[the_ad_placement id="scine_before_content"]

ابتكر الباحثون مجهرا كميا يمكنه رؤية المستحيل!

لربما شاهدتَ صورًا لعلماءٍ يحدقون عبر المجهر وينظرون إلى أشياءٍ غير مرئيةٍ بالعين المجردة. في الواقع، لا غنى عن المجاهر لفهمنا للحياة. فلا غنى عنها في التكنولوجيا الحيوية والطب، فمثلًا في استجابتنا لأمراضٍ مثل فيروس كورونا COVID-19. ومع ذلك، فإن أفضل المجاهر الضوئية قد اصطدمت بحاجزٍ أساسي حيث أشعة الليزر الساطع المستخدم لرؤية الأحياء الدقيقة مثل الخلية يمكن أن تُدمر تلك الخلية أيضًا. كون الأنظمة البيولوجية الهشة مثل الخلية البشرية لا يمكنها أن تعيش إلا لفترةٍ قصيرةٍ تحت تأثير هذه الأشعة وهذا يمثل عقبة رئيسية.

أظهر فريقٌ من الباحثين الأستراليين والألمان في بحثٍ نُشر على دورية Nature في 10 يونيو/حزيران، أن تقنيات الكم تُقدم حلًا لتلك المشكلة. لقد ابتكروا مجهرًا كميًا Quantum Microscope يمكنهم فحص العينات البيولوجية برفق، مما سمح للباحثين بمراقبة الهياكل البيولوجية التي كان من المستحيل رؤيتها لولا ذلك. يعد إنشاء مجهرٍ مقاومٍ للتلف مثل المجهر الكمي علامةٌ فارقة طال انتظارها في خطط مستقبل تكنولوجيا الكم. حيث يمثل خطوةً أولى في حقبة جديدة مثيرة للفحص المجهري ولتكنولوجيات الاستشعار على نطاق أوسع.

مشكلة مجاهر الليزر

للمجاهرِ تاريخٌ طويل، يُعتقد أنها أختُرِعَت لأولِ مرةٍ من قبل صانع العدسات الهولندي زكريا يانسن Zacharias Janssen في مطلع القرن السابعَ عشر. ولربما استخدمهم لتزوير العملات المعدنية. أدت هذه البداية المتقنة إلى اكتشاف البكتيريا والخلايا وجميع الأحياء الدقيقة بشكلٍ أساسيٍ كما نفهمها الآن. قدم الاختراع الأحدث لليزر نوعًا جديدًا مكثفًا من الأشعة، مما فتح نهجًا جديدًا كاملًا للفحص المجهري. تسمح لنا مجاهر الليزر برؤية عالم الأحياء الدقيقة بتفاصيلٍ رائعةٍ حقًا، أصغر بـ 10000 مرة من سماكة شعرة الإنسان. لقد نال مبتكروه على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2014، وغيروا فهمنا للخلايا والجزيئات مثل الحمض النووي داخل الخلية.

ومع ذلك، تواجه مجاهر الليزر مشكلة كبيرة. حيث أن الجودة التي تجعلها ناجحةً، شدتها هي أيضًا نقطة ضعفها. تستخدم أفضل مجاهر الليزر ضوءًا أكثر سطوعًا بمليارات المرات من ضوء الشمس على الأرض. قد يتسبب هذا في حروقٍ شمسبةٍ خطيرة كما قد تتخيل، يمكن أن تتأثر العينات البيولوجية في مجهر الليزر أو تموت في ثوانٍ. يمكنك أن ترى هذا يحدث فعليًا كما يُظهرالفيديو أدناه، التقطهُ عضوٌ من الفريق البحثي مايكل تايلور Michael Taylor.

يقدم التأثير الشبحي عن بعد، حلًا

المجهر الكمي يتجنب هذه المشكلة. يعمل المجهر بواسطة ظاهرة التشابك الكمومي Quantum Entanglement، وهو تأثير وصفه أينشتاين Einstein بأنه «التأثير الشبحي عن بعد Spooky Interactions at a Distance». التشابك هو نوع غير عادي من الارتباط بين الجسيمات، في حالة المجهر الكمي يكون الارتباط بين الفوتونات التي تشكل شعاع ليزر. يستخدم الليزر لجعل الفوتونات التي تترك المجهر تتصرف بنفسها، وتصل إلى الكاشف بطريقة منظمة للغاية. وهذا بدورهِ يُقلل من الضوضاء، بينما تحتاج المجاهر الأخرى إلى زيادة شدة الليزر لتحسين وضوح الصور.

