[the_ad_placement id="scine_before_content"]

علم الأحياء الكمومي 1: الفيزياء وعلم الأحياء في تفسير أعظم ألغاز الحياة

في أحد مختبرات الفيزياء في جامعة شيفيلد، وُضِعَت بِضع مئاتٍ من بكتيريا الترّكيب الضوئي Photosynthesis بين مرآتيّن على مسافةٍ أقلَ من ميكرومتر. سلَط الفيزيائي ديفيد كولز David Coles وزملاؤه ضوءًا أبيضًا على تجويفٍ مليءٍ بالميكروبات، حيثُ يرتد الضوء حول الخلايا بطريقةٍ يُمكن للفريقِ ضبطها عن طريق ضبط المسافة بين المرآتين.

وفقًا للنتائج المنشورة في عام 2017، تسبب هذا الإعداد المُعقد في تفاعل فوتونات الضوء ماديًا مع آلية التركيب الضوئي في مجموعةٍ صغيرةٍ من هذه الخلايا، بطريقةٍ يُمكن للفريق تعديلُها عن طريق تعديل الإعداد التجريبي.

إن تَمكن الباحثين من التحكم في تفاعل الخلية مع الضوء هو إنجازٌ في حدِ ذاته. لكن في العام التالي أقتُرِحَ تفسيرٌ للنتائج أكثرَ إثارةً. عندما أعادَ كولز مع العديد من المتعاونيّن تحليلَ البيانات، وجدوا دليلًا على أن طبيعة التفاعل بين البكتيريا وفوتونات الضوء كانت أغربَ بكثيرٍ مما اقترحهُ التحليل الأصلي.

قالَ عالم الفيزياء بجامعة أكسفورد والمؤلف مشارك في كلتا الورقتيّن، فلاتكو فيدرال Vlatko Vedral: «لقد بدا لنا استنتاجًا لا مناصَ منهُ وهو أن ما كنا نشهدهُ حقًا كانَ تشابكًا كميًا!».

يشير التشابك الكمي Quantum entanglement إلى تَداخل في الحالات الكمومية بين جسيمين أو أكثر، بغض النظر عن المسافة التي تفصل بينهما. يُعد التشابك واحدًا من العديدِ من السمات ضِمّنَ المنظور الدون الذري، حيثُ تَتَصرّف الجسيمات مثلَ الإلكترونات والفوتونات كجسيماتٍ وموجاتٍ بتزامن «ازدواجية موجة-جسيم Wave-Particle duality»، وتشغلُ حالاتٍ ومواقع عديدةً في آنٍ واحد «التراكب الكمي Quantum superposition»، وتخترق حواجزًا غيرَ مُنفِذةٍ «النفق الكمي Quantum tunnelling».

توصف العمليات السابقة في هذا المقياس باستخدام اللغة الرياضية المعقدة لميكانيكا الكم. اكتشف فيدرال وزملاؤه باستخدام هذا اللغة إشاراتٍ للتشابك بين الفوتونات والبكتيريا ضمن بياناتٍ من تجربة شفيليد.

أثبتَ الباحثون وجود التشابك عدة مراتٍ ضمنَ نطاق الأجسام غير الحية، ففي عام 2017 أفادَ العلماء بتمكنهم منَ الحفاظ على هذا الترابط بين أزواجٍ منَ الفوتونات مفصولةً عن بعضِها بمسافة 1200 كيلومتر.

لكن إذا كان أفتراض فيدرال وزملائه بأن ظاهرةَ التشابك تحدثُ عند البكتيريا صحيحًا، فالدراسة يمكن أن تُشير إلى أول مُلاحظة للتشابك على صعيد الكائن الحي، كما تُضاف إلى مجموعةٍ من الأدلة المتزايدة لدحر الاعتقاد بأن التأثيرات الكمومية نادرة الحدوث في علم الأحياء.

جيم الخليلي Jim Al-Khalili، جامعة سري: «منَ السخفِ والحدسِ، أن تستمرَ التأثيراتُ الكمومية داخل الخلايا».

تاريخيًا رصد الظواهر الكمومية في العالم المضطرب للأنظمة الحَيّة هي فكرةٌ هامشية. بينما تَصف نظريات الكم سلوكيات الجسيمات المستقلة المكونة لكل المادة بدقة، إلا أن العلماء افترضوا منذُ مدةٍ طويلةٍ أن الحركة الجماعية لمليارات الجسيمات التي تتصادم في درجةِ حرارة المحيط تفني أيَ تأثيراتٍ كموميةٍ غريبة وتوصف بشكلٍ أفضل بواسطة القوانين السائدة للنظرية الكلاسيكية المُصاغة بواسطة إسحاق نيوتن Isaac Newton وغيره من العلماء.

في الواقع يَعزِل الباحثون الجسيمات غالبًا في دراستهم للظواهر الكمومية عند درجاتِ الحرارة القريبة من الصفر المطلق حيث تتباطئ حركة الجسيمات حتى تتوقف تقريبًا فقط للإلغاء ضوضاء الخلفية.

قالَ الفيزيائي النظري في جامعة سري والمشارك في تأليف كتاب «الحياة على الحافة Life on the Edge» في عام 2014 والذي جلب مفهوم علم الأحياء الكمومي Quantum biology للجمهور العام، جيم الخليلي Jim Al-Khalili: «كُلَما كانت البيئة أكثرَ سخونةً، كُلَما كانت أكثر اضطرابًا وبالتالي تنهار التأثيرات الكمومية بشكلٍ أسرع. لذا فمن السخفِ والحدسِ، أن تستمرَ التأثيراتُ الكمومية داخل الخلايا. ومع ذلك، إذا حدث هذا وأشارت دلائل عدةٍ إلى وقوعهِ في ظواهر معينةٍ فلا بُدَ أن الحياة تفعل شيئًا مميزًا».

يعتبر الخليلي وفيدرال جزءًا من مجموعةٍ واسعةٍ من العلماء الذين يجادلون في الوقت الحاضر بأن تأثيرات العالم الكمي قد تكون مركزيةً لشرح بعض أعظم الألغاز في علم الأحياء، من كفاءة الحفز الإنزيمي Enzyme catalysis إلى ملاحة الطيور وصولًا للوعي البشري ويمكن حتى أن تكون موضوعًا للانتقاء الطبيعي Natural selection.

قالت عالمة الفيزياء بجامعة أكسفورد والمتعاونة مع كولز وفيدال في ورقةٍ بحثيةٍ حولَ تشابك البكتيريا، كيارا مارليتو Chiara Marletto: «يحاول المجال بأكملهِ إثباتَ نقطةٍ ما. وهذا يعني أن نظرية الكم لا تنطبق فقط على هذه الأنظمة الأحيائية، ولكن من الممكن اختبار ما إذا كانت هذه الأنظمة تُسخر فيزياء الكم لأداء وظائفها».

المصادر: 1