[the_ad_placement id="scine_before_content"]

هل سيتمكن البشر من مخاطبة الحيتان؟

ماذا تعني أصوات النقر؟

تتمتع حيتان العنبر بأعلى صوت من بين كافة الحيوانات،

وتصدر أصوات صرير وطرق ونقر متقطع لكي تتواصل مع الحيتان الأخرى من بُعد بضعة أقدام وحتى عدة مئات من الأميال.

تسمى هذه السيمفونية المكونة من نمط نقرات بالتقفيلة، وهي متطورة بالقدر الذي يؤهلها لكي تكون لغة كاملة. لكن السؤال، هل سيستطيع البشر فهم ما تقوله هذه الحيتان؟

أخبر العلماء لايف ساينس Live Science، بأننا ربما سنتمكن، لكن على الباحثين أن يجمعوا ويحللوا عددًا كبيرًا من خطابات حوت العنبر.

تمتاز حيتان العنبر (Physeter Macrocephalus) بأدمغة أكبر من أدمغتنا بستة أضعاف، وتتمتع بعلاقات اجتماعية معقدة فتقضي معظم وقتها بالتواصل الاجتماعي وتبادل التقفيلات. قد تمتد مدة هذه الرسائل من عشر ثواني وحتى ما يزيد عن نصف ساعة.

وحسبما ذكرته ورقة بحثية عن حيتان العنبر نُشرت على خادم arXiv.org في نيسان/أبريل 2021، «فإن تعقيد مفردات الحيتان ومدتها تشير إلى أنها قادرة على استعراض قواعد أكثر تعقيدًا من أي حيوان آخر».

ومن خلال مشروع متعدد التخصصات يعرف باسم CETI (مبادرة الترجمة الحيتانية)، تحدد هذه الورقة خطة لفك شفرة مفردات حوت العنبر، وذلك بجمع تسجيلات لحيتان العنبر، ثم باستخدام آلة تعلم لمحاولة فك شفرة تسلسل النقرات التي تصدرها هذه الثديات عند التواصل. واختارت مبادرة الترجمة الحيتانية دراسة حيتان العنبر من بين جميع الحيتان لأن نقراتها تمتاز بتركيبة شفرة مورس Morse، حيث يستسهل الذكاء الاصطناعي تحليلها.

اختراق السطح

وفقًا لبحث جديد نشرته مبادرة الترجمة الحيتانية، فالبشر لاحظوا لأول مرة أن حيتان العنبر تصدر أصواتًا في الخمسينيات، ولم يعرفوا أن الحيتان تستخدم هذه الأصوات للتخاطب حتى السبعينيات، وبذلك كمية المعلومات القليلة التي يعرفها البشر عن هذه الحيتان ما تزال جديدة.

تبين أن هذه النقرات لها غرضين، فحسب مؤسسة وودز هول الأوقيانوغرافية Woods Holes Oceanographic Institution، تغوص حيتان العنبر حتى عمق 4000 قدم (1200 متر)، أو أعمق بثلاث مرات من غواصة نووية. وطورت هذه الحيتان نقرات للصدى، وهو نوع من السونار، لتبحث عن الحبار وغيره من المخلوقات البحرية، بما أن الظلام عند هذه الأعماق دامس. وتقنية النقرات ذاتها تستخدمها للتواصل، على الرغم من أن نقرات التخاطب مكتظة أكثر، وذلك وفقًا لمبادرة الترجمة الحيتانية.

قال عالم الأحياء البحري وقائد مشروع مبادرة الترجمة الحيتانية، ديفيد غروبر David Gruber، في حديثه مع لايف ساينس: «إكتشاف هذا الكم من المعلومات كان تحديًا، لأن دراسة حيتان العنبر أمرًا صعبًا واستغرق سنوات عديدة، لكننا نمتلك الآن الأدوات التي تمكننا من التبحر في هذا الموضوع بطريقة لم نتمكن منها من قبل». الذكاء الاصطناعي والرجال الآليين والطائرات المسيرة من تلك الأدوات.

أطلعت بارتيوشا شارما Pratyusha Sharma، الباحثة في علم البيانات لدى مبادرة الترجمة الحيتانية والمرشحة للحصول على دكتوراه في مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مجلة لايف ساينس على المزيد من آخر التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة، مثل GPT-3، الذي يستخدم التعلم المتعمق لبناء نصوص وقصص مثل التي تصدر عن البشر. وأضافت، يأمل العلماء أن تُطبق ذات الطريقة على مفردات حيتان العنبر. المشكلة الوحيدة هي أن لهذه الطرق نهم للمعلومات.

وسجل مشروع مبادرة الترجمة الحيتانية حتى الآن قرابة 100000 نقرة من حوت العنبر، والتي جمعها العلماء البحريين على مدى سنوات بصعوبة بالغة، لكن خوارزميات آلة التعلم تحتاج إلى نحو 4 بليون. وتُنشئ مبادرة الترجمة الحيتانية قنوات أوتوماتيكية عديدة لجمع تسجيلات لحيتان العنبر. وتتضمن مكبرات صوت في أماكن يتردد عليها حيتان العنبر تحت الماء، ومكبرات صوت يمكن إسقاطها بمجرد اكتشاف تجمع لمجموعة من حيتان العنبر على السطح وذلك عن طريق طائرات مسيرة ذات عين نسرية، بالإضافة إلى سمكة آلية تتبع الحيتان وتستمع إليهم من مسافة.

لكن هل ستمكننا كل هذه البيانات من فك شفرتها؟ وجدت الكثير من خوارزميات آلة التعلم أن تحليل الصوت أصعب من تحليل النص. على سبيل المثال، قد يصعب تحليل الكلمة قواعديًا من حيث تبدأ وتنتهي. وكما شرحت شارما، «افترض كلمة مظلة، هل الكلمة هي مظ أم مظل أم مظلة؟ المعوقات في الكلام المحكي أكثر غموضًا وأقل انتظامًا، لذلك تتطلب إلى أنماط أكثر لإدراكها.

وأضافت شارما: «هناك صعوبات أخرى تواجهها مبادرة الترجمة الحيتانية، لو أتى شخص من اليابان أو من الولايات المتحدة أو من أي مكان في العالم، فالعالم الذي نتحدث عنه متشابه جدًا؛ فنحن نتحدث عن أناس وعن أفعال، بينما العالم الذي تعيش فيه الحيتان مختلف جدًا، كما أن تصرفاتهم مختلفة كثيرًا».

وعلاوة على ذلك قد بينت دراسة نُشرت عام 2016 في مجلة رويال سوسايتي أوبين ساينس Royal Socirty Open Science، أن للحيتان لهجات بناءًا على تحليل لشيفرات تسعة مجموعات من حيتان العنبر في البحر الكاريبي طيلة ستة أعوام.

هذه الصعوبات هي التي تجعل المشروع جدير بالاهتمام. ويظل ما يقوله حوت العنبر غامضًا ومبهمًا كالماء التي يسبحون بها، لكن هذا اللغز يجعل من أي إجابة تجيبها مبادرة الترجمة الحيتانية مثيرة للاهتمام. وكما قال غروبر، «نتعلم أكثر عندما نحاول أن نرى العالم من منظور الآخرين».

المصادر: 1