الحقيقة الخفية حول وصفاتنا الطبية

يقول العالم سيلي لين “العديد من بيانات التجارب السريرية محجوبة عن العامة، هذه المعلومات المفقودة تكلّف المال والوقت وحتى أرواح الناس”.

فالحقيقة الخفية والتي ستفأجئك هي أنه قرابة نصف التجارب السريرية التي أجريت على الأدوية التي نستخدمها اليوم لم تنشر نتائجها أبدًا.

صدمني هذا عندما سمعته للمرة الأولى وبصراحة لا يزال يصدمني.

وأنا مثل معظم الناس افترضت إن الأدوية التي تمت الموافقة عليها ووصفها وبيعها رسميًا هي آمنة وفعالة.

لكنني تعلمت هذه الحقيقة المقلقة من خلال عملي كعالم ومحامي دفاع للبحوث الطبية بأن هذه البيانات ذات أهمية حيوية إلى جانب استخدامها من قبل الهيئات التنظيمية لتقرير ما إذا كان ينبغي تسويق الدواء ام لا كما يتم الاعتماد عليها أيضا من قبل الأطباء لتحديد أيّ دواء يعطوه للمرضى والباحثين لتقييم ما إذا كانت هناك حاجة لمزيد من التجارب.

ومع نتائج من نصف التجارب فقط، يفتقر صناع القرار إلى المعلومات التي يحتاجونها لاتخاذ خيارات حكيمة.

ففي أحد الأمثلة الشائعة، تم اختبار دواء القلب المسمى( lorcainide) في التجارب السريرية في الولايات المتحدة وبريطانيا في عام 1980.

وأظهرت النتائج أن المرضى الذين يتناولون الدواء كانوا أكثر عرضة للموت أثناء التجربة من أولئك الذين لم يتعاطوه، ولكن هذه النتائج نشرت بعد أكثر من عشر سنوات من بيع الدواء وفي تلك الفترة، يقدر أن أكثر من 100.000 شخص لقوا حتفهم بسبب تناول هذا الدواء غير الناجح.

وفي مثال آخر، أوصى منظم المملكة المتحدة الحكومه قبل عشر سنوات بشراء الإمدادات من(Tamiflu) -دواء مضاد للإنلفونزا- واستندت التوصية، بطبيعة الحال،على نتائج التجارب السريرية وذهبت الحكومة لشراء مخزون يكفى لمرتين بسبب المخاوف من وباء الإنفلونزا.

وأنفقت حوالى 473 مليون جنيه. ومع ذلك،أدرك بعض الباحثين بأن نسبة صغيرة فقط من نتائج التجربة تم الإفصاح عنها.

وبعد الكثير من المحاولات للوصول الى البيانات المفقودة، تلقت Cochrane -وهي شبكة بحثية مستقلة- إمكانية الوصول إلى الدراسات الكاملة وتحليلها.

في عام 2014، أصدر علمائها تقريرا اختتم بأن Tamiflu لم يكن فعالا.وتم هدر نصف مليار جنيه من الأموال الحكومية.

و لكن المشكلة أكبر من موضوع مال، بالنسبة لي أنه موضوع حياة أشخاص.

فالتجارب السريرية لا تحدث في الخلاء، حيث يجب أن يتطوع الناس ليكونوا جزءًا منها.

يشارك الآلاف فى التجارب الضخمة، وهم في الغالب من المرضى الذين يعانون من أمراض أو حالات الطبية ما، وقد تطوعوا إما لأنها يمكن أن تساعدهم الآن أو لأنها يمكن أن تفيد الآخرين في المستقبل.

هناك دائما خطر في اختبار مركب جديد، لذلك المشاركين يقومون بمغامرة، فالدواء التجريبي قد لا يكون جيداً كالدواء الذي يأخذونه بطريقة أُخرى، أو قد يتم تعيينهم فى مجموعة التحكم حيث يتلقون علاج وهمي.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المشاركين في التجارب يحتاجون إلى المراقبه بشكل متكرر، لذلك فهم يضحون بوقتهم للذهاب إلى المستشفى ومواعيد الأطباء.