صورة المجهر الكمي ومن خلال تقليل الضوضاء قادرٌ على تحسين الوضوح دون القيام بذلك. بدلًا من ذلك، يمكن استخدام ليزر أقل كثافة وسطوع لإنتاج نفس أداء المجهر الليزري (الضوئي). كان التحدي الرئيسي هو إنتاج تشابك كمي يُكافئ سطوع مجهر الليزر. لقد فعلوا ذلك من خلال تركيز الفوتونات في نبضاتٍ ليزرية في فتراتٍ لا يتجاوز طولها بضعة أجزاءٍ من المليار من الثانية. أنتج هذا تشابكًا كان أكثر سطوعًا بـ 1000 مليار مرةٍ مما استُخدِمَ سابقًا في التصوير المجهري.

قَدَمَت أشعة الليزر المتشابكة عند استخدام التشابك في المجهر، وضوحًا للصورة أفضل بنسبة 35% مما كان ممكنًا دون إتلاف العينة. استخدموا المجهر لتصوير اهتزازات الجزيئات داخل خلية حية. سمح لنا هذا برؤية الهيكل التفصيلي الذي كان يمكن أن يكون غير مرئي باستخدام الأساليب التقليدية، يمكنك رؤية التحسن كما يظهر في الصور أدناه.

تُظهر هذه الصور الملتقطة بالمجهر اهتزازات جزيئية داخل جزء من خلية الخميرة Yeast cell. تُستخدم الصورة على اليسار التشابك الكمي، بينما تستخدم الصورة على اليمين أشعة الليزر التقليدية. وكما يظهر فإن الصورة الكمومية تكون أكثر وضوحًا، حيث تكون المناطق التي يُخزن فيها الدهون داخل الخلية (النقط المظلمة) وجدار الخلية (البنية شبه الدائرية) أكثر وضوحًا.

مثال على التحسين الكمي ممكن مع المجهر الكمي. بواسطة: وارويك بوين، جامعة كوينزلاند

نحو تطبيقات تقنيات الاستشعار الكمي

من المتوقع أن يكون لتقنيات الكم تطبيقاتٍ ثوريةٍ في الحوسبة والاتصالات والاستشعار. تقدر هيئة البحوث الأسترالية (CSIRO) إنها ستخلق صناعةً عالمية بقيمة 86 مليار دولار أسترالي بحلول عام 2040، حيثُ يدعم التشابك الكمي العديد من هذه التطبيقات. يتمثل التحدي الرئيسي للباحثين في تكنولوجيا الكم في إظهار أنها تقدم مزايا مطلقة مقارنةً بالطرق الحالية.

يُستخدم التشابك بالفعل من قبل المؤسسات المالية والهيئات الحكومية للتواصل مع ضمان الأمان. كما يستخدم أيضًا كقلب لأجهزة الحوسبة الكمومية، والتي أظهرت جوجل Google في عام 2019 أن بإمكانها إجراء حسابات قد تكون مستحيلةً مع أجهزة الكمبيوتر التقليدية الحالية. المستشعرات الكمية هي آخر قطعة في هذا اللغز. من المتوقع أن تحسن المستشعرات إلى حدٍ كبير كل جانب من جوانب رؤيتنا للعالم، من التنقل الأفضل إلى الرعاية الصحية والتشخيص الطبي الأفضل.

منذ حوالي عام استُخدِمَ التشابك الكمومي في مراصد الموجات الثقالية على نطاق مسافة قدرها كيلومتر. هذا سمح للعلماء باكتشاف الأجسام الضخمة البعيدة في الفضاء. يُظهر عمل المجهر الكمي أن التشابك يمكن أن يوفر ميزة استشعار مطلقة بمقاييس الحجم الاعتيادية وفي التقنيات السائدة. قد يكون لهذا تداعيات كبيرة ليس فقط للفحص المجهري، ولكن أيضًا للعديد من التطبيقات الأخرى مثل نظام تحديد المواقع العالمي والرادار والملاحة.

وارويك بوين Warwick Bowen متحدثًا، البروفيسور من مختبر البصريات الكمومية في جامعة كوينزلاند ومركز ARC للتميز لأنظمة الكم الهندسية (EQUS).

المصادر: 1