[the_ad_placement id="scine_before_content"]

اكتشاف جديد يأكد أن الجسيمات دون الذرية تتواجد كجسيم وجسيم مضاد في آن واحد!

أثبتَ الفيزيائيون في اكتشافٍ جديدٍ أن الجسيم دون الذري يمكن أن يتحول إلى جسيم مضاد Antiparticle والعودة مرة أخرى إلى جسيم اعتيادي. أُجريت القياسات الدقيقة للغاية من قبِل باحثين بريطانيين باستخدام تجربة الجمال لمصادم الهادرونات الكبير LHCb في سيرن CERN. حيثُ قَدَمَت أولُ دليلٍ على أن الميزونات الساحرة Charm Mesons يمكن أن تتحول إلى جسيماتٍ مضادةٍ لها وتعود مرةً أخرى.

تمثل المادة المضادة نوع من «التوأم الشرير» للمادة العادية، لكنها مشابهة للمادة العادية بشكلٍ مدهش. الاختلاف الحقيقي الوحيد في الواقع هو أن المادة المضادة لها شحنة معاكسة. هذا يعني أنه إذا حدث تلامس بين جسيم وجسيمٍ مضاد، فسوف يقضي كل منهما على الآخر في موجة من الطاقة.

ظاهرة الإمتزاج

عرفَ العلماء لأكثر من 10 سنواتٍ أن الميزونات الساحرة الجسيمات دون الذرية التي تحتوي على كوارك Quark وكوارك مضاد Antiquark يمكن أن تنتقل كمزيجٍ من حالات الجسيم والجسيم المضاد. وهذه ظاهرة تعرف بـ «الإمتزاج Mixing». ومع ذلك، تُظهر هذه النتيجة الجديدة لأولِ مرةٍ أن الميزونات الساحرة يمكنها أن تتأرجح بين الحالتين جسيم وجسيم مضاد. أي أن الميزونات الساحرة يمكنها التبديل تلقائيًا بين الحالتين.

معالجة أسئلة الفيزياء الكبرى

يمكن للعلماء مع الدليل الجديد محاولة معالجة بعض أكبر الأسئلة في الفيزياء حول كيفية تصرف الجسيمات خارج النموذج المعياري Standard Model. وأحدى هذه الأسئلة ما إذا كانت هذه الانتقالات ناتجة عن جسيمات غير معروفة لم تتنبأ بها النظرية السائدة.

أن تكون إحداها ومضادها

يمكن للميزون الساحر في العالم الغريب لفيزياء الكم أن يكون نفسه وجسيمه المضاد في آنٍ واحد. هذه الحالة المعروفة باسم التراكب الكمومي Quantum Superposition والتي تتضح بشكلٍ أكثر شهرةً من خلال التجربة الفكرية لقط شرودنغر ينتج عنها جسيمان لكل منهما كتلتهُ إحداهما نسخةٌ أثقل والآخر نسخةٌ أخف من الجسيم.

يسمح هذا التراكب للميزون الساحر بالتأرجح في حالتين بين الجسيم والجسيم المضاد. وهذا يعني أن هذه الجسيمات تتأرجح في الواقع بين كونها مادة والمادة المضادة. لتعقيد الأمور، فإن بعض الجسيمات مثل الفوتونات Photons، هي في الواقع نفسها تمثل جسيماتها المضادة. وذلك بفضل الانحراف لمبدأ التراكب الكمومي.

الاختلاف الكتلي

باستخدام البيانات التي جُمِعَت في أثناء التشغيل الثاني لمصادم الهادرونات الكبير، قاس الباحثون من جامعة أكسفورد فرق الكتلة بين الجسيمين. كان هناك فرق قدره 0.00000000000000000000000000000000000001 غرام، أو في الترميز العلمي ³⁸⁻10×1 غرام.

لا يمكن قياس هذه الدقة واليقين في الكتلة إلا عند رصد هذه الظاهرة عدة مرات. ولكن هذا ممكن فقط بسبب أن العديد من الميزونات الساحرة تُنتج في التصادمات دون الذرية في مصادم الهادرونات الكبير. تأكد الفريق البحثي من أن طريقة التحليل كانت أكثر دقةً نظرًا لأن القياسات دقيقةٌ للغاية.

رسم توضيحي يبرز الفرق في الكتلة بين نسختين من الميزون الساحر. بواسطة سيرن

تقنيةٌ مبتكرةٌ

استخدم الفريق تقنيةً جديدةً طورها في الأصل زملاء في جامعة وارويك لإجراء القياسات دقيقة. لا يوجد سوى أربعة أنواع من الجسيمات في النموذج المعياري وهي النظرية السائدة التي تصف فيزياء الجسيمات التي يمكن أن تتحول إلى جسيم مضاد لها.

شوهدت ظاهرة الإمتزاج لأول مرة في الميزونات الغريبة Strange mesons في الستينيات القرن الماضي وفي ميزونات الجمال Beauty mesons في الثمانينيات من القرن الماضي. الجسيم الوحيد الآخر من الجسيمات الأربعة التي شوهدت تتأرجح بهذه الطريقة حتى الآن هو الميزون الغريب، وكان ذلك ضمن قياساتٍ أُجربت في عام 2006.