وأخيرًا، يسجل المتطوعون مع الاعتقاد الضمني بأنه إذا لم يتم الكشف عن المعلومات المفيدة التي تخص حالتهم والدواء في التجربة، فسوف يتم تقاسمها معهم والمتطوعين غيرهم.

أي نتائج محجوبة تمثل خيانة لثقتهم. ومع آلاف التجارب السريرية التي لم تنشر نتائجها، فهذا يعني أن ملايين المتطوعين قد تعرضوا للخيانة.

قد تتسائل: كيف نعرف عدد التجارب السريرية التي لم تنشر نتائجها طالما المعلومات مفقودة؟ إنه تحدٍ صعب.

نظرًا لعدم وجود قائمة بكل التجارب التي تمت، فليس هناك أي شيء للتحقق منه.

ولكن الباحثين حاولوا تقييم الوضع من خلال النظر في سجلات التجارب السريرية.

وهي قواعد بيانات على الإنترنت وضعتها الحكومات ومنظمة الصحة العالمية (WHO) والجامعات حيث يتم فيها تشجيع القائمين على التجارب لنشر تفاصيل التجارب الحالية والقادمة حتى الأطباء والأكاديميين والمرضى يمكنهم التعلم عنها و المشاركة.

وبعدها يقوم الباحثون بمتابعة التجارب المذكورة ومعرفة ما إذا نُشرت النتائج في المجلات العلمية أو تقارير ومحادثات المؤتمرات أو مستودعات البيانات أو غيرها من المنتديات.

ولكنه ليس من السهل العثور على نتائج التجارب.

فهناك المئات من الأماكن اللى يمكنهم البحث بها، وعندما يجد الباحثون البيانات، يواجهون صعوبة للتأكد من أنها تنتمي إلى التجربة المراد الوصول اليها.

وقد قرر بعض المحققين التركيز على المجموعات الفرعية من التجارب.

على سبيل المثال، قد ينظرون في جميع التجارب التي أجريت على دواء معين أو حالة معينة. أو يمكنهم تضييق نطاق البحث عن طريق التركيز على عام أو بلد معين.

وقد حدثت مئات من هذه الدراسات المستهدفة وكل دراسة ساهمت فى الكشف عن قطعة صغيرة من الغاز التجارب السريرية بنسبة تصل إلى 50%.

يبحث بعض الباحثين عن ماهية نوعية النتائج التي يتم نشرها وتلك التي لا تنشر.

وليس من المستغرب بأن نتائج التجارب التي تظهر فعالية الدواء يتم الأفصاح عنها بصورة أكبر من التي تظهر عدم فعالية الدواء.

وفي الواقع التجارب التي تعطي نتيجة إيجابية احتمالية نشر نتائجها أكبر بمرتين من التجارب اللتى تعطى نتيجة سلبية.

وإلى جانب مشكلة المعلومات الغير المكتملة، فإن المعلومات التي يتم إصدارها إلينا غالبا ما تكون متحيزة.

عند التحدث بالمشكلة أمام الناس كلهم يسألون نفس الشيء: “أليس هناك قانون ضد هذا؟” الجواب: نوعًا ما.

منذ عام 2007، وجد قانون أمريكي وحيد والذي ينص على أن بعض التجارب في أمريكا يجب أن تسجل في سجل ويجب على هذه التجارب أن تبلّغ نتائجها في غضون سنة من نهايتها ومع ذلك، في عام 2015،عندما نظر الباحثون إلى بعض التجارب التي يغطيها هذا القانون، وجدوا بأن 13٪ فقط أفادوا عن نتائجهم في غضون عام.

وبعبارة أخرى، اكثر بقليل من 1 من أصل 10 من القائمين على التجربة اتبعوا القانون، وحوالي 9 من أصل 10 لم يطبقوه.

