[the_ad_placement id="scine_before_content"]

كيف أطلق فيروس كورونا المُستجَّد العنان للقاحات الرنا RNA؟

قد تُؤدّي التكنولوجيا إلى ثورةٍ من الاجتهادات تهدف إلى التحصين ضد مرض نقص المناعة المُكتسبة، والملاريا، والانفلونزا، وأكثر.

كانت ظهيرة يوم الجمعة من آذار/مارس عام 2013، عندما جاء اتصال إلى العالِم آندي جيل Andy Geall, لإبلاغه بإصابة ثلاثة أشخاص في الصين بعدوى نَجَمَت عن سُلالة جديدة من إنفلونزا الطيور. حيث أراد الرئيس العالمي لأبحاث اللقاحات بشركة نوفارتس، رينو رابيولي Rino Rappuoli, معرفة ما إذا كان العالِم Geall وزملاؤه جاهزين لِوَضع تقنية اللقاح الجديدة الخاصة بهم تحت الاختبار أم لا.

قبل ذلك بعام، قام فريق العالم Geall بمركز نوفارتس البحثي في الولايات المتحدة في كامبريدج، وخصيصًا في ماساتشوستس، بتغليف سلاسل من نيوكليتيدات الرنا RNA داخل قطرات دهنية صغيرة تُعرَف بجزيئات النانو الدُهنية أو (LNPs)، واستخدمت بنجاحٍ في تلقيح الفئران ضد فيروس يُصيب الجهاز التنفسي.

ومن هنا، هل يستطيع العلماء الآن القيام بنفس الشئ لسلالة الانفلونزا؟ وهل يستطيعون القيام به بأقصى سرعة ممكنة؟

قال العالم Geall، رئيس مجموعة الرنا RNA: «لقد قلت، نعم بالتأكيد. فقط أرسِل لنا التتابُع». وفي يوم الإثنين بدأ العلماء بتصنيع الرنا RNA. وفي يوم الأربعاء كان العلماء يقومون بتجميع اللقاح. ومع نهاية الأسبوع كانوا يختبرونه داخل الخلايا. وبعد مرور أسبوعٍ آخر جُرب على الفئران. حدث التطوير بسرعةٍ فائقة حيث حَقَّق فريق نوفارتس خلال شهرٍ واحدٍ فقط ما هو مُفترَض أن يُحقَق في عامٍ أو أكثر. ولكن في هذا الوقت القدرة على الوصول إلى الدرجة السريرية للرنا RNA كانت محدودة. فلم يَستَطِع Geall وزملاؤه أبدًا اكتشاف ما إذا كان هذا اللقاح ولقاحاتٍ عديدة أخرى طورت ستنجح على البشر. لكن في عام 2015 قامت نوفارتس ببيع نشاط اللقاحات الخاص بها. بعد مرور خمس سنوات ووباء عالمي واحد تُثْبِت لقاحات الرنا جدارتها.

في ديسمبر عام 2020 فازا لقاحان للرنا أحدهم من إنتاج شركة فايزر الدوائية في الولايات المتحدة وشركة بيونتك بماينز في ألمانيا والآخر من إنتاج شركة مودرنا بماساتشوستس في كامبريدج بموافقة عاجلة من المُنظِّمين في الكثير من دول العالم لمحاربة مرض الكوفيد-19.

حُقبة لقاحات الرنا قد وصلت وتشارك بها عشرات الشركات. فقال جيفري ألمر Jeffrey Ulmer الرئيس السابق للتطوير والأبحاث ماقبل السريرية بقسم اللقاحات في شركة جلاكسو سميث لين بروكفيل في ميرلاند وقبل ذلك كان عضوٌ في فريق Geall بنوفارتس: «كل شركات الأدوية الكبيرة بطريقةٍ أو أخرى تقوم بتَجربة التقنية». وفكرة استخدام الرنا في اللقاحات قائمة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.

وبطرق أكثر انسيابية من الطرق التقليدية تسمح التقنية الجينية للباحثين بالتَتبُّع السريع لكثيرٍ من مراحل أبحاث وتطوير اللقاح. والاهتمام الشديد الآن قد يقود إلى حلولٍ للأمراض المُستعصية خاصةً كمرض السل، ونقص المناعة المكتسبة، والملاريا. والسرعة التي تُصنع بها قد تُحسِّن من لقاحات الإنفلونزا الموسمية.

