[the_ad_placement id="scine_before_content"]

دورة مياه الأرض تتغير أسرع بكثير مما توقعنا

تبدأ دورة الماء النقي من المحيطات إلى الهواء ثم السحب ثم الأنهار لتعود مجددًا إلى المحيطات. يمكن لهذه المتوالية الثابتة أن تمنحنا ما يسمى بوهم اليقين، فدائمًا ما تأتي المياه العذبة من الصنبور. أليس كذلك؟

للأسف لم يعد هذا مضمونًا. فإن التغير المناخي آخذٌ بالتحول إذ تترسب المياه في الأرض خلال دورة المياه لتصبح المناطق الجافة أكثر جفافًا والمناطق الرطبة أكثر رطوبةً.

إذ أن دورة المياه تتغير بوتيرة أسرع مما كنا نعتقد، بناءً على التغيرات الحاصلة في المحيطات وذلك بحسب بحثنا الذي نشر اليوم في مجلة Nature.

تؤكد هذه النتيجة على الحاجة الملحة لإنهاء انبعاثات الغازات التي تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي قبل أن تتغير دورة المياه جذريًا.

إذا بدا هذا خطيرًا، فهو كذلك. فإن قدرتنا على الاستفادة من المياه العذبة هي التي تجعل حياتنا العصرية ممكنة.

لقد تغيرت دورة المياه بالفعل

مع ارتفاع درجة حرارة الأرض، بدأت دورة المياه بالتكثف وفقًا لنمط: (الجفاف يصبح أكثر جفافًا، والرطب يصبح أكثر رطوبةً).

هذا يعني أن المزيد والمزيد من المياه العذبة تترك المناطق الجافة من الكوكب لتنتهي في المناطق الرطبة.

كيف يمكن أن يبدو هذا؟ سوف يؤدي اشتداد الطقس في كثير من الأحيان إلى حالات جفاف حادة في الأماكن الجافة نسبيًا، وبالمقابل سوف تزداد حدة العواصف والفيضانات في الأماكن الرطبة نسبيًا.

لنستذكر مثلًا الجفاف الحاد الذي أصاب غرب أمريكا، أو الفيضانات غير المسبوقة في ألمانيا، أو الزيادة في معدل الأمطار الغزيرة في مدن مثل مومباي.

هذا التغير يحدث بالفعل، فقد اعتمدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التابعة للأمم المتحدة على هذه المجموعة المتزايدة من الأبحاث لاستنتاج أن تغير المناخ يتسبب بالفعل في التغييرات بعيدة الأمد في دورة المياه. وذلك وفقًا لتقريرها التاريخي لعام 2021.

إن التغيرات التي نراها هي البداية فقط، إذ إن تكثيف دورة المياه يمكن أن يجعل الحصول على مصادر موثوقة للمياه العذبة عبر مناطق واسعة من الكوكب أكثر صعوبة على مدى العقود القليلة القادمة.

نحن نعلم بقلق أن دورة المياه آخذة بالتكثّف ولكننا لا نعرف تمامًا مقدارها ومدى سرعتها، وهنا يأتي دور المحيط.

كيفية استخدام المحيط كمقياس للأمطار

إن السبب الرئيسي لصعوبة القياس المباشر للتغيرات في دورة المياه هو عدم امتلاكنا للقياسات الكافية لهطول الأمطار والتبخر على كوكبنا.

إنه من الصعوبة بمكان من الناحية العملية وضع مقاييس دائمة للأمطار وأحواض التبخر على 70% من سطح كوكبنا المغطى بالمياه. إضافةً إلى أننا عندما نقيّم القياس على المدى البعيد نحتاج إلى قياسات من عقود مضت.

الحل الذي استقر عليه العلماء هو استخدام المحيط، إذ لا يدرك الكثيرون أن ملوحة المحيط تتغير بحسب المنطقة. فعلى سبيل المثال، فإن المحيط الأطلسي وسطيًا أكثر ملوحةً من المحيط الهادئ.

لماذا؟ الأمطار. عندما تتساقط المياه العذبة على شكل أمطار في المحيط، فإنها تخفف مياه البحر وتجعلها أقل ملوحةً. وعندما يتبخر الماء من على السطح، يترك الملح وراءه مما يؤدي إلى زيادة ملوحة المياه.

هذا يعني أنه يمكننا استخدام التغيرات الأفضل تسجيلًا لملوحة المحيط كنوع من مقياس الأمطار لرصد التغيرات الحاصلة في دورة المياه.

