القلق الإستباقي: نزيف قبل الجرح

كيف نفهم خوفنا من الأحداث أو القرارات المستقبلية وكيف نتخلّص منه.

النقاط الرئيسيّة:

  • القلق الإستباقيّ هو القلق الذي نختبره تحسبًا للقيام بأمور تبعث فينا الرّعب.
  • يمثّل القلق الإستباقيّ المستوى الثّالث من القلق والذي يعرف بالتّفادي.
  • تختلف تجليّات القلق الإستباقيّ من بيئة إلى أخرى.

سنمدّكم في المنشورات القليلة القادمة بنظرة شاملة حول القلق الإستباقي، كيف نفهمه وكيف نتخلّص منه. وكذلك سنلقي نظرة على التردّد المزمن وهو مشكلة ذات صلة تتمثّل في الإعتياد على عدم إتّخاذ القرارات.

يتّخذ القلق عدّة أشكال ونماذج، حيث يتضمّن أغلبها القلق الإستباقيّ كمكوّن. ويمكن للرّهاب والقلق الإجتماعيّ ونوبات الفزع والهوس والأفكار المتطفّلة الغير مرغوب فيها أن يسبّبوا معاناة شديدة. كما يمكن للقلق أن يأتي في شكل أعراض جسديّة أو سلسلة من الهموم المستمرّة وعادة ما يكون القلق مصحوبًا بشعور بالخوف إتجاه المستقبل وشكوك تتمحور حول أداء الشّخص أو سلامته أو سعادته. بالتّالي، يمكن أن يتواجد القلق الإستباقيّ مع كلّ أشكال القلق هذه.

القلق الإستباقيّ هو الشّعور بالقلق إتجاه المستقبل والخوف من إحتماليّة حدوث أمور سيّئة أو عدم القدرة على مواصلة العمل لبلوغ ما خطّطت له. إنّه القلق الذي نشعر به عندما نستبق قرارًا صعبًا أو عملًا أو موقفًا وهو ذلك الشّعور الذي نختلجه عندما نستسلم للقصص المزعجة التي يحيكها لنا خيالنا، كما أنّه توقّع الأسى المرفوق برغبة في تجنّبه. يبدو أنّ القلق الإستباقيّ يتنبّأ بالخطر فهو عبارة عن نذير لعدم المواصلة أو المضي قدمًا بحذر.

دعونا نوضّح ماذا نعني عندما نعتبر القلق الإستباقيّ ثالث مستويات الخوف.

أولًا، يمكن أن يعترينا الخوف من شيء ما، كقوله :«أنا أخاف من النحل».

ثانيًا، يمكن أن نخاف من الإحساس بالخوف. في بعض الأحيان، يسمّى هذا النّوع الخوف من الخوف ويُعرف أيضًا بالهلع، مثلًا « إذا رأيت نحلة، يتملّكني الرعب بدرجة كبيرة حتّى أنّني قد أُصاب بنوبة هلع، وبالتالي أفقد السّيطرة أو أُصاب بنوبة قلبية».

أخيرًا، نصل إلى المستوى الثالث من الخوف وهو الخوف من خوف الشعور بالخوف. قد يبدو هذا المستوى معقّدا ولكّنه ليس كذلك: «أشعر أنّني في حالة مزرية بمجرّد التفكير في الذهاب للتّخييم الأسبوع المقبل لأنّه من الممكن أن أرى نحلة وأصاب بنوبة هلع وأفقد السيطرة وأقوم بشيء غريب. ربّما عليّ أن ألغي رحلة التخييم».

يسمّى المستوى الثالث من الخوف ببُعد الإجتناب. يعتبر القلق الإستباقيّ حافزًا قويًا للتجنّب لأنّه يجعل الأمور السلبيّة التي يمكن أن تحدث محور إهتمامك. فإن كانت تنبّؤاتك سلبيّة نوعًا ما كالتفكير في التعرّق بشدّة في أثناء تقديم مخطّط في اجتماع، ستعتقد أنّه بإمكانك تجاهل الأمر.

وفي المقابل، يمكن للتوقّعات الفادحة مثل الإصابة بنوبة هلع أو جعل نفسك أضحوكة أو تدمير علاقة ما أن تؤدي إلى قلق إعجازيٍّ يمنعك من مواصلة مشوارك، وبالتّالي يجعل القلق الإستباقيّ الإجتناب يبدو وكأنّه خيارك الوحيد.

تجدر الإشارة إلى أنّ القلق الإستباقيّ لا ينطوي فقط على توقّعات بالقلق أو الهلع بل ينطوي كذلك على توقّعات بالإشمئزاز والغضب والخجل والنّدم والمهانة والإرهاق أو أيّ شعور غير مرغوب فيه. إذن، تنشأ الرّغبة الملحّة لتجنّب شيء ما من توقّع مشاعر غير مرغوب فيها خشية من إخفاق رهيب أو خسارة أو مصيبة.

تنطوي تجربة القلق على عنصرين منفردين وهما إضطراب القلق (الرهاب، القلق الإجتماعيّ، الفزع، الإنزعاج، الوسواس والأفكار القهريّة) والقلق الإستباقيّ الذي يحدث في الفترة التي تسبق تلك التي تتوقّع فيها مواجهة ما يثير قلقك.

