هل قهر العلم الفلسفة؟

في ثلاثينيات القرن الماضي اجتمعت مجموعةٌ من العلماء والفلاسفة في فيينا وعزموا الأمر على تدمير الميتافيزيقيا (فلسفة ماوراء الطبيعة).

سمي الاجتماع بحلقة فيينا، واتهموا فيه الميتافيزيقيا بأنها عبارةٌ عن تصريحاتٍ كاذبة (حشو كلام) Pseudo-statment، أي أنها ترتيبٌ من الكلمات الذي يبدو للوهلة الأولى ذا معنىً وفائدةً، ولكن عند التدقيق فيه يتضح أنه كلامٌ فارغٌ لامعنى له ولا يعطي أيّة فائدةٍ عملية.

وإلى الآن، وبعد 90 سنةً على عقد اجتماع فيينا وأكثر من 2000 عام على رحيل أرسطو مؤلف الميتافيزيقيا لايزال هذا العلم لا يملك أيّة وجهةٍ محددة.

بعضٌ من التصريحات الميتافيزيقية قد تم دحضها بالفعل بواسطة العلم التجريبي، لكن لايزال هناك بعضٌ من الأسئلة الميتافيزيقية العميقة بدون إجابة، مثلاً:

  • ماهوالوعي؟
  • هل نملك إرادةً حرة؟
  • لماذا هناك خيرٌ وشر؟

المعنى الحرفي لكلمة ميتافيزيقيا هو ‘ما يأتي بعد الطبيعة’ (‘ميتا’ تعني بعد و ‘فيزيقيا’ تعني الطبيعة) وجاءت هذه التسمية عندما قام جامع أعمال أرسطو بترتيب كتبه، فرتب في البداية الكتب التي تتناول المواضيع الطبيعية ثم وضع بعدها الكتب التي تتناول المواضيع الخارجة عن الطبيعة، ومن هنا جاءت تسمية مابعد الطبيعية، أي مكانها في ترتيب الكتب.

تعتقد موسوعة ستانفورد الفلسفية أن القصد من هذا الترتيب هو تحذير الدارسين لأعمال أرسطو بأنه يجب عليهم أولاً قراءة الأعمال الطبيعية ثم الأعمال بعد الطبيعية.

لكن أرسطو نفسه لم يعتبر أن الميتافيزيقيا تأتي في المرتبة الثانية، بل العكس، فقد اعتبرها بداية كل شيء، إضافةً إلى ذلك فهو لم يستخدم مصطلح ميتافيزيقيا أبداً بل أشار إليها باسم ‘الفلسفة الأولى first philosophy’ أو ‘العلم الأول first science’، والسبب في اعتبارها في المرتبة الأولى لدى أرسطو هو أنها تتناول المبادئ الأولى والأساسية للحياة.

يدعي بعض العلماء والفلاسفة أن العلم يملك أو سيملك قريباً جميع الأجوبة على الأسئلة الميتافيزيقية، ما سيجعلها عديمة الفائدة.

ليس فقط من اجتمع في فيينا يعتقد أن الميتافيزيقيا بلا هدف، بل حتى بعضٌ من أعظم العلماء المعاصريين كستيفن هوكينغ ونيل گرايس تايسون.

في أحد الفيديوهات التعليمية التي يقدمها بيل ناي Bill Nye لصالح big think يشير بسخريةٍ إلى أحد الأسئلة الأساسية عن الوعي: “أسقط مطرقةً على قدمك وحاول ألّا تلاحظها”.

قدم العلم الكثير من التفسيرات الرائعة لكثيرٍ من الأسئلة الميتافيزيقة، فعلم الأعصاب يساعدنا على تحديد في أيِّ منطقةٍ في الدماغ يحدث ما يُعرف فلسفياً بنظرية العقل Theory of mind.

التجارب باستخدام تقنيات تصوير الدماغ أظهرت أن قرراتنا قد صُنعت لنا قبل مدةٍ طويلةٍ من اعتقادنا أننا اتخذنا القرار، وقد غير هذا مفهوم الإرادة الحرة تغييراً كبيراً عن مفهومه القديم. درس العلماء أقرباءنا من الرئيسيات Primates لكي يفسروا كيف ظهرت القيم الأخلاقية، كي يساعدونا على تحديد ‘هل الإنسان أساساً خيّر أم شريرٌ أم مزيجٌ من الاثنين؟’.

لا زالت المشاكل العميقة للميتافيزيقيا قائمةً، على الأقل حتى يقوم العلم بحلها، إلى أن نستطيع توحيد ميكانيكيا الكم مع النسبية العامة، وحتى ذلك الوقت ليس لدينا وصفٌ دقيقٌ للواقع، وحتى نستطيع دمج المشاكل المعقدة للوعي مع تفسيرنا للواقع وعندما نجيب على كل هذه الأسئلة.. عندها نستطيع الإجابة عن السؤال ‘ما هو الواقع؟’.

توفر الميتافيزيقيا مساحةً حرةً للتفكر، لوحةً بيضاءَ تُخَطُّ عليها الأسئلة المثيرة لفضول الإنسان بكل حرية.

في بداية كل عمليةٍ علميةٍ يوجد سؤالٌ عادةً ما يكون ميتافيزيقياً في طبيعته.

وكما قال بعضهم: “العلم يفترض مسبقاً المعرفة غير العلمية” وهذا دور الفلسفة الأولى في التحقق من هذه المعارف غير العلمية.

ترجمة: عقيل فاضل

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

المصادر: 1