التكلم بعدة لغات يغير منظورك الخاص بـ “الوقت”

كبالغين، نقوم بمعالجة اللغة بسرعةٍ فائقةٍ تجعلنا نغفل عن تعقيداتها العصبية التي تخص التحدث والفهم.

في كتابه ‘كيف تعمل اللغة؟’ يقوم الكاتب والخبير اللغوي البريطاني دايفيد كريستال بتلخيص الأمر في خمسة نقاط رئيسية:

  • نيةٌ أوليةٌ يتبعها تصورٌ للرسالة المراد تناقلها.
  • ترميز الرسالة على شكل جملةٍ مفهومةٍ وبُنْيةٍ دلاليةٍ واضحةٍ للمتكلم والمستمع.
  • التمثيل الصوتي للكلمات المنطوقة، كالمقاطع و الفونيمات.
  • معالجةٌ عمليةٌ والتحكم بالإشارات للجهاز الصوتي بواسطة الدماغ لخلق هذه الألفاظ.
  • استمرارية المراقبة الذاتية من قبل المتكلم للتأكد من سلامة توصيله للرسالة الصحيحة.

عند بلوغ الأطفال الشهر الثامن عشر سيبدؤون بتعلم قواعد اللغة وسيتغير كلامهم من أوامر بكلمةٍ واحدةٍ إلى عالمٍ مليءٍ بالأسماء والأفعال والصفات بطريقةٍ غير إدراكية.

اللّغة ثقافة:

كيفية فهمنا للعالم تتعلق بالأساس بكيفية تكلمنا و فهمنا للّغة التي نستخدمها، فكل لغةٍ هي فلسفةٌ بحد ذاتها، وطريقةٌ مختلفةٌ للفهم، فقواعد النحو ليست صالحةً فقط للتحدث وإنما أيضاً للتأمل.

دراسةٌ جديدةٌ في مجلة:

‏the journal of experimental psychology تبحث في كيفية فهمنا للوقت من خلال اللغات التي نتحدثها. بشكلٍ مثيرٍ للاهتمام، اكتشف الباحث بانوس اثاناسوبولوس من جامعة لانكستر والباحث امانويل بايلاند من جامعة ستوكهولم وستيلينبوش أن المتحدثين بلغتين يختبرون الوقت بشكلٍ مختلفٍ عن الذين يتحدثون لغةً واحدة.

كما هو شائع، فالمتحدثون بلغتين يغيرون من لغةٍ إلى الأخرى تبعاً للحدث الذي يصادفهم، فكيفية تعبيرك عن اختبارك لشيءٍ ما في إحدى اللغات قد يكون مختلفاً بشكلٍ كبيرٍ عما إذا كان ما عبرت عنه بلغةٍ أخرى.

في هذه الدراسة، يشير الأساتذة إلى أن المتحدثين باللغة الإنجليزية والسويدية يحددون الوقت بمسافاتٍ مادية “استراحةٌ قصيرة ” و”زفافٌ طويل” ، أما المتحدثين باللغة اليونانية والإسبانية فيحددون الوقت بالحجم بدلاً من ذلك، “استراحةٌ صغيرة” و “زفافٌ كبير”.

أراد بايلاند واثاناسوبولوس معرفة كم انقضى من الوقت للمتحدثين باللغتين السويدية والإسبانية، لهذا فقد استخدما إحدى الكلمتين “Duración” و “tid” بمعنى “مدة” في اللغتين السويدية والإسبانية، عندما كانوا ينظرون إلى حاوياتٍ على شاشة، وعندما طُرح السؤال على ثنائيي اللغة بالإسبانية ركز الأشخاص على مدى امتلاء الحاويات، أي الوقت نظراً للحجم.

إلا أنه في هذه العملية كانت الخطوط أيضاً تزداد على الشاشة، ما دفع ثنائيي اللغة عند سماعهم للكلمة بالسويدية إلى التركيز على هذه الخطوط متجاهلين بذلك الحاويات ونسبة امتلائها.

البروفيسور اثاناسوبولوس أدرك أن ثنائيي اللغة قد يكونون معرضين إلى أبعادٍ إدراكيةٍ لم يَرَوها من قبل.

حقيقة أن ثنائيي اللغة يستخدمون هذه الأساليب المختلفة لتقدير الوقت دون جهدٍ ووعيٍ تتناسب مع مجموعةٍ متزايدةٍ من الأدلة التي تُظهر سهولة زحف اللغة إلى أبسط حواسنا بما في ذلك أحاسيسنا، عواطفنا وإدراكنا البصري، وكما اتضح لنا الآن، حتى منظورنا للوقت.

يجد اثاناسوبولوس أن ثنائيي اللغة أكثر مرونةً معرفياً من المتحدثين بلغةٍ واحدة، الشيء الذي يتيح لهم مزايا للتعلم وتعدد المهام، وحتى الراحة النفسية حسب رأيه. بالنظر إلى أن واحداً من أفضل الأشياء التي يمكن للبالغين القيام بها لدرء أمراض الخرف هو تعلم لغةٍ جديدة (أو تعلم العزف على آلةٍ موسيقية)، يتضح أن لثنائيي اللغة دماغٌ أقوى و أكثر مرونة، وبالتالي في حالاتٍ كثيرةٍ فالتنوع هو الرابح.

المصادر: 1