العلماء يدعون إلى التعامل مع السكريات كنوعٍ من المخدرات

أثناء فترة طفولتي كانت حلوى الجلي بطعم البطيخ هي المفضلة عندي، لم أكن أحب باقي النكهات المتعددة، لذا كنت أقوم بالتخلص من الأنواع الأخرى -فمثلاً نكهة العنب كانت مقبولة أما التفاح الأخضر فكنت أرميها- حتى أقوم بالتلذذ بنكهة البطيخ المفضلة لدي.

في إحدى أيام الصيف قُدِّم لي البطيخ الطبيعي ورفضته ولم آكله لأن نكهته لم تكن كتلك التي تعودت عليها بالحلوى المنكهة.

هل يمكننا أن نصنف السكر كنوع من المخدرات؟ وقد نوقش هذا السؤال منذ فترة طويلة من الزمن. يقوم السكر بتحفيز مناطق إفراز الدوبامين لدينا، مما يجعل منطقة المكافآت في الدماغ “brain reward system” تعمل بنفس الطريقة التي تعمل بها عند شرب الإنسان للكحول أو النيكوتين … الخ من المخدرات.

ونحن نعلم أن السكر الفائض عن الحاجة مسؤول عن الكثير من الأمراض الخطيرة التي تهدد حياة الإنسان، وحتى مع إحاطتنا بهذه المعلومات فإن استهلاك الفرد – الأمريكي مثلاً – من السكر يعادل الـ 152 جنيه استرليني سنويا، وإذا نظرنا للموضوع من ناحية تاريخية فكمية الاستهلاك هذه صادمة جدا!.

إن الأهالي – المسؤولين – بالتأكيد لن يسمحوا لأطفالهم بتناول الحلويات كوجبة إفطار، لكن هذا لا يعني أنهم لا يقومون بتناول نفس الكمية من السكر أثناء تناولهم حبوب الفطور أو العصير، وحتى الأغذية التي قد تبدو صحية مثل الشوفان والتوت البري وشراب القيقب تحتوي على كميات سكر مساوية لتلك الموجودة في الحلويات.

واكتشف مركز الدراسات الغذائية البريطاني أن نصف السكريات التي يتناولها الأطفال تكون في الصباح، أما كون السكر طبيعي أو صحي فهذا لا يحل المشكلة، لأن الكبد لن يهتم إذا ما كان السكر طبيعي- عضوي- أم لا.

ومع هذا كله فنحن بحاجة للسكريات، إن أدمغتنا تسحب الطاقة منها كما يسحب طائر الطنان الرحيق من الزهرة، وعلى الرغم من الضغط والخداع الذي يمارسه لوبي شركات السكريات، أقرت منظمة الصحة العالمية أن الحد الأعلى لتناول السكر في اليوم الواحد هو 25غم، مع العلم أن أي علبة عصير، أو علبة شراب جوز الهند – طبيعية وطازجة وتم عصرها بطريقة العصر البارد وخضعت للمعالجة – ستكون نسبة السكر فيها أعلى من 25غم.

ولهذا نرى تعرض الأطفال لأمراض شبيهة بأمراض مدمني الكحول، ولهذا أيضاً يدعوا بعض الخبراء إلى التعامل مع السكريات كمخدرات.

الطريقة التي يتخذها البشر لتصنيف أشياء على أنها غير قانونية وخطيرة وغيرها مقبول وجيد تعتمد على السياسة والتسويق والمجتمع أكثر من أن تكون معتمدة على العلم.

وعلى الجهة المقابلة ولمواجهة هذه الموجة اعتمد البعض على فهم مغلوط وسطحي لآلية تسمى “التطهير”، وهذه الطريقة أيضا لها مخاطر عديدة، فمؤخراً دخلت إمرأة المستشفى بعد أن تعرضت لنوبة مرضية وكانت قد استخدمت “مواد طبيعية” لغاية الـ”تخلص من السموم”، وفي النهاية من كان المسؤول عن نوبتها المرضية هذه؟ الشاي الأخضر وحليب الشوك وجذور نبات الناردين.

السكر وباقي ما كانت تتناوله جميعه يصنف كمنتجات طبيعية، لكن أياً ما كان الذي نتناوله قد يكون ساماً، وهذا يعتمد على الكمية التي نتناولها، والظروف الصحية السابقة، واختلاط هذه المادة مع المواد الأخرى.

الفرق بين البسكويت المحشو والخمرة فرق كبير جداً بالشكل والتصنيع، لكن كبدك وطحالك لن يلحظا وجود فرق كبير بينهما!

الشيء المرعب يكمن في إضافة السكر للبهارات والتوابل والصلصات وزبدة البندق أو إضافة السكر فقط للوصول إلى مذاق جيد ومقبول.

“في أول تقرير لمنظمة الصحة العالمية عن مرض السكري أورد أن هناك 422 مليون بالغ – حول العالم – مصاب بالسكري، ويعيشون بشكل رئيسي في الدول المتقدمة”.

ومن المثير للاهتمام أن السكر قديماً كان يستخدم كدواء وليس كطعام، وانتشر في جنوب أوروبا بفضل الممالك العربية، ومع أن السكر ما زال يعامل ( ويسعّر) كـنوع من التوابل النادرة.

