لأول مرة – إنتقال آني تحت الماء

يُعد لتأمين الإتصالات الرقمية أهمية كبيرة لخلق بيئة عيش ملائمة في عصرنا الحديث. حيث تستعمل الإتصالات الرقمية هذه الأيام مثلاً في نقل نتائج الإنتخابات في بعض الدول مابين مراكز الإقتراع ومراكز العد والاحصاء. كما تستخدم معظم الدول الإتصالات الرقمية في تأمين حماية أمنها من العمليات الإرهابية والوقاية من الكوارث الطبيعية.

فإذا ما أُخترق أمن الإتصالات من قبل جهاتٍ أخرى، فستكون هذه الدول تحت خطرٍ كبير وتُعرَضْ حياة شعبها للخطر، يعد التشفير في تكنولوجيا المعلومات أحد أهم المراحل التي تستخدم لتأمين الإتصالات الرقمية، تخيل عزيزي القارئ أن أليس (المرسل) تحاول إرسال رسالة نصية إلى بوب (المستقبل) عن طريق الواي فاي.

للتأكد أن الرسالة لن يتم قرائتها من إيف (المتنصت) على إشارة الواي فاي ستقوم أليس بتشفير الرسالة باستخدام مفتاحٍ رقمي، وإرسال الشفرة إلى بوب. إذا ماحاولت إيف التي لا تملك نسخة من ذلك المفتاح الرقمي بالتنصت على الرسالة أو قرائتها ستواجه سلسلة من الرموز والأرقام العشوائية التي ترمز إلى شفرة الرسالة.

عندما يستلم بوب الشفرة سيقوم بفك تشفيرها باستخدام نسخة من المفتاح الذي استخدمته أليس بتشفير الرسالة. إذاً لغرض تامين إتصال بين أليس وبوب، يجب أن يكون مفتاح التشفير سر بين أليس وبوب ولايجب لإيف أن تعرف هذا السر الذي يتشاركان به. ولكن إذا عرفت إيف هذا السر وحصلت على نسخة من ذلك المفتاح، سيتسنى لها أن تفك شفرة أي رسالة مرسلة بين أليس وبوب.

ولكن إذا لم يتلقيا أليس وبوب مسبقاً كيف يمكن لأليس إرسال المفتاح الذي تستخدمه للتشفير لبوب من دون القلق عما إذا كانت إيف تتنصت على الإتصال بينهما؟ تستخدم هذه الأيام خوارزميات التشفير باستخدام المفتاح العام لتأمين توزيع مفتاح يتشارك به المرسل والمستقبل من دون أن يعلم المتنصت بذلك المفتاح.

ولكن يعتمد أمان وسرية تلك الخوارزميات على صلابة المشاكل الحسابية، مثل تحليل حاصل ضرب عددينِ أوليين كبيرين. فكل ما كان العددين أكبر كُل ماكان تحليل حاصل ضَربهما أصعب على المتنصت. ولكن مع تطور الحواسيب العملاقة والحواسيب الكمية ستصبح هذه الطريقة في مشاركة المفاتيح غير آمنة، لأن قُدرة هذه الحواسيب تكمن في قدرتها العالية على تحليل الأعداد الكبيرة إلى أعدادها الاولية.

يمكن لقوانين الفيزياء الكمية أن توفر طريقة تختلف عن خوارزميات التشفير المعروفة التي تستخدم المفتاح العام لتأمين مفتاح يتشارك به المرسل والمستقبل.

تعرف هذه الطريقة التي تستثمر فيزياء الكم بطريقة توزيع مفتاح الكم (Quantum Key Distribution). تعتمد أمنية توزيع مفتاح الكم على حقيقة أن إجراء أي قياس على جسيم كمومي يتواجد في أكثر من حالة كمومية متراكبة سينتج قياس حالة واحدة فقط، وهذا معناه أن الجسم الذي يمكن شرحه بدالة موجية سيفقد خاصيته الموجية ويسلك سلوك كلاسيكي أو لا كمومي.

أي في حال قامت إيف بقياس جسيم كمومي كالفوتون خلال رحلته من أليس إلى بوب، ستقوم إيف بتخريب السلوك الموجي للفوتون وبذلك يصل الفوتون في حالة ممكن أن تختلف عن الحالة التي أرسلتها به أليس، وبذلك يتمكن كل من أليس وبوب من إكتشاف أن إيف تحاول التنصت على الفوتونات المرسلة بينهما.

حدث مؤخراً نشر أربع مقالات في مجلات الـ Nature Photonics و science و Optica تثبت لأولِ مرةٍ نجاحَ تجارب لتوزيع مفتاح الكم باستخدام أقمار إصطناعية اُطلقت مؤخراً لتحقيق هذا الغرض. ولكن سباق الإتصالات الكمية يزداد احتداماً أكثر فأكثر، فقد تمكن علماء صينيون مؤخراً لأول مرة من نقل بيانات مابين مستلم ومستقبل، ولكن هذه المرة ليس جوياً وإنما بحرياً. والهدف من هذه التجربة تأسيس منبر شامل تحل من خلاله الإتصالات الكمية محل الإتصالات الكلاسيكية مستقبلاً في البر والبحر والفضاء.

