[the_ad_placement id="scine_before_content"]

أحشاء أسلافنا

من المحتمل أن تحتوي ميكروبيومات الأمعاء البشرية لأسلافنا أدلة على وجود الأمراض الحديثة.

على مدار السنوات العديدة الماضية، توصل العلماء إلى مناظير متطورة من خلالها يمكن رؤية الاختلافات في ميكروبيومات الأمعاء -مجموعات البكتيريا والميكروبات الأخرى في الأجهزة الهضمية للبشر– التي قد تكون السبب السيئ الذي يعجل في ظهور مرض السكري وأمراض أخرى.

في وقتنا الحالي، وجد الباحثون في كلية الطب بجامعة هارفارد ومركز جوسلين للسكري اختلافات كبيرة بين ميكروبيومات الأمعاء من شعوب أمريكا الشمالية القديمة والميكروبيومات الحديثة، مما يوفر أدلة إضافية حول كيفية تطور هذه الميكروبات مع تباين النظم الغذائية لأجيال.

من حيث منهجية الدراسة، قام العلماء بتحليل الحمض النووي الميكروبي الموجود في الكائنات البشرية القديمة (البراز المجفف) من الكهوف الجافة في كل من يوتا وشمال المكسيك.

يعتقد ألكسندر كوستيك Aleksandar Kostic، قائد فريق الدراسة، أن العمل الذي نُشر في 12 مايو في مجلة نيتشر Nature يمثل التحليل الجيني الأكثر عمقًا لميكروبات الأمعاء البشرية القديمة حتى الآن. نشير إلى أن أول من كشف عن أنواع ميكروبية لم يتم التعرف عليها من قبل هما الأستاذ المساعد في علم الأحياء الدقيقة في كلية الطب بجامعة هارفارد Harvard Medical School ومحقق مساعد في مركز جوسلين للسكري.

علاقة بكتيريا الأمعاء البشرية بالأمراض الصحية كان هذا هو محور عمل الباحث كوستيك. فهذا الباحث وزملاؤه أظهروا في دراسات سابقة في فنلندا وروسيا، أن الأطفال في المناطق الصناعية هم الأكثر عرضة للإصابة بمرض السكري من النوع الأول من أولئك الذين يعيشون في المناطق غير الصناعية، أيضًا أشار كوستيك أن البحث أظهر أن هناك ميكروبات أمعاء مختلفة تمامًا بين هؤلاء الاطفال الذين ينتمون إلى منطقتين مختلفتين.

قال كوستيك: »لقد تمكنا من تحديد ميكروبات معينة ومنتجات جرثومية نعتقد أنها أعاقت التثقيف المناعي المناسب في وقت مبكر من الحياة«. »وهذا ما يؤدي لاحقًا إلى ارتفاع معدل الإصابة ليس فقط بمرض السكري من النوع الأول، بل كذلك بأمراض المناعة الذاتية وأمراض الحساسية الأخرى.«

وأشار كوستيك إلى أنه يُشتبه في أن فقدان التنوع الميكروبي المعوي في المجتمعات الصناعية يلعب دور بارزًا في تطور الأمراض المزمنة، مما يؤكد أهمية دراسة ميكروبيوم أمعاء أجدادنا. ومع ذلك، لا يُعرف سوى القليل نسبيًا عن تكوين ميكروبيوم الأمعاء قبل الصناعي.

إذن كيف سيبدو الميكروبيوم البشري السليم قبل آثار التصنيع؟

يقول الباحث كوستيك Kostic: «أنا مقتنع بأنه لا يمكنك الإجابة على هذا السؤال من دراسة تعتمد فقط على تحليل معطيات شخص يعيش في العصر الحديث».

المناظير من قناة الجهاز الهضمي القديم

اقترح ستيفن ليبلانك Steven LeBlanc، عالم الآثار الذي كان يعمل سابقًا في متحف بيبودي للآثار وعلم الأعراق بجامعة هارفارد، على الباحث كوستيك حلا محتملا: دراسة الحمض النووي الميكروبي الموجود في عينات الإنسان القديم التي جمعتها المتاحف من البيئات القاحلة في جنوب غرب أمريكا الشمالية.

قبل Kostic وطالبة الدراسات العليا مارشا ويبوو بالفكرة، وقارنتا في النهاية الحمض النووي من ثماني عينات أمعاء قديمة محفوظة جيدًا من الكهوف الجافة، بعضها يعود تاريخه إلى القرن الأول مع الحمض النووي من 789 عينة حديثة.

كانت أكثر من نصف العينات الحديثة من أشخاص معروفين لديهم أنظمة غذائية صناعية والباقي من أشخاص يستهلكون أغذية غير صناعية تزرع في الغالب داخل مجتمعاتهم.

حيث كان الاختلاف بين مجموعات الميكروبيوم مذهلة.

على سبيل المثال، حسب ما صرح به كوستيك فإن البكتيريا المعروفة باسم Treponema succinifaciens «ليست في ميكروبيوم غربي واحد قمنا بتحليله، ولكنه موجود في كل واحد من الميكروبات الثمانية القديمة».

تتطابق الميكروبيومات القديمة بشكل واضح مع الميكروبيومات الحديثة لأفراد الذين يستهلكون أنظمة غذائية غير صناعية.

اللافت للنظر، وجد Wibowo أن ما يقرب من 40 في المائة من الأنواع الميكروبية القديمة لم يتم رؤيتها من قبل. والسؤال هنا: ما الذي يفسر هذا التباين الجيني الواضح؟ يفترض الباحثون أن أحد التفسيرات المحتملة قد يكون النظام الغذائي.

