فلسفة الكم 2: النظرة العلائقية للواقع، كل شيء مترابط!

تخيل أنك تجلس وتلتقط كتابك المفضل. ناظرًا صورة الغلاف الأمامي، ممررًا أصابعك عبر غلاف الكتاب الأملس، شامًا رائحة هذا الكتاب المألوفة وأنت تقلب الصفحات. بالنسبة لك، يتكون الكتاب من مجموعة من المظاهر الحسية.

لكنك تتوقع أيضًا أن يكون للكتاب وجوده المستقل وراء تلك المظاهر. لذلك عندما تضع الكتاب على طاولة القهوة وتذهب إلى المطبخ، أو تغادر منزلك ذاهبًا للعمل، فإنك تتوقع أن الكتاب لا يزال بنفس مظهره، وإحساسه ورائحته تمامًا كما كان عليه عندما كنت تمسكه.

إن توقع وجود الأشياء المستقل، مستقلٌ عنا وعن أي أشياءٍ أخرى، هو في الواقع افتراض راسخ نتخذه عن العالم. يعود أصل هذا الافتراض إلى الثورة العلمية في القرن السابع عشر، وهو جزء مما نسميه «النظرة الميكانيكية للعالم Mechanistic worldview». وفقًا لهذه النظرة، يشبه العالم ساعة آلية عملاقة تخضع أجزائها لمجموعة من قوانين الحركة.

هذه النظرة للعالم مسؤولةً عن الكثير من تقدمنا العلمي منذ القرن السابع عشر. ولكن كما يجادل الفيزيائي الإيطالي كارلو روفيلي Carlo Rovelli في كتابه الجديد هيلغولاند Helgoland، فإن نظرية الكم، النظرية الفيزيائية التي تصف الكون ضمن أصغر المقاييس، تُظهر بالتأكيد أن هذه النظرة إلى العالم خاطئة. يجادل روفيلي عوضًا عن ذلك بأنه يجب علينا تبني منظور «علائقي Relational» للعالم.

ماذا تعني النظرة علائقية؟

اختلف رائد الفيزياء الإنجليزي إسحاق نيوتن Isaac Newton ونظيره الألماني غوتفريد لايبنتس Gottfried Leibniz خلال الثورة العلمية حول طبيعة المكان والزمان.

جادل نيوتن بأن المكان والزمان يتصرفان مثل الوعاء لمكونات الكون. هذا يعني إنه إذا تمكنا من إزالة مكونات الكون، مثل كل الكواكب والنجوم، والمجرات، فسنبقى مع زمان ومكان فارغين. هذه هي النظرة المطلقة للمكان والزمان.

جادل لايبنتس منظرًا بأن المكان والزمان ليسا أكثر من مجموع مسافات وفترات بين جميع الأشياء والأحداث في العالم. إذا أزلنا مكونات الكون، فسنزيل الزمان والمكان أيضًا. هذه هي النظرة العلائقية للمكان والزمان: فهي فقط الترابطات المكانية والزمانية بين الأشياء والأحداث. كانت النظرة العلائقية للمكان والزمان مصدر إلهام رئيسي لأينشتاين Einstein عندما طور النسبية العامة.

يستخدم روفيلي هذه الفكرة لفهم ميكانيكا الكم. وهو يجادل بأن أجسام نظرية الكم، مثل الفوتون أو الإلكترون أو أي جسيمٍ أولي آخر، ليست سوى خصائص تُظهرها عندما تتفاعل، أو ترتبط، مع أجسامٍ أخرى.

تُحدد هذه الخصائص للأجسام الكمّية من خلال التجربة، وتشمل خصائص مثل موضع الجسم، وزخمه، وطاقته. معًا يشكلون حالة الجسم. وفقًا لتفسير روفيلي العلائقي، فإن هذه الخصائص هي كل ما هو موجود في الجسم. أي لا توجد مادة تفردية أساسية لها خصائصها المميزة لها.