ولكن التطبيقات المستقبلية للتقنية ستكون ضد بعض التحديات. فالمواد الخام غالية، والأعراض الجانبية قد تؤدي إلى مشاكل أخرى. أيضًا عملية التوزيع حاليًا تتطلّب سلسلة تبريد مُكلفة للغاية. فلقاح الكوفيد الخاص بشركتي فايزر وبيونتك لابد أن يُحفَظ في درجة تجميد -70°C. والعجلة على لقاح الكوفيد قد تُسرِّع من التقدم في إيجاد حلٍ لهذه المشاكل. لكن قد تؤجل الكثير من الشركات الاستراتيجية عندما تهدأ الكارثة الحالية، ولكن يبقى السؤال: متى ستنتهي؟

تحدّث فيليب دورميتزر Philip Dormitzer، رئيس بحوث اللقاحات الفيروسية بفايزر، وزميل سابق بفريق Geall بنوفارتس قائلًا: «لقد أثبتت تقنية الرنا ذاتها، ولم تنتهي بعد. والآن عند رؤيتنا لها تعمل للكوفيد-19، تجذب الرغبة لفعل ما هو أكثر».

جزيئات صغيرة، وتَقدُم كبير

تُدرِّب اللقاحات الجسد على التعرّف على مُسببات الأمراض وتدميرها. وعادة، تُحقَن الكائنات المُمرِضة الضعيفة، أو أجزاء البروتينات، أو السكريات الموجودة على سطحها، والتي تُعرَف بالمُستَضدات داخل الجسد، وذلك لتدريب جهاز المناعة على التعرف على المُهاجِم. لكن لقاحات الرنا تحمل فقط تعليمات إنتاج بروتينات المُهاجِم. والهدف هو أن اللقاحات تتسلل إلى خلايا الإنسان وتَحُثَهم على إنتاج المُستضدات، وتحويل الجسد إلى مصنع تلقيح خاص به.

فكرة التلقيح المُعتمِدة على الرنا تعود إلى عام 1990، وذلك عندما استخدم باحثون في فرنسا (شركة سانوفي باستير للأدوية حاليًا) لأول مرة جزئ رنا يحمِل شفرة مُستضَد الإنفلونزا في الفئران. ونتج عن ذلك استجابة، ولكن جهاز التوصيل الدهني الذي استخدمه العلماء كان سامٌ جدًا، ولا يصلح استخدامه مع البشر. وتطلب عَقدٌ آخر لكشف الشركات الباحثة عن علاجات تداخل الرنا (أي تعتمد على قدرة الرنا على منع إنتاج بروتينات محددة بصورة اختياريه) تقنيات جزيئات النانو الدهنية، التي تجعل إنتاج لقاحات الكوفيد-19 اليوم مُمكنة.

تحدّث نيك جاكسون Nick Jackson، رئيس البرامج والتقنيات الابتكارية بمؤسسة تحالُف الابتكار والتأهُب الوبائي بأوسلو، وهي مشاركة عالمية لتسريع عملية تطوير اللقاحات قائلًا: «وأخيرًا كان الإنجاز؛ وكانت هذه نقطة التحوّل التي سمحت بتطبيق الرنا الرسول (mRNA) على مدى كبيرٍ من المؤشرات المرضية».

في عام 2012 وخلال توصيف العالم Geall وزملاؤه أول لقاح رنا RNA مُغلَّفٍ بجزيئات النانو الدهنية، بدأت وكالة مشاريع البحوث المتطوِّرة الدفاعية «داربا» مجموعات التمويل في كل من شركة نوفارتس، وفايزر، وأسترازينكا، وسانوفي باستير، وشركات أخرى للعمل على لقاحات الرنا والعلاجات أيضًا. وبالرغم من ذلك، لم تتورط أي من هذه الشركات الكبيرة مع هذه التقنية. وتحدّث المدير السابق للبرنامج بداربا قائلًا: «لقد كانوا متحفظين بشأن تحمُّل أي مخاطر بالمسار التنظيمي الجديد للقاحات رغم أن المعطيات كانت جيدة».

