من بنى الأهرامات المصرية؟

ليسوا كائنات فضائية ولا من مدينة أتلانتس «المفقودة».

أهرامات مصر هي أعجوبة أثرية، ترتفع فوق رمال الصحراء ويمكن رؤيتها من مسافةِ أميال. بناء هذه الأهرامات بلا شك مهمة ضخمة، فمن بناها؟

العديد من النظريات تتحدث عن من بنى أهرامات مصر، وإحداها تقول أن مجموعات من اليهود المستعبدين وهناك نظريات أكثر غرابة مثل سكان مدينة أتلانتس «المفقودة» أو حتى كائنات فضائية. لكن ليس لأيٍ من هذه النظريات دليل يدعمها.

لا يمكن أن يكون العبيد اليهود قد شيدوا الأهرامات، فلم يُعثر على بقايا أثرية يمكن ربطها مباشرة بالشعب اليهودي في مصر والتي تعود إلى ما قبل 4500 عام، حيث بُنيت أهرامات الجيزة، وذلك بحسب ما كشفته الأبحاث الأثرية. أما القصة الواردة في الكتاب المقدس العبري عن عبيد اليهود في مصر وتشير إلى مدينة «رمسيس». فإن مدينة تسمى بر رمسيس تأسست خلال الأسرة التاسعة عشرة (قرابة 1295-1186 قبل الميلاد) وسميت تيمنًا برمسيس الثاني الذي حكم من 1279-1213 قبل الميلاد. وبُنيت هذه المدينة بعد انتهاء عصر بناء الأهرامات في مصر.

كتب عالما الآثار إسرائيل فينكلشتاين Israel Finkelstein ونيل آشر سيلبرمان Neil Asher Silberman في كتابهما: «لا نملك أي دليل أو حتى كلمة واحدة عن الإسرائيليين الأوائل في مصر، لا في النقوش الضخمة على جدران المعابد ولا في نقوش القبور ولا في البرديات».

اكتشاف الكتاب المقدس رؤية جديدة لعلم الآثار لإسرائيل القديمة وأصل نصوصها المقدسة «(ذا فري بريس، 2001) The Bible Unearthed: Archaeology’s New Vision of Ancient Israel and the Origin of its Sacred Texts» (The Free Press, 2001).

وغير ذلك، لم يُعثر على أي دليل أثري على مدى العصور عن مدينة أتلانتس المفقودة ويعتقد العديد من العلماء أنها قصة خيالية. أما بالنسبة للكائنات الفضائية، فهذه الفكرة بعيدة عن هذا العالم.

يقول علماء المصريات إن كل الأدلة تشير في الواقع إلى أن المصريين القدماء هم من بنى الأهرامات. لكن كيف عاش بناة الأهرام، وكيف عُوضوا وكيف عولجوا، هذا لغزٌ لا يزال الباحثون يبحثون عنه.

الأهرامات وبنّاؤها

يوجد في مصر أكثر من 100 هرم قديم، لكن أشهرها هو هرم المدرج، الذي بُني في عهد الفرعون زوسر Djoser (قرابة 2630-2611 قبل الميلاد)، وأول هرمٍ حقيقي ذو جوانب ناعمة بُني في عهد الفرعون سنفرو Snefru (قرابة 2575-2551 قبل الميلاد)، كتب مارك لينر Mark Lehner في كتابه «الأهرامات الكاملة: حل الألغاز القديمة The Complete Pyramids: Solving the Ancient Mysterie» (Thames & Hudson ، 2008).

بُني الهرم الأكبر في الجيزة في عهد الفرعون خوفو Khufu (قرابة 2551-2528 قبل الميلاد)، كما بنيت أهرامات في الجيزة في عهد اثنين من خلفائه، خفرع Khafre (قرابة 2520-2494 قبل الميلاد) ومنقرع Menkaure (قرابة 2490-2472 قبل الميلاد).

أشار لينر في كتابه إلى أن الفراعنة توقفوا تدريجيًا عن بناء الأهرامات خلال عصر الدولة الحديثة (1550-1070 قبل الميلاد)، واختاروا بدلًا من ذلك أن تُدفن في وادي الملوك، الذي يقع على بعد ما بقارب 300 ميل (483 كم) جنوب الجيزة. على مدى العقود القليلة الماضية، وجد علماء الآثار أدلةً جديدةً عن من هم بناة الأهرامات وكيف عاشوا.