إن كنت قلقًا من إحتمال تعرّضك لنوبة هلع في خلال موقف تتوقّع أن تجد نفسك فيه، فإنّه من الممكن أن تبدأ بوادر القلق قبل ساعات أو أيّام أو حتّى أسابيع من حدوث الموقف. وإن حاولت إتّخاذ القرار ما إذا كان من الآمن مقابلة شخص جديد أو استخدام حمّام عموميّ أو تجاهل شعور أو فكرة ما، فإنّ القلق الإستباقيّ يتجسّد في ذلك الشّعور بالفزع عندما «تحاول» التفكير في نشاط أو قرار ما وبالتّالي تبثّ الخوف في نفسك من خلال تخيّل كلّ السيناريوهات التي يمكن أن تحدث.

تختلف تجلّيات القلق الإستباقيّ وتتعدّد من بيئة إلى أخرى فتظهر على شكل تحاشٍ رهابيّ أو خوف من البقاء وحيد أو قلق حول الأداء أو أرقٍ. فقد يبدو مثل التخطيط الدقيق أو المفصّل الذي يتوجّب على المصاب بالوسواس القهري القيام به حتّى يتجنّب الإصابة بعدوى محتملة أو يشابه المعاناة التي يتكبّدها المريض في أثناء أنتظار نتائج إختباره. يمكن أن يكون القلق الإستباقيّ الخوف من عودة فكرة متطفّلة وغير مرغوب فيها.

يحفّز القلق الإستباقيّ الضغوطات التي تحدّد ماهيّة اضطراب الوسواس القهريّ وحالات آخرى ذات صلة وهو الذي يدفع الأشخاص للخضوع لطقوس ذهنية «لن أكون قادرًا على تحمّله إذًا..» وإكراهات سلوكيّة لكبح الشعور بعدم الرّاحة النّاجم عن الوسوسة.

قد يُترجم القلق الإستباقيّ على أنّه الخوف من الذهاب إلى الحفلات أو المطاعم أو السّفر خشية من التّعرّض لموقف ما لا تعتقد أنّك قادر على تحمّله. قد تنجمّ الرغبة في تجنّب البقاء وحيدا في اللّيل من القلق الإستباقيّ والخوف من الإصابة بمرض فجئيّ أو التّفكير في أشياء مخيفة، كما أنّ تجنّب المواعدة قد تكون السّبب وراء العلاقات الخياليّة التي يسبّبها القلق الإستباقي. إضافةً إلى ذلك، يمكن أن يسبّب القلق الإستباقيّ المقترن بفكرة الطرد الإعياء كلّ صباح قبل الذّهاب إلى العمل.

في الماضي، كان يطلق على القلق الإستباقي تسمية القلق الطليق وهي تسمية خاطئة. وقد تكون من عادة الجسد التوتّر دون أن يعي أحيانًا بمخاوف محدّدة وهو ما قد يؤدّي إلى الصّداع وآلام الصّدر وتشنّج العضلات. في الواقع، يعتبر القلق الإستباقيّ المتسبّب الرئيسي في فرط التّنفس المزمن الذي يهيّأ المجال لنوبات الهلع. كذلك يمكنه أن يكون السّبب وراء مشاكل الجهاز الهضمي المزمنة من قبيل الإسهال أو الغثيان أو التقيؤ.

يعدّ القلق الإستباقي المحرّك الرئيسي لاضطراب القلق العامّ Generalized Anxiety Disorder وهو الميل نحو القلق العقيم والمفرط وببساطة، إنّ التخيلات المزعجة والتساؤلات الافتراضية التي تنطلق من سؤال «ماذا لو ؟» المرتبطة باضطراب القلق العام هي قلق استباقي.

ويمكن للقلق الإستباقي أن ينجمّ عن الخيال المفرط أو الاستجابات الشرطيّة للذكريات، ويمكن أن يتمّ تحفيزه من خلال خاصيّة تسمّى بحساسيّة القلق وهي الخوف من ظهور أعراض القلق الذهنيّة والجسديّة. يمكنه أن يظهر أيضًا نتيجة حالة ذهنيّة مكتئبة ومنعزلة أو قد يعود مصدرها إلى الاعتقاد بعدم قدرة الشخص على التّأقلم مع التجديد والتحدّي.

كما هو الحال مع كلّ أنواع القلق، يضع العلاج الفعّال للقلق الإستباقي الإبهام على العوامل التي تضمن إستمراريته وكما هو الحال دائمًا، لا يحلّ المزيد من التّفكير مشكلة الإفراط في التّفكير. فالعلاج الناجح يسعى إلى تحويل تركيزه على المدخلات الحسّية وتعديل العوامل السلوكية وإحداث تغيير فيما يخصّ علاقة الفرد بالتجربة الباطنيّة. يتضمّن هذا إعادة توجيه الإنتباه برويّة إلى اللحظة الرّاهنة بدل المستقبل المتخيّل وذلك مع التعايش مع تجربة القلق بدل التصدّي لها.

من الضروري معالجة العوامل ما وراء الذهنيّة التي تبقي على القلق، مثل الاعتقاد الخاطئ بأنّ الأفكار التي تثير القلق و الشكّ هي أفكار تنذر بالخطر أو تُنبّئنا بالمستقبل. إضافةً إلى ذلك، لا يجب التشجيع على التخطيط للهرب والغرق في التفكير والهموم وأشكال التجنّب الأخرى مثل الطّمأنة الذاتيّة الجوفاء.

المصادر: 1