إذن كيف يساعدنا هذا في فهم نظرية الكم؟

فكر في اللغز الكمي المشهور لقط شرودنغر. تخيل شرودنغر تجربة ذهنية حُبس فيها قطة داخل صندوق مزود بغطاء، وكان مع القطة عداد غايغر Geiger counter وكميةً ضئيلةً من مادة مشعة بحيث يكون احتمال اضمحلال ذرة واحدة خلال ساعة ممكنًا. إذا اضمحلت الذرة فأن عداد غايغر سوف يطرق مطرقة تكسر بدورها زجاجة تحتوي حامض الهيدروسيانيك HCN الذي يسيل ويقتل القطة فورًا.

العملية الكمّية هي حدث احتمالي. لا توجد طريقة للتنبؤ بها، ولكن يمكننا وصفها بطريقةٍ تخبرنا عن الاحتمالات المختلفة لاضمحلال الذرة أو عدم اضمحلالها في فترة زمنية معينة. نظرًا لأن الاضمحلال سيؤدي إلى فتح قنينة الغاز السام وبالتالي موت القطة، فإن حياة القطة أو موتها هي أيضًا حدث احتمالي بحت.

وفقًا لنظرية الكم الأرثوذكسية Orthodox quantum theory، فإن القطة ليست ميتة ولا حية حتى نفتح الصندوق ونراقب النظام. يبقى اللغز فيما يتعلق بما ستكون عليه القطة بالضبط، إذا لم تكن ميتة أو حية.

ولكن وفقًا للتفسير العلائقي، فإن حالة أي نظام دائمًا ما تكون مرتبطة ببعض الأنظمة الأخرى. لذلك قد يكون للعملية الكمومية في الصندوق نتيجة غير محددة فيما يتعلق بالمراقب، ولكن لها نتيجة محددة بالنسبة للقطة.

لذلك من المعقول تمامًا أن تكون القطة ليست ميتة أو حية بالنسبة للمراقب، وفي نفس الوقت تكون بالتأكيد حية أو ميتة. ولكن هنالك نتيجة واحدة لهذه العملية تظهر للمراقب، ونتيجة واحدة لهذه العملية تظهر للقطة. عندما نفتح الصندوق، يتخذ النظام حالة محددة للقطة بالنسبة للمراقب أما ميتة أو حية، لكن بالنسبة للقطة لم يكن النظام أبدًا في حالة غير محددة بل كان في حالة واحدة منذ البداية.

في التفسير العلائقي، لا وجود للمنظور المطلق «النظرة الإلهية God’s eye» للواقع.

ماذا يخبرنا هذا عن الواقع؟

يجادل روفيلي بأنه نظرًا لأن عالمنا هو كمومي في النهاية، فينبغي علينا الالتفات لهذه الأمثلة. خصوصًا، للأجسام مثل كتابك المفضل قد يكون له خصائصه الخاصة نسبيًا مع الأجسام الأخرى، بما فيهم أنت.

لحسن الحظ، يتضمن ذلك أيضًا جميع العناصر الأخرى، مثل طاولة القهوة الخاصة بك. لذلك عندما تذهب إلى العمل، يستمر كتابك المفضل بالظهور كما هو الحال عندما كنت تمسكه. ومع ذلك، يعد هذا إعادة نظر حتمية لطبيعة الواقع.

وفقًا لهه النظرة، فإن العالم عبارة عن شبكة معقدة من العلاقات المتبادلة، بحيث لم يعد للأشياء وجودها الفردي المستقل عن الأشياء الأخرى، كلعبةٍ لا نهاية لها من المرايا الكمومية. علاوة على ذلك، قد لا تكون هناك مادة ميتافيزيقية أي ما وراء الطبيعة، مستقلة تشكل واقعنا الذي يكمن وراء هذه الشبكة.

كما قال روفيلي: «نحن لسنا سوى تجسيد لتجسيدات أخرى. فالواقع، بما في ذلك أنفسنا، ليس سوى إِزَار رقيقٍ وهش، ولا شيء بعده».

المصادر: 1