النوم عملية غامضة لا يزال العلماء يسبرون أغوارها

يتحدث البروفيسور “مايكل بروس” المختص بالنوم عن خبراته ويجيب عن أهم الأسئلة المتعلقة بالنوم:

لا يمرّ يومٌ عليّ كاختصاصي نومٍ دون أن يسألني أحدهم عن حلمه، فمرضاي وأبنائي وحتى بائع القهوة جميعهم يسألونني: “ما هو تفسير حلمي؟”.

إنه لأمرٌ يمكن تفهمه أن الأحلام تبهرنا جميعاً، فالحلم عمليةٌ غامضةٌ وغريبةٌ لا نزال نجهل الكثير عن ماهيتها، لذا فلننظر عن كثبٍ إلى تكوينها…

1- لماذا نرى الأحلام؟

يُعد سبب رؤيتنا للأحلام أحد أكبر ألغاز النوم، وقد وُضعت عدّة نظرياتٍ حول سبب رؤيتنا لها، فالبعض يعتقد بعدم وجود غرضٍ ضمنيٍّ محددٍ لرؤية الأحلام، ما يعني أنها قد تكون منتوجاً ثانوياً لأمورٍ أخرى تحدث داخل الدماغ أثناء النوم.

إلا أن الكثير من الباحثين الذين يدرسون النوم والأحلام يعتقدون أنّ لها غرضاً أساسياً، وتفيد بعض النظريات بأن الأحلام هي وسيلةٌ لمعالجة الذكريات وما تم تعلّمه، فالأحلام تنقل الذكريات من التخزين قصير المدى إلى التخزين طويل المدى، وبذلك فإنها:

  • تزيل مايشغل الدماغ استعداداً لليوم القادم.
  • وسيلةٌ للحفاظ على الاتزان العاطفي، حيث أنها تتعامل مع ما يشغل الدماغ من أفكارٍ ومشاعر وتجارب معقدةٍ ومقلقة.
  • حالة وعيٍ مختلفةٌ تدمج الماضي والحاضر بالمستقبل، فتعالج المعلومات القادمة من الماضي والحاضر لتتهيّأ للمستقبل.
  • نوعٌ من التمرينات التي تهيّئ العقل لمواجهة التهديد والأخطار والتحديات في اليقظة.
  • استجابة الدماغ لتغيرات كيمياءٍ حيويةٍ ولنبضاتٍ كهربائيةٍ تحدث أثناء النوم.

قد لا يكون هنالك إجابةٌ واحدةٌ لسبب رؤيتنا للأحلام، فقد تحقق أحلامنا غاياتٍ عدةً في آنٍ واحد.

2- ما هو الحلم؟ وهل يحلم الجميع؟

إنّ الأحلام في أبسط حالاتها هي عبارةٌ عن مجموعة صورٍ وانطباعاتٍ وحوادث ومشاعر نشعر بها أثناء النوم، وأحياناً يكون للحلم قصةٌ حقيقيةٌ ذات حبكة، وبها شخصياتٌ وكأنها فيلمٌ يُشاهد عبر الشاشة، وأحيانٌ أخرى تكون الأحلام أكثر انطباعيةً، حيث تكون مليئةً بالمشاعر والتشبيهات البصرية.

ويقضي الأشخاص عادةً ساعتين أو أكثر يحلمون في الليلة الواحدة، فَيَرَون ما بين 3 إلى 6 أحلامٍ خلال وقت النوم المسائي، وتتراوح مدة أغلب الأحلام ما بين الـ5 إلى الـ20 دقيقة.

كذلك فإنني كثيراً ما أسمع أناساً يقولون: “أنا لا أرى أحلاماً”، الواقع أنهم ربما لا يتذكرون ما حلموا به وهذا لا يعني أنهم لا يحلمون، فجميع البشر في هذا الكون يرون أحلاماً، لكن الحقيقة تقتضي بأننا لا نتذكر الغالبية العظمى من الأحلام التي نراها، فعادةً يختفي ما شاهدناه في الحلم بسرعةٍ عندما نستيقظ.

3- لماذا لا نستطيع تذكر أحلامنا؟

تختلف القدرة على تذكر الأحلام اختلافاً كبيراً من فردٍ لآخر، فبمقدور بعض الأشخاص تذكر ما حلموا به بشكلٍ منتظمٍ، بينما قد لا يستطيع الآخرون سوى تذكر ذكرياتٍ مبهمةٍ تقتصر على فكرة الحلم أو موضوعه أو ربما لا شيء منه.