لكن كانت هناك شركتان صغيرتان على صلة ببرنامج داربا استمرتا بالعمل على هذه التقنية. إحداهما كانت شركة كيورفاك في مدينة توبينغن الألمانية والتي بدأت الاختبارات البشرية للقاحات فيروس داء الكلب في عام 2013، وكيورفاك هي التي تمتلك لقاح للكوفيد-19 في مرحلة متقدمة من الاختبار.

والشركة الآخرى كانت موديرنا، وبناءً على العمل المُمَوَّل بواسطة داربا أنتجت لقاحًا مُعتمِدًا على الرنا ضد سلالة جديدة من إنفلونزا الطيور، والذي وصل في النهاية إلى مرحلة الاختبار السريري في أواخر عام 2015. وأثار اللقاح استجابات مناعية قوية بدرجة كافية حتى تنطلق الشركة للأمام بتجارب بشرية للقاحات الرنا ضد كلًا من الفيروس المضخم للخلايا «Cytomegalovirus»؛ والمُسبِب الشائع للعيوب الخُلقِية، واثنين من الفيروسات التي يحملها البعوض وهما فيروس زيكا «Zika»، وفيروس شيكونغونيا «Chikungunya». وأيضًا ثلاثة مُسببات فيروسية للأمراض التنفسية لدى الأطفال.

أيضًا بدأت شركة جلاكسو سميث كلين والتي امتلكت معظم أصول لقاح شركة نوفارتس، تقييم لقاح مُعتمِد على الرنا لفيروس داء الكلب في عام 2019.

وكان المدى الكامل للتطوّر السريري للقاحات الرنا في بدايات عام 2020, هو تجربة عشرة لقاحات فقط على البشر؛ اثنان منهم تم إيقافهم بسرعة خلال التجارب الأوَليّة, وتقدّم واحد فقط ضد الفيروس المُضخِّم للخلايا إلى دارسة متتابعة أكبر.

ثم جاء بعد ذلك فيروس كورونا ومن خلاله «,كان هناك هذا الضوء الهائل» كما قال كريستي بلوم Kristie Bloom باحث العلاج الجيني بجامعة Witwatersrand من جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا. وفي خلال العشرة أشهر الأواخر بعام 2020 دخلت على الأقل ستة لقاحات رنا ضد الكوفيد-19 مرحلة الاختبارات البشرية. ويقترب العديد أكثر إلى الوصول إلى العيادات الطبية.

الحاجة إلى السرعة

يبدو أن لقاحات الرنا صُمِّمَت للسرعة يستطيع الباحثون بشكلٍ سريع ازالة قطعة من التتابع الجيني الخاص بالكائن المُمرِض ترمز إلى المُستضّد وادخال التتابع في نموذج الحمض النووي ثم تصنيع جزئ الرنا المُتناظر قبل تغليف اللقاح لإيصاله إلى داخل الجسم.

وشركة موديرنا على سبيل المثال قامت بكل هذا في خلال أربعة أيامٍ فقط من استلام التتابع الجينومي لفيروس كورونا المُستجد. وركزت على البروتين الشوكي الخاص بالفيروس وهو بروتين يوجد على سطح الفيروس ويُستخدم لدخول الخلايا. وبالتعاون مع المعهد القومي للصحة في الولايات المتحدة أجرَت الشركة بعد ذلك تجاربًا على الفئران لإثبات فكرتهم قبل انطلاق أول اختبار على الإنسان وذلك في غضون شهرين فقط.

ونظريًا قد يُصنَّع أي لقاح بنفس الطريقة. «إنه حقًا المنهاج من هذا المنطلَق» كما قال جون شيفر John Shiver رئيس بحوث وتطوير اللقاحات في شركة سانوفي باستير مُضيفًا: «ليس هناك حاجة لإعادة خلق العملية كاملة» وذلك بوجود الرنا.

وعلى النقيض تتطلّب المقاربات الكلاسيكية لتصنيع اللقاح خطوات مُفصلة باهظة الثمن، ومُستهلِكة للوقت، وذلك لكل مُرشح.

وتساعد ضعف الكفاءة هذه على فهم لماذا يجب على سلطات الصحة أن تختار السلالات التي ستستخدم في اللقاح السنوي للإنفلونزا الموسمية قبل موسم الإنفلونزا بشهور.

وعادةً ما تُخطئ هذه الاختيارات ولا يوجد هناك وقت للرجوع واختبار بديل آخر. ونتيجة لذلك قَلّما تصل فعالية لقاحات الإنفلونزا لأكثر من 60%.