وقد استخدمت أبحاث سابقة هذه الطريقة لتتبع التغيرات الحاصلة في ملوحة سطح المحيطات، والتي أشارت إلى أن دورة المياه تتكثف بصورة هائلة.

للأسف، فإن المحيط لا يبقى ثابتًا كأي مقياس تقليدي لكمية الأمطار. إذ تحافظ التيارات المائية والأمواج والتيارات الدوامية الدائرية على مياه المحيط في حركة مستمرة، وهذا يؤدي إلى حالة من الشك ويترك علامة استفهام حول مدى دقة الارتباط بين الملوحة وتغير دورة المياه.

واستجابةً لذلك، فإننا قد طورنا وسائل جديدة تمكننا من الربط بدقة بين التغيرات في ملوحة المحيط والتغيرات في جزء دورة المياه الذي ينقل المياه العذبة من المناطق الأكثر دفئًا إلى المناطق الأبرد.

تشير تقديراتنا إلى كيفية تغير دورة المياه الأوسع في الغلاف الجوي وعلى اليابسة وعبر المحيطات.

ماذا وجدنا في هذه الدراسة الجديدة؟ أن المياه العذبة التي قد تحولت من المناطق المدارية إلى المناطق الأكثر برودة تعادل 123 ضعفًا كمية المياه الموجودة في ميناء سيدني منذ عام 1970. وهذا يقدر بنحو 46.000 إلى 77.000 كيلومتر مكعب من المياه.

هذا يتوافق مع أنه إذا زاد التكثّف في دورة المياه لنسبة تصل إلى 7% فهذا يعني زيادة هطول الأمطار بنسبة 7% في الأماكن الأكثر رطوبة، ونقصان هطول الأمطار (أو زيادة التبخر) بنفس النسبة في الأماكن الأكثر جفافًا.

هذا هو الحد الأقصى للتقديرات التي وضعتها العديد من الدراسات السابقة، مما يشير إلى أن نسبة التكثّف يصل إلى (2-4%).

للأسف، تشير هذه النتائج إلى أن التغييرات الكارثية المحتملة في دورة المياه قد تقترب بشكل أسرع مما كنا نعتقد سابقًا.

كيف سيكون المستقبل مع تغير دورة المياه؟

إذا استمرت دورة المياه بالتكثّف بوتيرة أسرع، فهذا يعني حدوث موجات جفاف حادة وحالات لهطول الأمطار بشكل أغزر وأكثر تواترًا.

وحتى إذا حققت حكومات العالم هدفهم في إبقاء الاحتباس الحراري عند درجة °2C كحد أقصى، تتوقع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أننا سنبقى نعاني من الأحداث المناخية بالغة الشدة بمتوسط 14% أقوى مقارنةً مع الفترة (1850-1900) والتي تعتبر الفترة المرجعية.

وقد أوضح تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ العام الماضي أنه سيتضرر بعض الناس والنظم البيئية أكثر من غيرهم، فمثلًا سوف تصبح دول البحر المتوسط وجنوب غرب وجنوب شرق أستراليا وأمريكا الوسطى أكثر جفافًا، بينما ستصبح مناطق الرياح الموسمية والقطبين أكثر رطوبةً (أو أكثر ثلوجًا).

يمكننا أن نتوقع رؤية تهديدات حقيقية على بقاء مدن المناطق الجافة التي تضررت من تغيرات دورة المياه ما لم يتم وضع بدائل كتحلية المياه.

ماذا علينا أن نفعل؟ أنت تعرف الجواب مسبقًا.

أظهرت عقود من البحث العلمي العلاقة الواضحة للغاية بين انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة العالمية، مما يؤدي بدوره إلى تكثيف دورة المياه.

هذا سبب آخر يدفعنا لضرورة التحرك بأسرع ما يمكن من الناحية البشرية لتحقيق انبعاثات صفرية صافية لتقليل الضرر الناجم عن تغير المناخ.

وتعزى التغيرات في دورة المياه التي لاحظناها بدرجة كبيرة إلى الانبعاثات القديمة، من منتصف القرن العشرين وما قبله. فقد قمنا بزيادة هذه الانبعاثات بشكل كبير منذ ذلك الحين.

فالذي ينتظرنا بعد ذلك عائد إلينا تمامًا.

المصادر: 1