يسمح القانون لإدارة الأغذية والأدوية FDAبتطبيق غرامات قدرها 10.000 دولار في اليوم للجهات الراعية التي تأخرت في نشر النتائج، ولكن لم يتم تغريم أي راعٍ، ويرجع ذلك جزئيآ إلى أن القانون مربك ومن الصعب فرضه بالقوة.

هناك قانون تشريعي يبعث الأمل للناس في الاتحاد الأوروبي.

ومن المقرر أن يبدأ سريان قانون شامل في عام 2018 يقضي بتسجيل جميع تجارب الأدوية في الاتحاد الأوروبي في قاعدة بيانات عامة قبل أن تبدأ.

كذلك، يجب نشر ملخص عن نتائجها فى السجل في غضون سنة من انتهاء التجربة. كما يجب ان يكون الملخص مناسبآ للأشخاص العاديين. وأن تكون هناك تقارير تفصيلية إضافية.

وإذا ما تم إنتاجها يجب أن تكون متاحة للعامة، وأي تجارب تستخدم لدعم دواء جديد يجب أن تكون مسجلة وناشرة لنتائجها، وسوف تفرض عقوبات مالية على أي راعٍ للتجارب لا يلتزم بهذه الشروط.

وفي حين أن القانون واضح ومحدد بشكل مثير للإعجاب، فإنه لا يزال يتعين النظر إلى ما إذا كان سيتم اتباعه وإذا كان القائمون على التجربة سينفذونه.

والواقع هو أنه من المستحيل وضع قانون أو مجموعة من المبادئ التوجيهية التي تنطبق على جميع الكيانات في جميع أنحاء العالم التي تجري تجارب سريرية.

فشركات الأدوية بعيدة عن تلك المنظمات التي تقوم بالتجارب -كما أنها تُجرى من قبل الجامعات والجمعيات الخيرية والحكومات-.

وهي تحدث في العديد من البلدان المختلفة، التي لها ممارساتها ومعاييرها الخاصة.

لسوء الحظ، هناك شيء واحد فقط يبدو إنه يوحد هذه المجموعات التي تدير التجارب وهو ” ثقافة السرية”.

ولكن مع زيادة الوعي، فإن التغيير يحدث ببطىء.

يقول العالم سيلي لين أنا جزء من مبادرة دولية تسمى أوول تريالز AllTrials، وهى حركة ينظمها المرضى والباحثين والمنظمات غير الربحية التي شارك في تأسيسها الطبيب و الصحفي العلمي بن غولداكر.

حيث تدعو صناع القرار والجهات الراعية إلى نشر نتائج تجريبية جديدة والإفراج عن بيانات التجارب السابقة قبل فقدها أو تدميرها.

وبعد جهود الضغط التي بذلتها مجموعتنا وغيرها من الأشخاص والمنظمات، أصدرت منظمة الصحة العالمية بيانا عاما في عام 2015 قائلآ إن الباحثين الذين يديرون التجارب عليهم الألتزام بتسجيل ونشر النتائج.

وفي واحدة من أكبر الانتصارات حتى الآن، أصدرت الأمم المتحدة تقريرآ في عام 2016 ينص على إنه يجب تسجيل التجارب السريرية ونشر نتائجها بغض النظر عما إذا كانت إيجابية أو سلبية أو محايدة أو غيرفعالة.

كما دعت الأمم المتحدة الحكومات إلى إصدار تشريعات لتحقيق ذلك.

في هذه الأيام، لا يزال كثير من الناس لا يعرفون عن الثغرات الخطيرة حول معرفتنا بنتائج التجارب السريرية.

ولكن إذا كنا نستطيع جميعًا الاهتمام ومحاولة ايجاد المعلومات معًا فيمكننا أن نعمل نحو اليوم الذي سيتم إخراج المعلومات الخفية في النهاية إلى النور.

ترجمة: ميار عيسى

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان

تدقيق علمي: فينوس شعبان

المصادر: 1