وثمة عددٌ من التفسيرات الممكنة لعدم تذكر ما حلمنا به، فتشير الدراسات أنه من الممكن ربط تذكر الأحلام بأنماط النشاط التي يقوم بها الدماغ، حيث أنّ مقدرتنا على التذكر تتأثر بأنماط الارتباط التي نتخذها في العلاقات بين الأفراد، أي طريقة تكويننا لروابط تربطنا مع الآخرين في حياتنا.

وقد يكون لتغير مستويات الهرمونات طوال الليل دورٌ في مقدرتنا على تذكر الأحلام، فأثناء نوم حركة العين السريعة “REM sleep” (وهو الوقت الذي تنشط فيه الأحلام) ترتفع مستويات هرمون الكورتيزول وقد تتداخل مع الاتصالات التي تجري بين مناطق الدماغ والتي لها علاقةٌ بتقوية الذاكرة.

إنّ أكثر فترةٍ تنشط بها الأحلام تكون أثناء نوم حركة العين السريعة، حيث يقضي البالغون قرابة 25% من فترة نومهم ضمن مرحلة نوم حركة العين السريعة، ثم يقضون فتراتٍ أطول ضمن تلك المرحلة في آخر الليل والصباح الباكر.

ويُعد نوم حركة العين السريعة جزءاً من دورة النوم الطبيعية، وإضافةً إلى نوم حركة العين السريعة تتضمن دورات النوم ثلاث مراحل أخرى، ومن الممكن رؤية الأحلام في جميع مراحل النوم، إلا أن الأحلام التي نراها في مرحلة نوم حركة العين السريعة تكون واضحةً للبصر وغريبةً ولها مسارٌ سرديٌّ أكثر من الأحلام التي نشاهدها في بقية المراحل.

هل سبق لك أن استيقظت غيرَ قادرٍ على الحركة أو الكلام؟ ترتبط هذه الظاهرة المرعبة بالأحلام ارتباطاً غير مباشر، فخلال مرحلة نوم حركة العين السريعة يدخل الجسد في حالةٍ من الشلل المؤقت وتُعرف هذه الحالة بارتخاء حركة العين السريعة “REM atonia”.

ويظهر أنّ تلك الحالة هي وسيلةٌ يحمي بها الجسد نفسه خلال الحلم، حيث يحول ارتخاء حركة العين السريعة دون قيامنا بالتحرك كاستجابةٍ لما نراه في الحلم.

ومن الممكن الاستيقاظ أثناء حالة شلل النوم، وقد تكون هذه التجربة مرعبةً للغاية خاصةً في المرة الأولى، وهذه الحالة بمثابة إشارةٍ إلى أن الجسد لا ينتقل بسلاسةٍ ضمن مراحل النوم.

ويمكن أن يكون شلل النوم نتيجةً للتوتر، والحرمان من النوم، واضطرابات نومٍ أخرى بما في ذلك السبخ (النوم المرضي narcolepsy)، وكذلك قد يكون نتيجةً لأعراضٍ جانبيةٍ للأدوية، أو تعاطي المخدرات والكحول المفرط.

4- هل للأحلام أنواعٌ مختلفة؟

لا يحلم الجميع نفس الأحلام، فهي تتكون حسب نطاق تجربة الإنسان، وتشمل أحلامنا مجالاً مذهلاً من المشاعر والأحداث، ولكنها أحياناً تكون غريبةٌ فحسب. ويمكن للأحلام أن تكون مضحكةً، أو مرعبةً، أو حزينةً، أو غريبة، فتلك التي نجد فيها أنفسنا محلقين تكون مبهجة، والتي نكون فيها مطارَدين تكون مرعبة، والأحلام التي نرى فيها أننا نسينا أن ندرس للامتحان يسودها التوتر.

وتوجد عدة أنواعٍ للأحلام بما في ذلك، الأحلام المتكررة، والأحلام الرطبة، والأحلام الصافية.

لنلقِ نظرةً على بعض الصور المختلفة للأحلام:

قد تحتوي الأحلام المتكررة على محتوىً مقلقٍ ومنذرٍ أكثر من غيرها، فبحسب الأبحاث ثمة علاقةٌ بين الأحلام المتكررة والضائقة النفسية لدى البالغين والأطفال على حدٍ سواء.

والأحلام الرطبة تسمى كذلك بالانبعاثات الليلية، حيث أن عملية القذف التي عادة ما تصاحب الأحلام الجنسية تحدث في هذا النوع من الأحلام، ويشاهد الأولاد الذكور الأحلام الرطبة أثناء فترة البلوغ عندما يبدأ الجسم بإفراز هرمون التستوستيرون، وتُعَدُّ الأحلام الرطبة جزءاً طبيعياً من النمو الصحي.

