[the_ad_placement id="scine_before_content"]

«مر شريط حياتي أمام عيني»: تناول طبيب نفسي لغز الاقتراب من الموت

سقط توني كوفي Tony Kofi من الطابق الثالث في سن السادسة عشر، إذ كان يعمل بّناءً متدربًا ويعيش في نوتنغهام Nottingham. رأى شريطًا من المشاهد أمام عينيه وكأن الزمن يمر ببطءٍ شديد.

ووصف ما حدث معه قائلًا: «رأيتُ في مخيلتي الكثير والكثير من الأشياء، رأيت أطفالًا لم أنجبهم بعد، وأصدقاءً لم أرهم من قبل لكنهم أصدقائي الآن. لكن علق في ذهني أني كنت أعزف على آلة». ثم وقع توني على رأسه فاقدًا وعيه.

عندما وصل إلى المستشفى، أحسَّ وكأنه شخصٌ آخر مختلف ولا يود العودة إلى حياته السابقة. وظلت المشاهد تدور في مخيلته طيلة الأسابيع التالية. شعر وكأنما « يطَّلِعُ على شيء» وأن تلك المشاهد ستحدث معه في المستقبل.

رأى توني بعد حين صورة لساكسفون وعرفه فهو ذات الآلة التي رأى نفسه يعزف عليها، واشترى واحدًا من التعويض الذي حصل عليه عن الحادث. والآن، توني كوفي هو أحد أشهر عازفي موسيقى الجاز في المملكة المتحدة، وقد حاز على جائزة بي بي سي BBC Jaz لمرتين عن عامي 2005 و 2008.

إن كان اعتقاد توني بأنه اطَّلع على مستقبله أمر غير مألوف، فإبلاغ الناس عن مشاهدتهم للقطات من ماضيهم لحظة حدوث الحادث هو أمرٌ غير مألوف على الإطلاق. ومن هنا جاءت عبارة «شريط حياتي يمر أمام عيني».

لكن ما تفسير هذه الظاهرة؟ اقترح الأطباء النفسيون عدة تفسيرات، لكنني أجادل بأن المفتاح لفهم تجربة توني يكمن في تفسير مختلف للزمن بحد ذاته.

عندما يمر شريط حياتك أمام عينيك

منذ ما يزيد عن عقد أُبلِغ عن تجربة مرور شريط الحياة أمام عيني أحدهم. ففي عام 1892، سقط العالم الجيولوجي السويسري ألبرت هيم Albert Heim من منحدرٍ عندما كان يتسلق جبلًا. وكتب في روايته عن الحادثة «وكأني على منصة بعيدة، ومشاهدٌ عديدة من ماضيّ تُعرض».

أما في 2005 كانت تجلس امرأةٌ صغيرة تُدعى جيل هيكس Gill Hicks بجانب أحد القنابل التي تفجرت في مترو أنفاق لندن. وبعد دقائق من الحادث، حامت حول حافة الموت، ووصفته بقولها: «مر شريط حياتي أمام عيني، مومضًا كل مشهد، كل لحظة سعيدة وحزينة، كل ما فعلته وقلته وجربته في حياتي».

وفي بعض الحالات لا يستعرض الناس حياتهم كلها، وإنما فقط مشاهد من تجارب وأحداث لها ذكرى مهمة عندهم.

تفسير استعراض الحياة

المثير للدهشة أن تجربة استعراض الحياة لم تُدرس كثيرًا مع أنها شائعة، وتناولتها عدد قليل من النظريات المبدئية والمبهمة.

على سبيل المثال، اقترح مجموعة من الباحثين الإسرائيليين في 2017 أن أحداث حياتنا موجودة في عقولنا بسلسلة متصلة، وتتقدم إلى الذاكرة في ظروفٍ قاسية من الضغوط النفسية والجسدية.

ونظرية أخرى وضحت أننا عندما نقترب من الموت، تُحمِل ذاكرتنا نفسها فجأةً، وكأنه محتوى الذاكرة المهجور. قد يكون لهذا علاقة «بإزالة الكاف القشري» وهو تعطل للعمليات التنظيمية العادية في الدماغ في المواقف شديدة الخطورة والتوتر مسببًا سلسلة متعاقبة من الانطباعات العقلية.

لكن يُذكر عادةً بأن تجربة استعراض الحياة هي تجربة هادئة ومرتبة، وبذلك هي لا تشبه التسلسل الفوضوي من التجارب المرتبط بإزالة الكاف القشري إطلاقًا. ولم تفسر أي من هذه النظريات كيف يمكن لهذا الكم الهائل من المعلومات، كل أحداث حياة الشخص، في العديد من الحالات أن تظهر في ثواني معدودة وربما أقل من ذلك.

التفكير في الزمن المكاني

وفي تفسيرٍ بديلٍ للتفكير في الوقت بالمعنى المكاني. نظرتنا للزمن عبارة عن سهم ينتقل من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل حيث يمكننا الوصول للمستقبل فقط. لكن الفيزياء الحديثة شككت بهذه النظرة الخطية البسيطة للزمن.

وبالفعل تبنَّى بعض خبراء الفيزياء نظرة الزمن المكاني منذ ظهور النظرية النسبية لأينشتاين. وحاججوا ذلك بأننا نعيش في كون كتليٍ ثابت ينتشر فيه الزمن في نوع من البانوراما حيث يتعايش الماضي، والحاضر، والمستقبل في آنٍ واحد.

كما أن الفيزيائية المعاصرة كارلو روفيلي Carlo Rovelli، مؤلفة الكتاب الأكثر مبيعًا ذا أوردر أوف تايم The Order of Time، تبنت وجهة النظر القائلة بأن الزمن الخطي لا يوجد كحقيقة كونية. وهذه الفكرة تعكس وجهة نظر الفيلسوف إيمانويل كينت Immanuel Kant، الذي قال: «إن الزمن ليس ظاهرة حقيقية موضوعية، وإنما من تأليف العقل البشري».

في الكثير من حالات الوعي المتغيرة، يتباطأ الوقت تباطؤً كبيرًا فيبدو وكأن الثواني تطول لدقائق. وهذه سمة شائعة لحالات الطوارئ، وحالات التأمل العميق، وتجارب عقاقير الهلوسة، والحالة التي يكون فيها الرياضي بأقصى طاقته وقدرته الأدائية.

حدود الفهم

لكن ماذا عن رؤية توني كوفي الواضحة عن مستقبله؟ هل حقًا رأى مشاهدًا من مستقبله؟ هل رأى نفسه يعزف الساكسفون لأنه مستعدٌ بطريقةٍ ما لأن يكون موسيقي في المستقبل؟

هناك تفسيرات عادية لتجربة توني، لربما أصبح عازفًا للساكسفون لأنه رأى نفسه يعزف عليه في مخيلته. لكني لا أظن أنه من المحال أن يكون توني قد شاهد أحداث المستقبل.

إن كان الزمن موجود بالمعنى المكاني وأن الزمن هو من تأليف مخيلة البشر، فربما بعض الأحداث المستقبلية ستحدث، كما أن أحداث الماضي ما تزال حاضرة.

من المسلم به أن هذا أمرٌ صعب جدًا، ولماذا يجب أن يكون كل شيء منطقي بالنسبة لنا؟ كما أشرت في كتابٌ سابق، لا بد من وجود أمور من الواقع تتجاوز قدرتنا على فهمها.

وفي النهاية، نحن مجرد حيوانات ذات وعي محدود للواقع. وهذا ينطبق على الزمن أكثر من أي ظاهرةٍ أخرى.

المصادر: 1