وفي كل مكان اليوم، كان السكر من الأشياء الجيدة والمقدرة التي ارتبطت أيضاً بالرق والاستعمار، كما أنه دعم اقتصادات الدول.

وبفضل الغزو البريطاني للمناطق الاستوائية إزداد إنتاج السكر وأصبح يستخدم السكر بشكلٍ يومي لتحلية الشاي والمربى وصنع الحلويات، وعندها أصبح الناس مدمنين ومتعلقين بالسكر.

وتماماً كما حصل مع أجهزة التلفون التي كانت بيوم ما شيء للترف والتفاخر وأصبحت شيء متوفر وإدماني، مستغلةً الملل وموجة الحداثة، كذلك استغل السكر نفور الناس من الطعم المر – أو على الأرجح أنه جعلنا ننسى الكثير من الأغذية المتنوعة الصحية.

إستغرق السكر آلاف السنين لإغوائنا، ولكن عندما تم إغرائنا به وعرفناه خصوصاً في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وعندها أصبحت أدمغتنا تبحث عن المذاق الحلو والعذب كلما لامس السكر ألسنتنا.

ولهذا يُصنف “جاري تاوبس” السكر كنوعٍ من المخدرات، وأن جزء من المشكلة – كما كتب- أننا فعلياً لا نعلم كم هي الكمية المبالغ بها وغير الصحية من السكر، يقول:

عندما عرفنا واكتشفنا ما هي الأعراض الناتجة عن استهلاك الكسر بكثرة، افترضنا أن علاجها هو فقط التقليل منها – فمثلاً بدلاً من أن تشرب 3 مشروبات سكرية إشرب 2 وإذا كان لديك أطفال فلا تسمح لهم بتناول المثلجات إلا مرة واحدة في الأسبوع وليس بشكلٍ يومي، لكن إن لزمنا سنوات أو عقود أو حتى أجيال لنرى أعراض وجود متلازمة أيضية، فهناك احتمال كبير أن الكميات التي يجب علينا أن نستهلكها من السكر حالياً، ستصبح حينها كبيرة وأكثر من أن نستطيع معالجة أثرها والعودة لنصبح ذوي صحة جيدة.

وإذا لم تكن أول الأعراض التي ستظهر هي السمنة وإزدياد الوزن – السرطان على سبيل المثال – فنحن بلا شك معدومين من الحظ!

يشبه “جاري تاوبيس” الإدمان على السكر كالإدمان على السجائر، فبالتأكيد القليل منه أفضل من علبة كاملة، لكن هل هذا فعلاً حقيقي؟ المشكلة أن السكر متواجد في عدد لا يحصى من الأطعمة، فالكاربوهيدرات تتحول إلى سكر في أجسامنا، والكحول في الأساس عبارة عن عصير، بالتأكيد فإن الإعتدال في كل شيء ضروري لكننا إلى الآن لا نعرف ما هو المعتدل في هذه المسألة ؟ وهذا يترك مجالاً للشركات والأخصائيين والدجالين بأن يزيدوا تعقيد هذه المسألة.

وأيضاً، ما المشكلة في القليل من الحلاوة؟ هذا السؤال جدير بالاهتمام، ولكن هذا القليل سيواصل الإزدياد سنة بعد سنة وديناراً بعد دينار ومرضاً بعد مرض، كان “جراي تاوبس” مدخناً للسجائر ولم يتخيل يوماً أن يعيش بدون سجائر إلى أن أقلع عن التدخين، كما أنني وبعد أن كبرت أحببت البطيخ الصيفي وكرهت الحلويات الهلامية التي يتم تسوقيها لنا كغذاء.

وكالكثير المدمنين على الكحول الذين لن يعترفوا بمرضهم، فالمدمنين على السكريات لا يدركون كمية الخطر الذين يعيشون به، وتماماً كما أن بعض مدمني الكحول يعرفون المشكلة والمرض ولا يعالجونه ولا يلقون بالاً له، فإن رفض بعض التحلية أو ما شابه سيكون ضرباً من الجنون وشيئاً لا يصدق، الحياة قصيرة جداً لتحرم نفسك من المتعة، و الشعور يذهب، حتى لو أصبحت هذه الحياة أكثر سوءاً من أجل لحظة نعيم سريعة.

ربما لن نعرف أبداً كم هي الكمية المعتدلة التي يجب علينا تناولها، لكننا نعلم أنه يجب علينا دوماً التقليل.

دان هاربر – رئيس “بلو هيل” وتعقيباً على آخر كتاب لـ “جراي تاوبس” حول هذا الموضوع يقول مستنتجاً:

مهمتنا هنا – وليس فقط هنا بل ابتداءاً من مشكلة التبغ ووصولاً إلى الاحتباس الحراري – هي أن نتجاهل ما هو ناقص وبعيد عن الحقائق العلمية وأن نتوجه إلى اتخاذ المبدأ الوقائي، مما يعني أنه يجب علينا أن نعرف ما هو الشيء الذي يهددنا ويمكن أن يشكل علينا خطراً وأن نعلم أن صحتنا متأثرة به.

ترجمة: يزن خنفر

تدقيق علمي: حسام عبدالله

المصادر: 1