خطر الديفيتريا (مرض الخِناق) يعود من جديد!

يبدو أن الأيام السيئة لن تتوقف عند فيروس كورونا المُستجد فقط، فهناك بكتريا الآن أصبحت مُقاومة للعديد من أنواع المضادات الحيوية؛ وهذا يُشكل خطر كبير جدًا علينا وعلى وجودنا علي سطح الأرض، حتى البكتيريا التي كان باستطاعتنا منعها من الانتشار أصبحت تهديد كبير لنا الآن.

فريق دولي من الباحثين من المملكة المُتحدة ومن الهند يُحذروا العالم أن بكتريا الديفيتريا أو ما تُسمى باسم الخِناق؛ والتي كان باستطاعتهم إيقاف انتشارها بسهولة، تطورت الآن وأصبحت مُقاومة لعدد كبير من أنواع المُضادات الحيوية؛ ومن الوارد أنها في المُستقبل ستكون حتى مُقاومة للقاح الخاص بها.

يقول الباحثون أن فيروس كورونا المُستجد أثّر بشكل كبير على جداول تطوير اللقاحات الأخرى؛ ومن ضمنها لقاح الديفيتريا، والآن مع إزدياد الحالات المصابة بها فهذا يُزيد من فرص أنها قد تتحول مرة أخرى إلى تهديد عالمي.

ولكن أولًا دعنا نعرف ما هي الديفيتريا (الخِناق) ؟

هي بكتريا شديدة العدوى والانتشار تُأثر على الأنف والحلق وفي بعض الأحيان الجلد، وإذا تُركت من غير علاج يمكن أن تكون قاتلة، في بريطانيا والدول ذات الدخل القومي المرتفع؛ يأخذ الأطفال حديثي الولادة لقاح ضدها، ولكن في الدول النامية فإن البكتريا مازالت تستطيع أن تُسبب عدوى والانتشار فيها.

عدد الحالات المصابة بها تزداد تدريجيًا على مستوى العالم، ففي عام 2018 كانت عدد الحالات المبلغ عنها مايقرب 16651 حالة، وهذا العدد هو ضعف مُتوسط عدد الحالات من عام 1996 إلي عام 2017 والذي بلغ فيه عدد الحالات نَحْوُ 8105 حالة فقط.

الديفيتريا أو مرض الخِناق يحدث بسبب بكتريا تسمى Corynebacterium Diphtheria؛ وتنتشر عن طريق السعال أو العطاس أو التعامل مباشرةً مع شخص مصاب بها.

في مُعظم الحالات تُسبب البكتريا عدوى حادة عن طريق السُم الخاص بها (يُعتبر السُم هو الهدف الرئيسي للقاح) ولكن للأسف يوجد نوع منها لا يُخرج سُم وهو يُسبب عدوى في جميع أنحاء الجسم وفي كل أجهزة الجسم.

نشرت الدراسة في ناتشر كومونيكاتيونس Nature Communications، واستخدم الفريق التسلسل الجيني لتتبع العدوى، وشمل ذلك مجموعة من الهند حيث حدث فيها مايقرب نصف أعداد الحالات المصابة بالديفيتريا على مستوى العالم في عام 2018.

بتحليل التسلسل الجيني ل 61 بكتريا معزولة من المرضى ودمجها مع 441 بكتريا مُتاحة للعامة، أستطاع الباحثون بناء شجرة جينية، لكي يستطيعوا معرفة كيف ترتبط العدوى وكيف تنتشر، واستخدموا هذه المعلومات أيضًا ليُقيموا وجود جينات مُقاومة للمُضادات الحيوية؛ ويُقيموا التباين والاختلاف في السُم.

وجد الباحثون مجموعات لبكتيريا متشابهة وراثيًا معزولة من قارات مُتعددة، أغلبيتها من أوروبا وآسيا، وهذا يُوضح أن هذه البكتريا كانت موجودة في الإنسان منذ قرابة قرن من الزمان؛ وانتشرت علي مستوى العالم بسبب هجرة الناس وانتقالهم من مكان لمكان ومن قارة لأخرى.

السبب الرئيسي المُسبب للمرض بواسطة هذه البكتريا هو السُم الخاص بها؛ والذي يُعتبر الهدف الرئيسي للقاحات، ولكن الباحثون وجدوا 18 نوع مُختلف من الجين المسئول عن تكوين السُم، وهذا يسمح للعديد من البكتريا أن تُغير من بنية تركيب السُم.