خلال هذا التجربة، تم نقل بيانات بين فوتونين مرتبطين كمومياً عبر حوض طولة 3.3 متر مملوء بماء البحر. رغم أن هذه المسافة تعتبر قصيرة لأي غرض عملي، يتوقع العلماء إمكانية نقل بيانات لمسافة تقارب الكيلو متر تحت الماء.

مقارنة بمهمة نقل المعلومات عبر الأقمار الاصطناعية التي يمكن أن تبعد عن بعضها آلاف الكيلومترات، هناك عائق يمنع نقل بيانات بين فوتونات مرتبطة كمومياً عبر الماء، وذلك لأن امتصاصية الماء لهذه الفوتونات وتشتيتها تضعف معدل وصول تلك الفوتونات بين المستقبل والمرسل الذين يفصلهما الماء لمسافات بعيدة.

فَتخيل عزيزي القارئ الفرق بين تسليط أشعة ليزر عبر الهواء وعبر الماء والفرق بالمسافة التي ممكن أن تصلها أشعة الليزر.

أضاف العالم توماس جينوين من جامعة واترلو في كندا أن هناك تنبؤات كثيرة عن إمكانية نقل بيانات خلال مياه البحر ولكن لم يتسنى لأي أحد من قبل إثبات نجاح هذه التجربة عملياً.

كما أخبر أن لمثل هذه التجربة تطبيقات عديدة وأولها يكمن في تأمين الإتصالات بين الغواصات تحت البحر ومراكز الإتصال على البر.

أساساً تعتمد هذه التجربة على ما أسماهُ أينشتاين مسبقاً بـ”التأثير الشبحي عن بُعد Spooky action at a distance” والمعروف عِلمياً بالتشابك الكمومي، والذي من خلاله يرتبط جسيمان أو أكثر مع بعضها بسرعة تفوق سرعة الضوء بحيث إذا حدث تغيير لأحد الجسيمات سيطرأ تغيير آني على الجسيم الثاني المرتبط به، بغض النظر عن المسافة التي تفصلهما.

وقد سبق للعلماء إثبات مثل هذه التجارب باستخدام الفوتونات جوياً وفضائياً وعبر الألياف الضوئية، أستعمل العلماء في هذه التجربة حوض بطول 3 متر ملئوه بماءٍ من البحرِ الأصفر، حيث جرت التجربة بين طرفي الحوض كما موضح في الصورة. ثم بدأت التجربة بإطلاق أشعة ليزر باتجاه كرستالة من مادة (periodically-poled Potassium titanyl phosphate KTiOPO4) معروفة بقابليتها لإمتصاص الفوتونات وإطلاق أزواج من الفوتونات التي يتشابك استقطابها مع بعضها كمومياً. بحيث إذا ماتم قياس استقطاب أحد الفوتونات أُفقياً بسبب التشابك الكمومي بين كل زوج، سنكون على يقين بأن الآخر يكون استقطابه عمودياً والعكس صحيح.

خلال التجربة يتم نقل فوتون من كل زوج إلى جهة من الحوض وينقل الفوتون الآخر إلى الجهة الأخرى عن طريق المرور بداخل حوض الماء، ثم يتم قياس وتسجيل استقطاب كلا الفوتونين.

كما أخبر الباحثون في مقالتهم إن هذه النتيجة تثبت إمكانية إستخدام مياه البحر كقناة لنقل المعلومات الكمية. وبذلك يمكن الحفاظ على التشابك الكمومي بين فوتونين حتى وإن عبر أحدهما خلال مياه البحر. وتعتبر هذه نتائج أولية تمت لإثبات مبدأ التجربة وسيتم إجراء نفس التجربة ولكن لمسافات أكبر في داخل حوض بحر حقيقي.

كما نصح الفيزيائي جيفري اولمان من جامعة ميزوري في الولايات المتحدة إستخدام ضوء ليزر ذو طول موجي بين الأزرق والأخضر لمثل هذه المسافات، حيث تنخفض امتصاصية الماء في هذا الطول الموجي بشدة. وبذلك يقدر جيفري أن المسافة التي يمكن إجراء هذه التجربة خلالها يمكن أن تصل إلى 885 متر.

ولكن وفي بحث مسبق توقع العلماء نظرياً أن تلك المسافة لايمكن أن تجتاز الـ120 متراً. إذاً سيبقى التساؤل حول المسافة القصوى التي يمكن أن يتم إجراء التجربة خلالها أمراً مرتقباً حتى يتم إجراء التجربة فعلياً.

المصادر: 1 - 2