ظاهرةٌ نادرةٌ

قال البروفيسور من جامعة أكسفورد والذي ساهمت مجموعتهُ في تحليل البيانات، غاي ويلكينسون Guy Wilkinson: «ما يجعل اكتشاف التأرجح في جسيم الميزون الساحر مثيرًا للإعجاب هو أنه وعلى عكس ميزونات الجمال يكون التأرجح بطيئًا جدًا وبالتالي يصعب قياسهُ في الوقت الذي يستغرقهُ الميزون ليضمحل. تُظهر هذه النتيجة أن التأرجحات بطيئةٌ جدًا لدرجة أن الغالبية العظمى من الجسيمات سوف تضمحل قبل أن تتاح لها الفرصة للتأرجح بين الحالتين. ومع ذلك، نحن قادرون على تأكيد هذا كاكتشاف لأن تجربة الجمال لمصادم الهادرونات الكبير جمعت الكثير من البيانات».

قال البروفيسور من جامعة وارويك ومطور التقنية التحليلية المستخدمة لإجراء القياسات، تيم غيرشون Tim Gershon: «تُنتج جسيمات الميزون الساحرة في تصادمات البروتون-بروتون وتنتقل في المتوسط بضعة ملليمترات فقط قبل أن تتحول أو تضمحل إلى جسيماتٍ أخرى. بمقارنة جسيمات الميزون الساحرة التي تضمحل بعد السفر لمسافة قصيرة مع تلك التي تنتقل لمسافةٍ أبعد قليلًا، تمكنا من قياس الكمية الأساسية في الفرق في الكتلة بين النسخة الأثقل والأخف وزنًا من الميزون الساحر والتي تتحكم في سرعة تأرجح الميزون الساحر إلى مضاد الميزون ساحر Anticharm meson».

بابٌ جديدٌ يُفتح لاستكشاف الفيزياء

يفتح هذا الاكتشاف لتأرجح الميزون الساحر مرحلةً جديدةً ومثيرةً من استكشاف الفيزياء. حيث يُريد الباحثون الآن فهم عملية التأرجح نفسها، والتي يُحتمل أن تكون خطوةً كبيرةً إلى الأمام في حلِ لغز عدم تناسق المادة والمادة المضادة.

من المجالات الرئيسية التي يجب استكشافها هي ما إذا كان معدل الانتقالات بين الجسيمات والجسيمات المضادة هو نفس معدل الانتقالات بين الجسيمات المضادة والجسيمات. خصوصًا، ما إذا كانت الانتقالات متأثرةً أو ناجمةً عن جسيمات غير معروفة لم يتنبأ بها النموذج العياري.

القياسات الصغيرة تخبرنا أشياءً كبيرة

قال الدكتور من جامعة إدنبرة والذي عقد اجتماعًا مع مجموعة الفيزياء الساحرة لتجربة الجمال لمصادم الهادرونات الكبير والتي أُجرِبت البحوث ضمنها، مارك ويليامز Mark Williams: «قياساتٌ صغيرةٌ مثل هذه يمكن أن تخبرك بأشياءٍ كبيرةٍ عن الكون لم تكن تتوقعها».

حيث أن نتيجة فرق الكتلة ³⁸⁻10×1 غرام، تتخطى مستوى خمسة سيجما Five Sigma للدلالة الإحصائية المطلوب للمطالبة باكتشافٍ في فيزياء الجسيمات.

مزيدٌ من المعلومات

تجربة الجمال لمصادم الهادرونات الكبير هي واحدةً من أربع تجاربٍ كبيرة في مصادم الهادرونات الكبير في سيرن القابع في جنيف-سويسرا، وهي مصممةٌ لدراسة اضمحلال الجسيمات التي تحتوي على كوارك الجمال أو القعري Beauty quark. الهدف الأساسي من تجربة الجمال لمصادم الهادرونات الكبير هو التحقيق في عدم تناسق المادة والمادة المضادة أو خرق تناظر الشحنة السوية CP violation.

وفقًا للنموذج العياري لفيزياء الجسيمات، كان من المفترض أن يكون الانفجار العظيم قد أنتجَ المادة والمادة المضادة بكمياتٍ متساويةٍ، وبمرور الزمن كان من الممكن أن تصطدم كلتا المادتين وينسفانِ بعضهما، تاركةً الكون مكانًا فارغًا. من الواضح أن هذا لم يحدث، وبطريقةٍ ما سيطرت المادة، لكن ما الذي تسبب في هذا الخلل؟

يجب أن يكون هناك فرقٌ دقيق بين المادة والمادة المضادة نظرًا لأننا نعيش في كونٍ تحكمهُ المادة، مما سمح للمادة بالبقاء. إحدى الفرضيات التي يُثيرها الاكتشاف الجديد هي أن الجسيمات مثل الميزون الساحر سوف تنتقل من المادة المضادة إلى المادة أكثر من انتقالها من المادة إلى المادة المضادة. قد يكون التحقيق فيما إذا كان هذا صحيحًا يمكن أن يكون دليلًا رئيسيًا لحل أحد أكبر أسرار العلم. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟

الميزونات هي جزءٌ من فئةٍ كبيرةٍ من الجسيمات تتكون من جسيماتٍ أساسيةٍ تسمى الكواركات، وتحتوي على كوارك واحد وكوارك مضاد واحد. يتكون الميزون دي الأخف D0 meson؛ من كوارك ساحر وكوارك علوي مضاد Up antiquark، ويتكون جسيمه المضاد الميزون دي الأخف المضاد Anti-D0 meson؛ من كوارك ساحر مضاد Charm antiquark وكوارك علوي.

استُخرجت هذه القياسات باستخدام الكاشف الفرعي المسمى بـ«راصد فيرتكس Vertex Locator (VELO)» الخاص بتجربة الجمال لمصادم الهادرونات الكبير. كما تلقى البحث المقدم إلى دورية Physical Review Letters في 8 يونيو/حزيران 2021 والمتاح على أرشيف arXiv، تمويلًا من مجلس منشآت العلوم والتكنولوجيا STFC.

المصادر: 1 - 2