يقول البروفيسور جوردون دوجان Gordon Dougan من معهد كامبريدج للعلاج المناعي والأمراض المعدية: «لقاح الديفيتريا مُصمم ليعادل السُم الذي يخرج منها، لذا فإن أي تغير في التسلسل الجيني الخاص بهذا السُم؛ سوف يُأثر بشكل كبير على فعالية اللقاح الذي بين أيدينا، ولكن حتى الآن المعلومات التي بين أيدينا لا تُبين أن اللقاح الحالي سيكون غير فعّال، الحقيقة أننا الآن نرى تنوع كبير في أنواع السُم وهذا بالضرورة يقودنا إلى أن اللقاح والعلاج الذي يستهدف هذا السُم في حاجة إلي التطور ليواكب تغيرات السُم».

يُمكن أن نعالج هذه الحالة بواسطة عدد كبير من المُضادات الحيوية، ولكن التقارير الأخيرة تُشير إلى أن البكتريا أصبحت مُقاومة للعديد من المُضادات الحيوية، ولكن إلي أي مدى وصلت هذه المُقاومة فنحن مازلنا لا نعرف هذا بشكل كبير .

عندما دقق الباحثون النظر في الجينات التي قد توفر مُقاومة للبكتريا ضد المُضادات الحيوية، وجد الباحثون شيء خطير جدًا؛ وهو أن عدد الجينات التي توجد في التسلسل الجيني والذي يوفر مُقاومة ضد المُضادات الحيوية يزداد كل عقد من الزمان؛ وهذا أمر في غاية الخطورة.

الجينات التي توفر مُقاومة للمُضادات الحيوية والتي أُخذت من بكتريا في آخر عقد (من عام 2010 إلى عام 2018 ) كانت أعلى متوسط للجينات المُقاومة في التسلسل الجيني، وكانت قرابة أربع مرات ضعف أعلى مُتوسط سابق والذي كان في تسعينات القرن الماضي .

وأشار روبرت ويل Robert Will وهو مشارك في الدراسة: «التسلسل الجيني للديفيتريا متنوع ومُعقد جدًا ، ورأينا أن الديفيتريا اكتسبت مُقاومة لبعض المُضادات الحيوية التي لا تُستخدم أساسًا في علاجها، لذا فلا بد من وجود عوامل أخرى تُأثر في هذه القصة، مثل العدوى التي لا يظهر على الشخص أعراض منها أو تناول الكثير من المضادات الحيوية التي ليس لها علاقة بعلاج الديفيتريا»( نبهنا كثيرًا أن المُضاد الحيوي لا بد أن يكون تحت إشراف طبيب … ).

مُضاد حيوي مثل Erythromycin و Penicillin هما المُضادان الحيويان اللذان يستخدمان في علاج المراحل الاولى لهذه الحالة، وأيضًا يوجد العديد من أنواع المضادات الحيوية الأخرى التي يُمكن استخدامها في العلاج، حدد فريق الباحثين أن البكتريا أصبحت مُقاومة ل 6 أنواع من المُضادات الحيوية؛ والبكتريا كانت من العقد الماضي (من 2010 إلي 2019) وهذا أكثر من أي عقد آخر.

أوضح الدكتور بانكاج بهاتناغار Pankaj Bhatnagar من منظمة الصحة العالمية فرع الهند: «الديفيتريا لم تكن مُشكلة في مُقاومة المُضادات الحيوية، ولكن في بعض المناطق اكتسبت هذه المقاومة، ولا بد من وجود أسباب لذلك، مثل تناول المُضادات الحيوية بكثرة؛ أو في الحالات التي لا يظهر عليها أعراض أو تناول مُضادات حيوية لأمراض أخرى غير الديفيتريا».

يقول الباحثون أن فيروس كورونا المُستجد أثّر على جدول تطعيمات الأطفال علي مُستوى العالم ، ونتج عنه زيادة الحالات المصابة، وعام 2018 أظهر أكبر مُعدل للاصابات بالديفيتريا في خلال ال 22 عام الماضيين.

وشرح الدكتور أنكور ماتريجا، Ankur Mutreja وهو مؤلف الدراسة: «من المهم جدًا فهم كيف تطورت الديفيتريا وكيف تنتشر، والتسلسل الجيني الآن يُعطينا ميزة معرفة ومُلاحظة تطورها في الواقع، وهذا يسمح للمُنظمات الصحية أن تأخذ حذرها قبل فوات الآوان».

ويُضيف قائلًا «لا بد أن لا نغفل عن الديفيتريا، وإلا ستصبح خطر كبير مرة أخر علي مُستوي العالم وسيكون بشكل أكثر فَتكًا هذه المرة».

يبدو أن الفترة القادمة سوف نمر بالعديد من المحن والأزمات التي ستُأثر علينا بشكل كبير جدًا، وستهدد وجودنا على هذا الكوكب، من إنتشار لفيروسات وأمراض جديدة؛ ومن انتهاز الأمراض القديمة الفرصة ومُعاودة المُحاولة للظهور مرة أخرى، كل ذلك يُبين لنا حقيقة واحدة ألا وهي «العلم هو مُفتاح حل جميع هذه الأزمات».

المصادر: 1