه مهمّ للحفاظ على الذّاكرة طويلة المدى. وبما أنّ الإنسان كما الفئران، يمتلك هذا البروتين، فإنّه ليس من الواضح بعد إذا ما كان تأثيره على استرجاع الإنسان لذكريات طفولته مشابه لتأثيره على الفئران. وسيكون الأمر حماسيّاً جدّاً، إذا استطاع الباحثون تأكيد هذا… عندها، سنكون قادرين على استرجاع سنوات من الذّكريات، لم نكن قد استرجعناها من قبل!

كما كتب كلّ من اندريه رودنكو و ليهوي تساي -من ال MIT- في مجلّة Nature Neuroscience:

هذه الدّراسة تقتح أمامنا أبواباً جديدة

وتساءل آخرون عمّا إذا كان من الممكن أن تترجم هذه الدّراسة التي أجريت على أدمغة الفئران، لنحكم من خلالها على دماغ الإنسان.

حيث قالت باتريسيا بايور من جامعة إيموري لصحيفة New Scientist:

هذا البحث ممتاز، ويخبرنا الكثير عن تطوّر الحصين، ولكنّه لا يقدّم لنا أيّة معلومة بخصوص الذّاكرة الطّفوليّة

بينما لا تزال هذه المسألة قيد التّحقيق، تفتح الدّراسة أمامنا آفاقاً جديدة عن إمكانيّة استرجاع ذكريات الطّفولة من خلال التعلّم الفعّال خلال هذه المرحلة.

المصادر: 1