[the_ad_placement id="scine_before_content"]

الساعة النووية أعظم وأدق الساعات على الإطلاق

يمكن للساعات النووية Nuclear clocks أن تتفوق على الساعات الذرية Atomic Clocks باعتبارها أكثر الساعات دقة. لكن أولًا، يحتاج الفيزيائيون إلى معرفة كيفية بنائها.

ستكون الساعات النووية نوعًا جديدًا من الساعات إذا تمكن الفيزيائيون من بنائها، فمن شأنها أن تحافظ على الوقت بناءً على فيزياء قلوب الذرات. تعتمد الساعات الذرية أكثر الساعات دقةً حاليًا على سلوك الإلكترونات في الذرات. لكن يُقدر الباحثون أن الساعة التي تعتمد على النوى الذرية يمكن أن تصل إلى 10 أضعاف دقة الساعات الذرية.

قال الفيزيائي من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، بيتر ثيرولف Peter Thirolf في 3 يونيو/حزيران خلال اجتماعٍ عبر الإنترنت لقسم الفيزياء الذرية والجزيئية والضوئية في الجمعية الفيزيائية الأمريكية: «يمكن للساعات الأفضل تحسين التقنيات التي تعتمد عليها، مثل نظام الملاحة GPS. لكن الأمر لا يتعلق فقط بضبط الوقت. تخضع النوى الذرية لقوة نووية قوية على عكس إلكترونات الذرات، حيث تربط هذه القوة البروتونات والنيوترونات معًا». مُضيفًا: «إن الساعة النووية ترى جزءًا مختلفًا من العالم». وهذا يعني أن الساعات النووية يمكن أن تسمح باختباراتٍ جديدة للأفكار الأساسية في الفيزياء، وأجابةً للسؤال «هل حقًا الأعداد التي يُفترض أنها غير قابلة للتغيير في الفيزياء والمعروفة باسم الثوابت الأساسية، ثابتة؟».

تحسب الساعات الذرية الوقت باستخدام طاقة الانتقال لإلكترونات الذرات. وفقًا لفيزياء الكم، يمكن للإلكترونات الموجودة في الذرات أن تمتلك فقط كميات معينة من الطاقة «كمات» في مستويات طاقة معينة. من أجل انتقال الإلكترونات في الذرة من مستوى طاقة إلى آخر، يجب أن تُعَرض ذرات الساعة الذرية لشعاع ليزر ذي ترددٍ مناسبٍ تمامًا. هذا التردد هو معدل تذبذب الموجات الكهرومغناطيسية للضوء يعمل بمثابة جهاز لضبط الوقت بدقة عالية.

تُظهر هذه الصورة «انطباع الفنان» الساعة النووية التي يهدف الفيزيائيون إلى بنائها، وهي أدق الساعات على الإطلاق حيث يمكن أن تقيس الوقت أفضل من الساعات الذرية

تحتل البروتونات والنيوترونات داخل نوى الذرة أيضًا مستويات طاقة منفصلة مثل الإلكترونات في الذرة. فبدلًا من انتقالات الإلكترونات ستعتمد الساعات النووية على الانتقالات بين مستويات الطاقة النووية تلك. والجدير بالذكر أن النوى تُقاوم تأثيرات المجالات الكهربائية أو المغناطيسية الشاردة التي يمكن أن تعيق الساعات الذرية. كما قالت عالمة الفيزياء النظرية من جامعة إرلنجن نورنبيرغ في ألمانيا، أدريانا بالفيك Adriana Pálffy: «نتيجةً لذلك، فإن الساعات النووية ستكون أكثر استقرارًا ودقة».

لكن هنالك مشكلة. لحساب الوقت باستخدام النوى، يحتاج العلماء القدرة على إنشاء الانتقالات بين مستويات الطاقة النووية باستخدام الليزر. قالت عالمة الفيزياء النظرية من جامعة ديلاوير، ماريانا سافرونوفا Marianna Safronova في حديث في 2 يونيو/حزيران خلالَ اجتماع: «لا يمكن الوصول إلى المستويات النووية عادةً باستخدام الليزر. بالنسبة لمعظم النوى، يتطلب ذلك ضوءًا ذا طاقة أعلى مما يمكن أن يحققه الليزر الاعتيادي». لكن لحسن الحظ، هناك استثناءٌ وحيد في كل الأنوية المعروفة كما أشارت له سافرونوفا: «شيءٌ غريبٌ عن الطبيعة». يحتوي نوع من عنصر الثوريوم Thorium يسمى الثوريوم-229 على زوجٍ من مستويات الطاقة المتقاربة في الطاقة كفايةً بحيث يمكن أن يؤدي الليزر الاعتيادي إلى إحداث انتقال.

