“أول علامات بداية الفهم أن ترغب بالموت” كيف أصبح صاحبها رائدًا في الكتابة الكابوسية؟

مع الاسم الذي أصبح مرادفًا للتعقيد والسريالية، كان لفرانز كافكا صوت مميز وضعهُ بعيدًا عن معاصريهِ الأدبيين. أن موهبته في خلق قصص تذكرنا بالكوابيس – سواء في الرعب أو انعدام الشعور – أسفرت عن إرث لا يزال يجذب القراء الجدد في كل جيلٍ قادم.

في عام 1883، ولد كافكا في أسرة يهودية في براغ. كان يتحدث في المقام الأول الألمانية في المنزل، ولكن كان يجيد أيضًا التشيكية، لغة الأغلبية في مجتمعهِ. عاش معظم حياته في عزلة، فالتشيك يرونه ألمانيًّا، والألمان يرونه يهوديًّا، واليهود الأصوليون يرونه علمانيًّا، العديد من النقاد تكهنوا بأن مواضيع الاغتراب والصراع في كتاباتهِ مستوحاة من خلفيته الدينية وكذلك العلاقة المتوترة مع والدهِ ولكن عندما سُئل كافكا عن الأمر أجابهم نافيًا. مثل العديد من الكتاب، بدأ كافكا الكتابة كهواية درس ليكون محاميًا، وعند الانتهاء من تعليمه، قُبل في وظيفة في وكالة التأمين.

أذا كان الكتاب الذي نقرأهُ لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا، فلماذا نقرأ الكتاب إذاً؟

فرانز كافكا

وعندما بدأ بتكريس المزيد من وقت فراغه في الكتابة، بدأ كافكا في الإشارة إليها بأنها “كالنداء” و “شكل من أشكال الصلاة”. وبدأ يشكو من أنه لم يكن لديه ساعات كافية لتكريس نفسهُ لها، واستقال في نهاية المطاف من وظيفته لإيجاد أخرى لا تأخذ الكثير من وقته. لسوء الحظ، لم ينجو كافكا كي يستطيع رؤية النجاح الذي حققتهُ كتاباته في نهاية المطاف لأن العديد من أعماله نُشرت بعد وفاته حتى بعض المخطوطات غير المكتملة.

قام بتدمير الكثير من أعماله بيده. لم يكن يكمل اغلب ما يبدأ بهِ ويقال أن ما يصل إلى 90 في المئة من ما كتبه قذفهُ في النار لتتحول كلماتهِ إلى رماد.

أن في أعماله كما وصفها احد الكتاب إحساس عالٍ وعميق بالمرارة والظلمة، ففي روايته “المسخ” يقدم رؤية قاتمة للإنسان، يصحو الموظف المبتئس بوظيفته وأرهقه ضغط احتياجات أسرته، حيث يعول والديه وأخته.. ليجد نفسه متحولًا لحشرة كبيرة تشبه الخنفساء، ويتحول من مصدر احتفاء إلى مصدر إزعاج. وتتنفس الأسرة الصعداء حين تموت تلك “الحشرة”، وكأنما الذي يربط الإنسان بأسرته حاجة مادية إذا لم يستطع أن يحققها تخلت الأسرة عنه وحاربته كما تحارب أي حشرة ضارة. لم يتزوج كافكا قط، حيث كانت حياته العاطفية مضطربة.

بسبب الطبيعة السريالية لقصص كافكا، كان هناك دائمًا الكثير من النقاش حول الرسالة وراء حكاياته. ويدعي كثيرون أنه كان يلقي بيانًا سياسيًا. ويعتقد آخرون أن دوافعه كان لها طابع روحاني أكثر – أي أنه كان يتصارع مع وجود الله وطبيعة البشرية – والشيء الوحيد المؤكد حول روايات كافكا الغريبة هو أنها سوف تستمر في إلهام القراء للمناقشات الطويلة في الفصول الدراسية والمقاهي لسنواتٍ قادمة.

” إنّي أحملُ في داخلي أعباءً من الحزنِ المحتّم ، إذ أنني وفي أيّ لحظةٍ قد أُسحَبُ إلى أعمقِ بحر، و الشخصُ الذي يحاولُ أن يمسكني أو حتى ينقذني سوفَ ييأسُ، ليس بدافع الضعف أو فقدان الأمل بل بدافع انزعاجه الكليّ منّي.”

بعد وفاة كافكا في 3 يونيو 1924، ورث ماكس برود مجموعة كافكا من المخطوطات غير المنشورة. متجاهلًا تعليمات كافكا بحرق الأوراق دون قراءتها، نشر صديقه كل شيء تقريبًا، حتى مذكرات خاصة ورسائل ورسومات الكاتب المتوفي. وعندما تكون القصة غير مكتملة، عمل برود على سد الفراغات فيها. خلال هذا الوقت بدأت اعمال كافكا تلمس عين النقاد والمؤلفين المعاصرين.

جذبت أعمال فرانز كافكا المثقفين في المنطقة العربية منذ منتصف القرن العشرين. وكان أول من عرف القراء على أعماله باللغة العربية هو المفكر المصري طه حسين، وذلك في مقال صدر في منتصف الأربعينات، قارن فيه بين أجواء عالم كافكا والشاعر أبي العلاء المعري معتبراً أن كلا الأديبين عاشا عصرًا من الاضطراب والأزمات والفساد، وأن كلاهما عاش متأرجحًا بين اليأس والأمل.

أنا مهم بالنسبة لكم, لأن محنتي هي محنة الإنسان المعاصر

فرانزكافكا

المصادر: 1