قال كوستيك: «في الثقافات القديمة، كانت الأطعمة التي يتناولها الناس متنوعة للغاية ويمكن أن تدعم نمو ووجود مجموعة انتقائية أكثر من الميكروبيومات…ولكن التطور الذي عاشته البشرية، حيث بدأ الناس في اتباع نظام غذائي لمتاجر البقالة، وبالتالي لم يسمح هذا النظام الغذائي بتوفر الكثير من العناصر الغذائية التي تساعد في دعم ميكروبيومات الأكثر تنوعًا».

كان للميكروبيومات القديمة أيضًا أعدادًا أعلى نسبيًا من الميكروبيومات الصناعية الحديثة من الترانسبوزيز – وهي عناصر قابلة للنقل من تسلسلات الحمض النووي التي يمكن أن تغير موقع الجينوم.

قال كوستيك: «نعتقد أن هذه يمكن أن تكون استراتيجية تستخدمها الميكروبيومات للتكيف في بيئة تتغير كثيرًا عن الميكروبيوم الصناعي الحديث، حيث نأكل الأشياء نفسها ونعيش الحياة نفسها بشكل أو بآخر على مدار السنة. على النقيض من ذلك، في بيئة تتميز بالتغيير، قد تستخدم الميكروبات هذه المجموعة الأكبر من الترانسبوزسات لانتزاع وتجميع الجينات التي يمكن أن تساعدها على التكيف مع البيئات المختلفة».

علاوة على ذلك، أدرجت المجموعات الميكروبية القديمة عددًا أقل من الجينات المرتبطة بمقاومة المضادات الحيوية. كانت العينات القديمة تحتوي أيضًا على عدد أقل من الجينات التي تنتج البروتينات التي تؤدي إلى تدهور الطبقة المخاطية الواقية من الأمعاء، وهي عملية يمكن أن تؤدي إلى التهاب مرتبط بأمراض مختلفة.

أسئلة حيوية غير محسومة علميًا

نتائج البحث تسلط الضوء على سؤال علمي ينتظر الإجابة: هل تنتقل ميكروبات الأمعاء البشرية عموديًا من جيل إلى جيل أم أنها تتطور بشكل أساسي حسب البيئة؟

بالنظر إلى سلالة البكتيريا الشائعة Methanobrevibacter smithii في العينات القديمة، توصل الباحثون إلى تطور الكائن الحي الذي عاصر سلالة أسلافنا المشتركة حيث تم تأريخها تقريبًا عندما هاجر الإنسان لأول مرة عبر مضيق بيرينغ إلى أمريكا الشمالية. في هذا الصدد أضاف كوستيك قائلا: «يبدو أن هذه الميكروبات مثلها مثل جينوماتنا حيث كانت تسافر معنا عبر مراحل التاريخ».

بدأ مشروع البحث بالحاجة إلى تحديد عينات الإنسان القديم غير الملوثة التي تم حفظها في حالة جيدة.

قال ويبوو: «عندما أعدنا بناء هذه الجينومات، حاولنا أن نكون محافظين للغاية. وذلك للتحقق من عمر العينات وأصلها، قام العلماء بمنهجية علمية شائعة تُعرف باسم التأريخ باستخدام الكربون 14، وكذلك الاعتماد على التحليلات الغذائية وطرق أخرى للتأكد من أن العينات القديمة كانت بالفعل بشرية وليست ملوثة بالتربة أو بالحيوانات الأخرى. أكد المحققون أيضًا أن العينات المختارة أظهرت أنماط الانحلال الدي يُعرف أن جميع الحمض النووي يظهر عليها بمرور الوقت.

أجرى الفريق تسلسلًا أعمق للحمض النووي أكثر مما تم تحقيقه في الجهود السابقة، على الأقل 100 مليون قراءة، مع 400 مليون قراءة للحمض النووي لعينة واحدة.

قاد أحد المتعاونين، عالم الأنثروبولوجيا ميراديث سنو من جامعة مونتانا في ميسولا، مبادرة للحصول على وجهات نظر حول العمل من مجتمعات السكان الأصليين الأمريكيين في المنطقة الجنوبية الغربية. أكد مؤلفو الدراسة: «إننا نقدر ونقدر أولئك الأفراد الذين تم تحليل جيناتهم وميكروباتهم من أجل هذا البحث، وكذلك الأفراد الحاليين الذين يرتبطون بالتراث الجيني أو الثقافي».

يخطط الباحثون لتوسيع دراساتهم لتشمل العديد من عينات الميكروبيوم القديمة الأخرى، بهدف اكتشاف الأنواع الميكروبية الجديدة ومحاولة التنبؤ بوظائفها التركيبية. يثير اهتمام كوستيك إمكانية إحياء هذه الميكروبات القديمة في المختبر عن طريق إدخال الجينومات القديمة في أقرب الأنواع البكتيرية الحية.

قال كوستيك: «إذا تمكنا من زراعتها في المختبر، فيمكننا فهم فسيولوجيا هذه الميكروبات بشكل أفضل بكثير».

ساعد الباحث ستيفن ليبلانك المحققة خسلين Joslin في جلب فريق المتعاونين من مختلف عشرات المؤسسات العلمية حيث قادت سنو عملية استخراج الحمض النووي القديم وإعداده، وقدمت كريستينا وارينر، الأستاذة المساعدة في الأنثروبولوجيا بجامعة هارفارد، خبرتها في الميكروبيوم البشري القديم.

قال ويبوو: «لقد كان شيء ملهمًا للتعلم من كل هؤلاء المتعاونين الرائعين. إن حجم المتعاونين يستحق حجم قرية».

تم تمويل العمل من قبل جمعية السكري الأمريكية، ومؤسسة سميث فاميلي، وجمعية القلب الأمريكية.

المصادر: 1