وعلى الرغم من ذلك بواسطة الرنا يستطيع صانعي اللقاحات أن يتوصلوا بسرعةٍٍ أكبر إلى اختيارٍ فعالٍ للمستضدات.

تحدّث رون رينود Ron Renaud l الرئيس التنفيذي لترانسليت بيو وهي شركة تقع في مدينة ليكسينجتون في الولاية الأمريكية ماساتشوستس ويرتكز نشاطها على الرنا وتعمل مع شركة سانوفي باستير على اللقاحات المعتمدة على الرنا لمرض الإنفلونزا والكوفيد-19 ولقاحات فيروسية وبكتيرية عديدة أخرى، قائلًا: «نظريًا قد تستطيع التحرك بسرعة كبيرة لتعديل التتابع وتعالجه بسرعة فائقة».

بفضل وظائف التوصيل والتشغيل قد تساعد لقاحات الرنا عملية البحث الأساسي.

يعمل مُتخصص اللقاحات جوستين ريشنر Justin Richner في كلية الطب في جامعة إلينوي illinois في مدينة شيكاغو على تطوير لقاح رنا لمرض حمى الضنك في مَعملِه الخاص. حيث يقوم ريشنر وزملاؤه بشكلٍ روتيني بقطع وتغيير التتابع الجيني الحامل لشفرة الغلاف البروتيني الذي يستخدمه الفيروس ليبدأ الهجوم على الخلايا البشرية. وبإعادة التصميم الخاص بهم اختبر الباحثون ما يقرب من خمسة عشر لقاح في الفئران.

وقال ريشنر: «من السهل جدًا التلاعب بالتتابع التشفيري للقاح لتجربة فرضيات وإستراتيجيات جديدة لإنتاج لقاحات أكثر كفاءة».

كُنوزٌ أخرى

تَطوُّر التكنولوجيا يساعد الباحثين الآن على الاقتراب من بعض الكؤوس المُقدَّسة لتطوير اللقاحات مثل لقاح الإنفلونزا الشامل الذي سيعمل ضد أي سلالة من الفيروس بدون إعادة تصميم لقاح جديد كل عام. وأيضًا يتطلّع آخرون إلى جرعاتٍ ضد فيروس نقص المناعة البشرية HIV وغيره من الأمراض الأكثر فتكًا في البلدان ذات الدخل المنخفض. وعادةً ما رَاوغَت لقاحات كهذه العلماء بسبب الطريقة التي تبدِّل بها الكائنات المُمرضة بشكلٍ مُنظّم بروتينات السطح لتتجنَّب تَعرُّف جهاز المناعة عليها. وبعض الكائنات المُعدِية كالملاريا لديها دورات حياة معقدة تُزيد من تعقيد عملية انتقاء المستضدات.

قد تحوي لقاحات الرنا تعليمات لمُستضدات متعددة، إما أن تكون مُرتَّبة معًا في شريطٍ واحد أو أشرطة رنا متعددة مُغلّفة معًا في جُسيم نانوِّي وحيد.

استخدم عالِم اللقاحات نوربرت باردي Norbert Pardi في كلية الطب من جامعة بنسلفانيا بريلمان في فلادلفيا النهج الأخير لتجربته على لقاح الإنفلونزا. صُنِع من أربعة أشرطة رنا، كل شريط يحمل شفرة لبروتين إنفلونزا مختلف. وقام هذا اللقاح المتعدد بحماية الفئران بنجاحٍ من العدوى بنوعٍ مُحدّد من فيروس الإنفلونزا.

والآن يأمل العالم باردي ومعاونيه في مدرسة أيكاهن للطب في ماونت سيناي في مدينة نيويورك بتكرار التجربة على نوعين آخرين أساسيين من الفيروسات قبل وضع كل شئ معًا في جرعة لقاح إنفلونزا واحدة مُكوّن من 12 شريطًا والذي قد يَلغي الحاجة إلى التطعيم السنوي. وقال باردي: «لو أصبت الفيروس في عدة نقاط قد تُحفّز إستجابات مناعية وقائية على نطاق واسع».