أما بالنسبة للأحلام الصافية، فهي نوعٌ مدهشٌ من الأحلام، حيث يكون الحالم بها على درايةٍ أنه يحلم وعادةً ما تكون لديه مقدرةٌ على التحكم بمجريات أحداث حلمه عندما يبدأ الحلم بالتكشف.

ويبدو أن الأحلام الصافية ترتبط مع مستوياتٍ غير اعتياديةٍ من النشاط في الدماغ، فقد أظهر الحالمون بتلك الأحلام أن لديهم مستويات ترددات موجات دماغٍ أعلى بكثيرٍ من غيرهم، إضافةً إلى زيادةٍ أكبر في النشاط في أجزاءٍ من الفص الجبهي من الدماغ.

5- ماهي الأحلام الأكثر شيوعاً؟

لطالما كان تفسير الأحلام هاجساً لدى الشعوب منذ قديم الزمن، وقد كان الطلب كبيراً على مفسري الأحلام الذين كانوا بمثابة خبراء مبجلين لدى الحضارات القديمة، أما اليوم، فأغلب ما نعرفه عن الأحلام قد تم جمعه عن طريق التقارير والاستبيانات.

إنّ الأحلام كتجربةٍ متنوعةٌ على نطاقٍ واسع، إلا أنه ثمة موضوعاتٌ ثابتةٌ تتناولها الأحلام التي يشاهدها الناس في مختلف الأعمار والثقافات بما في ذلك:

  • الأحلام المتعلقة بالمدرسة (كالدراسة والامتحان)
  • أن تكون ملاحقاً
  • الأحلام الجنسية
  • السقوط
  • التأخر
  • التحليق
  • أن يتم التهجم عليك جسدياً
  • رؤية الأموات أحياءً والأحياء أمواتاً

ومن الجدير بالذكر، أن العلماء قد توصلوا إلى طريقةٍ تمكنهم من التلصص على أدمغة الحالمين كما لم يسبق لهم من قبل، وذلك بواسطة تقنيةٍ جديدةٍ لتصوير الدماغ، ويقوم العلماء اليوم بتحليل نشاط الدماغ أثناء النوم كي يتمكنوا من فك رموز محتوى الحلم.

وقد تمكنت مجموعةٌ من العلماء في اليابان من توقع محتوى الأحلام باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي بدقةٍ بلغت 70%.

كذلك توصل علماء في جامعة ويسكونسن ماديسون إلى أنّ مناطق الدماغ التي نستخدمها لتأدية المهام في اليقظة تُستخدم أيضاً إذا قمنا بتأدية تلك المهام في أحلامنا، فعلى سبيل المثال إذا كان الحلم يحتوي على حركةٍ ما، فإنّ المنطقة في الدماغ المسؤولة عن تلك الحركة تصبح أكثر نشاطاً.

6- هل يمكن للأحلام أن تعزز أدائي؟

قد تساعدنا الأحلام في أن نكون مبدعين، وفي حل المشكلات، فبحسب دراسةٍ أُجريت على الأحلام التي يراها الموسيقيون، فإنهم لا يحلمون بالموسيقى باستقرارٍ وحسب، بل إن نصف ما يتذكرون من الموسيقى التي سمعوها في أحلامهم كانت غير مألوفةٍ ومبتكرةً، ما قد يعني أن تأليف الموسيقى في الحلم ممكن.

ومثالٌ على ذلك ما اشتهر عن بول مكارتني حين نسب تأليف أغنية “يسترداي” إلى حلمٍ شاهده، ويعتمد فنانون آخرون مثل الشاعر وليام بليك والمخرج السينمائي إنغمار بيرغمان على الأحلام كمصدر إلهامٍ لهم.

ويمكن للأحلام أن تساعد في بعض أنواع حل المشكلات على الأقل، فوفقاً للأبحاث يستطيع من يحلم أحلاماً صافيةً الاستفادة منها في حل مشكلاتٍ إبداعية، ويبدو أن الأحلام عبارةٌ عن منطقةٍ خصبةٍ تؤثر وتعزز إطار يقظة أدمغتنا.

كذلك بإمكان أحلامنا إعطاءنا نظرةً أعمق لما يشغل عقلنا وقلبنا، وبإمكانها أيضاً أن تُشكّلنا وترينا من نحن بغرابتها ومعالجتها لما يشغلنا.

 

ترجمة: أهلة عبيد

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

المصادر: 1