شخصت القياسات الحديثة طاقة ذلك الانتقال بدقة أكبر، وهي خطوة حاسمة نحو بناء ساعة الثوريوم النووية. كما ورد في دورية Nature في عام 2019، بإن ثيرولف وزملاؤه قَدَروا طاقة الانتقال عن طريق قياس الإلكترونات المنبعثة عندما تتنقل النواة بين المستويين. وفي ورقة بحثية نُشرت عام 2020 في دورية Physical Review Letters، قاسَ الفيزيائي أندرياس فليشمان Andreas Fleischmann وزملاؤه الانتقالات الطاقية الأخرى التي يمكن أن تحدثها نواة الثوريوم، حيث طَرَحُها لاستنتاج طاقة الانتقال للساعة النووية.

قاست مجموعة من أجهزة الكشف شديدة الحساسية (الموضحة في صورة المجهر الإلكتروني الماسح بالألوان الزائفة) بقياس طاقة الضوء المنبعثة عندما انتقلت ذرات الثوريوم-229 بين مستويات الطاقة. سمحت هذه القياسات لأندرياس فلايشمان وزملائه بتقدير طاقة الانتقال التي يهدف الفيزيائيون إلى استخدامها لصنع ساعة نووية

يتفق الفريقان على أن طاقة الانتقال تزيد قليلًا عن 8 إلكترون-فولت. تتوافق هذه الطاقة مع الضوء فوق البنفسجي في نطاق يمكن من خلاله أن يبدأ الانتقال بالليزر، ولكن حسب حدود قدرات العلماء.

الآن يهدف الفيزيائيون بعد معرفتهم لمقدار طاقة الانتقال، إلى أثارتها باستخدام الليزر. أعلن الفيزيائي تشوانكون زانج Chuankun Zhang من معهد الأبحاث الوطني للمعايير والتكنولوجيا JILA في جامعة كولورادو بولدر خلال الاجتماع عن جهود لاستخدام مشط تردد Frequency Comb – طريقة لإنشاء مجموعة من الترددات المنفصلة لضوء الليزر – لبدء الانتقالات وقياس طاقتها بشكل أفضل. مُضيفًا: «إذا نجحت هذه العملية، فيمكننا مباشرةً بناء ساعة ضوئية تعتمد على الطاقة النووية». يعمل فريق ثيرولف أيضًا مع أمشاط التردد بهدف الحصول على ساعة نووية عاملة خلال السنوات الخمس المقبلة.

وفي الوقت نفسه، تبحث بالفيك في استخدام ما يسمى بـ«الجسر الإلكتروني Electronic Bridge». كما أفادت بالفيك خلال الاجتماع: «بدلًا من استخدام الليزر لبدء انتقال الطاقة مباشرةً بواسطة النواة، فإن الليزر سيثير أولًا الإلكترونات والتي ستنقل الطاقة بعد ذلك إلى النواة».

تتيح الساعات النووية للباحثين ابتكار اختبارات جديدة لتحديد ما إذا كانت الثوابت الأساسية للطبيعة تتغير بمرور الزمن. مثلًا، اقترحت بعض الدراسات أن ثابت البناء الدقيق Fine-Structure Constant وهو ثابت ربط يعين شدة التآثر الضعيف أو التآثر الكهرومغناطيسي يمكن أن يتغير. قال فيكتور فلامباوم Victor Flambaum من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني خلال الاجتماع: «تعد الساعة النووية نظام مثالي للبحث عن التغيير في الثوابت الأساسية». يمكن للساعة النووية أيضًا اختبار أساس نظرية النسبية العامة لأينشتاين المسمى «مبدأ التكافؤ Equivalence Principle». كذلك البحث عن المادة المظلمة وهي جسيمات مُحِيرة غير مُكتشفة يعتقد الفيزيائيون أنها مسؤولة عن معظم مادة الكون والتي يمكن أن تأثر على دقات الساعة.

إن إمكانات الساعات النووية واعدةٌ للغاية لدرجة أنه بالنسبة للفيزيائي فليشمان من جامعة هايدلبرغ في ألمانيا: «استغرق الأمر لحظة واحدة لكي نستقر على قرار معالجة مشكلة كيف يمكن للعلماء بناء ساعة نووية. وكان واضحًا من البداية أن مسألة الساعة النووية يجب العمل عليها».

المصادر: 1