الثبات والأمان

على الرغم من مزاياها العديدة المُحتمَلة تترك تقنية لقاح الرنا مجالًا للتطوير والتحسين. وذكر روبن شاتوك Robin Shattock متخصص المناعة من جامعة لندن الإمبريالية قائلًا: «هذه التقنية مازالت في مرحلة مُبكرة جدًا وأظن أننا سنرى العديد من الأجيال والتكرارات في خلال السنين القادمة».

أولًا هناك مشكلة التخزين البارد. فلقاحات كلٍ من فايزر بيونتك وموديرنا تتطلب درجات حرارة باردة للحفاظ على تماسك الحمض النووي الخاص بهم. ولكن تزعم شركتان على الأقل امتلاك لقاحات رنا للكوفيد-19 ثابتة لشهور في درجات الحرارة الدافئة.

وذكر كبير مسؤولي التكنولوجيا ماريولا فوتين مليشيك أن شركة كيورفاك والتي تستخدم نفس جزيئات النانو الدهنية مثل شركة فايزر بيونتك تَطوِي الرنا إلى هياكل ثلاثية الأبعاد مُدمَجة تسمح بالتخزين لمدة أشهر في درجات الحرارة الباردة. وشركة سوزهو أبوجين الصينية للعلوم البيولوجية التي تمتلك لقاح رنا للكوفيد-19 في مراحل مبكرة من الإختبار البشري تُركِز على جودة ونقاء جزئ النانو الدهني لتكوين منتج تبقى فعاليته حتى أسبوع في درجة حرارة الغرفة.

وهناك تحدٍّ آخر وهو أنه حتى الآن لقاحات الرنا المُختبَرة للإستخدام البشري ضد مرض الكوفيد-19 وأي مرضٍ آخر تتطلّب جُرعةً مُضاعَفةً لكي تكون فعالة. واستنادًا إلى الامتثال الضعيف بالجرعات المتعددة من اللقاحات فإن غالبية البشر الذين يحصلون على الجرعة الأولى من اللقاح من المحتمل ألا يحصلوا على الجرعة الثانية.

وقد يُعالِج هذا أنظمة توصيل جديدة. حيث طوّر الباحثون من شركة فاكسيس بكامبريدج في ولاية ماساشوستس الأمريكية، رقعة جلدية يمكن ارتداؤها ومُرصَّعة بإبر دقيقة وصغيرة ذات رأس حريري وقابلة للذوبان تُقطِّر اللقاح ببطء داخل الجسم. وتَناوُّل قطرات من اللقاح بدلًا من تناوله مرة واحدة قد يساعد على حل العائق الثالث وهو الآثار الجانبية. حيث ينتج ردود فعل شديدة وعلى الرغم من أنها سريعة الزوال إلا أنها تبدو أكثر شيوعًا في جرعات لقاح مرض الكوفيد-19 عن التحصينات الآخرى. فأكثر من 80% من الأشخاص الذين تلقوا لقاح شركة موديرنا في التجارب السريرية تعرضوا لنوع معين من الاضطراب الجهازي نتيجة للجرعة مع نوبات إرهاقٍ وآلام في العضلات وغيرها من المشكلات التي غالبًا ما أثبتت أنها مُنهِكة لفترة وجيزة. وذكر مُتخصص اللقاحات ستانلي بلوتكن Stanley Plotkin والذي استشير من قِبل شركات صناعة اللقاحات أن هذه الأعراض الكريهه قد تكون مقبولةً في ظل الوباء العالمي المُميت.

لكن قد يتردد بعض البشر في الشعور الروتيني بالمرض الشديد بسبب لقاح الإنفلونزا السنوي على سبيل المثال. وبالنسبة لأية لقاحات مُوَّجهة للأطفال الرُضَّع سيرغب المرء بالتأكيد في الحصول على شئ أقل تفاعلًا.

يُعتقَد أن المُلوّثات في عملية تصنيع اللقاحات ونظام توصيل جزيئات النانو الدهنية من المصادر الرئيسية للتفاعل. وأنظمة التنقية فقط جيدة جدًا لكنها ليست ممتازة ولا يمكن تحسين جزيئات النانو الدُهنية إلا كثيرًا. ولهذه الأسباب غالبًا ما يقوم صانعوا اللقاحات بإعطاء جرعات منخفضة للحد من تَعرُّض الشخص للملوثات في التصنيع ونظام توصيل جزيئات النانو. وبالطبع الجرعات القليلة من لقاح الرنا التقليدي تعني فاعلية أقل. ولكن ابتكرت شركات آخرى كشركة أركتورس للعلاجات بمدينة سانتياغو في كاليفورنيا، وشركة فاكس إيكوتي في لندن حلولًا بديلة عن طريق تكوين جزيئات رنا تتضخم ذاتيًا للقاحات مرض الكوفيد-19.