تشير السجلات المكتوبة الباقية، بما في ذلك أوراق البردي التي اكتشفت في عام 2013 في وادي الجرف على ساحل البحر الأحمر في مصر إلى أن مجموعات كبيرة من العمال تُترجم أحيانًا على أنها «عصابات» ساعدوا في جلب المواد إلى الجيزة. وجِدت البرديات في وادي الجرف وتحكي عن مجموعة من 200 رجل يرأسها مفتش يُدعى ميرير. نقلت مجموعة العمال الحجر الجيري بالقوارب على طول نهر النيل مسافة 11 ميلًا (18 كيلومترًا) من طرة إلى الهرم الأكبر، حيث استُخدم الحجر لبناء الغلاف الخارجي للنصب التذكاري.

افترض علماء مصريين في الماضي أن بناة الأهرام هم عمال زراعيين موسميين وصلوا إلى مرحلة في ذاك العام كانت الأعمال الزراعية ضئيلة. وما زالت هذه الأطروحة قيد التباحث للتحقق من صحتها. كما أن أوراق البردي وضحت تفاصيل تاريخ الهرم ما تزال في طور فك شفرتها وتحليلها، لكن النتائج تشير إلى أن العصابة التي يقودها ميرير قامت بما هو أكثر من مجرد المساعدة في بناء الهرم. يبدو أن هؤلاء العمال سافروا عبر معظم أنحاء مصر، وربما حتى صحراء سيناء ونفذوا العديد من مشاريع البناء والمهام التي كُلفوا بها. وهذا يثير تساؤلًا حول ما إذا كانوا جزءًا من قوة مهنية أكثر ديمومة بدلًا من كونهم مجموعة عمال زراعيين موسميين يعودون إلى حقولهم.

قال بيير تاليت Pierre Tallet، أستاذ علم المصريات في جامعة باريس السوربون Paris-Sorbonne University الذي يعمل على فك رموز البرديات والقائد المشارك للفريق الذي عثر عليها، إنه وفقًا للبرديات، قُدِم للعمال نظامًا غذائيًا يشمل التمر والخضروات والدواجن واللحوم. وفي حديثه مع لايف ساينس Live Science قال: «بالإضافة إلى النظام الغذائي الصحي، أن أعضاء فريق العمل حصلوا على المنسوجات التي ربما كانت تُعتبر نوعًا من المال في ذلك الوقت».

وقال مارك لينر Mark Lehner، مدير مؤسسة أبحاث مصر القديمة (AERA)، وهو معهد أبحاث مقره ماساتشوستس: «إن كبار المسؤولين الذين شاركوا في بناء الأهرام ربما تلقوا منحًا من الأرض». تظهر السجلات التاريخية أنه في بعض الأوقات في تاريخ مصر مُنِحت الأراضي إلى المسؤولين. ومع ذلك، من غير المعروف ما إذا كانت مُنح الأراضي قُدِمت أيضًا للمسؤولين المعنيين ببناء الهرم.

نقب فريق لينر عن مدينة في الجيزة كان يعيش فيها ويتردد عليها بعض العمال الذين كانوا يبنون هرم منقرع. وحتى الآن، وجد علماء الآثار أدلةً على أن السكان القدامى لهذه المدينة كانوا يخبزون كمياتٍ كبيرة من الخبز ويذبحون آلاف الحيوانات ويصنعون كميات كبيرة من البيرة. بالاعتماد على عظام الحيوانات الموجودة في الموقع، مع مراعاة الاحتياجات الغذائية للعمال، قدر علماء الآثار أن حوالي 4000 رطل (1800 كيلوجرام) من الحيوانات بما في ذلك الماشية من خرفان وماعز كانوا يذبحون كل يوم في المتوسط لإطعام العمال.

تظهر رفات العمال المدفونين في مقابر بالقرب من الأهرامات أن عظام العمال موضوعة بشكلٍ صحيح مما يشير إلى أنهم تلقوا الرعاية الطبية المتاحة في ذلك الوقت. أدى النظام الغذائي الغني لبناة الأهرام جنبًا إلى جنب مع الأدلة على الرعاية الطبية وتلقي المنسوجات كشكلٍ من أشكال الدفع، إلى أن يتفق علماء المصريات عمومًا على أن العمال ليسوا عبيدًا.

لكن هذا لا يعني أن جميع العمال حصلوا على مساكن متساوية. تظهر الحفريات التي أجرتها مؤسسة أبحاث مصر القديمة أن بعض كبار المسؤولين كانوا يعيشون في منازل كبيرة ولديهم أفضل قطع اللحم. في المقابل يشتبه لينر في أن العمال ذوي الرتب الدنيا كانوا ينامون على الأرجح في مساكن بسيطة أو «أكواخ» في الأهرامات نفسها.

المصادر: 1