جُرعات صغيرة

على عكس لقاحات الرنا المُتصدِّرة والتي تحتوي على أكثر بقليلٍ من التتابع التشفيري للبروتين الشوكي الخاص بفيروس كورونا والمُحيط بها مناطق تنظيمية في كلا الطرفين. فهذه اللقاحات ذاتية التكرار تحتوي أيضًا على تعليمات للرنا حتى ينسخ نفسه. تعتبر تركيبات اللقاح أكثر صعوبةً وتتطلب مزيدًا من التحسين للتتابع وبراعة التصنيع ولكنها تسمح للشركات بتخفيض الجرعة. ويحاكي الرنا المُتضاعِف عن قُرب العدوى الفيروسية الطبيعية مُحفِزًا استجابةً مناعيةً أقوى وواسعة المدى، والذي قد يسمح بنُظُم تلقيح أُحادية الجُرعة.

كيف يمكن أن تعمل جزيئات الرنا بشكلٍ أقوى

تعمل لقاحات الرنا عن طريق خِداع خلايا الجسد لتُنتج جزء من الفيروس يُسمى المُستضد من قالب الرنا. والاستراتيجية الوحيدة لجعل اللقاحات أكثر فعاليةً في الجرعات المنخفضة أو الجرعة الواحدة هو دمج التعليمات الخاصة بتجميع الإنزيم الناسخ لقالب الرنا والذي يستطيع تكوين نُسخ عديدة من قالب الرنا لانتاج المستضدات.

طوّرت شركة بيونتك من تقنية التضاعف. فقبل مرض الكوفيد-19، وضعت الشركة أغلب تركيزها على لقاحات مرض السرطان. فبسمعة مُثْبتة، وقدرة إنتاج واسعة، وتدفق نقدي كبير مُتوقَع من مبيعات لقاح الكوفيد-19.

ذَكرَ المؤسس المُشارك والرئيس التنفيذي لشركة بيونتك أوغور شاهين Uğur Şahin قائلًا: «هذا سيسمح لنا بالتوسع في برامج الأمراض المُعدية بشكلٍ أسرع».

حاولت أيضًا شركة زيفيوس Ziphius بمدينة أوستكامب في بلجيكا الاستفادة من نشاط فيروس كورونا. تأسست الشركة في شهر آيار/مايو عام 2019 في البداية لتطوير علاجات مُعتمِدة على الرنا للأمراض النادرة مثل ضمور دوتشين العضلي، والتليُّف الكيسي. وعدَّلت الشركة العام الماضي من خططها التطويرية وذلك بعد البدء بالعمل على لقاح الرنا المُتضاعَف ذاتيًا لمرض الكوفيد-19. يقول الرئيس التنفيذي كريس كاردون Chris Cardon: «أن الشركة الناشئة تحاول الآن جمع 30 مليون يورو بما يُعادِل 37 مليون دولار أمريكي لتعزيز عدد 14 من البرامج ما قبل السريرية للعديد من الأمراض المُعدِية».

قد تُواجه لقاحات الرنا ظروفًا مالية مُعاكِسة. ولا يتوقع الكثير من العاملين في الصناعة أن يستمر الاهتمام الحالي الشديد عندما يَضعف الوباء.

قال ناثانيل وانج Nathaniel Wang الرئيس التنفيذي لشركة Replicate Biosciences في سانتياغو كاليفورنيا والذي أسسها العام الماضي بالمشاركة مع العالم Geall لتطوير علاجات السرطان المُعتمِدة على الرنا: «إن من الصعب جدًا اقناع الناس بالمُراهنة على هذا النوع من تكنولوجيا اللقاحات ضد الأمراض المُعدية».

كما ذكر وانج أيضًا أن الشركة قامت ببعض الشراكات الأكاديمية والتجارية حول لقاحات الرنا ضد الكوفيد-19، وفيروس زيكا. وهذا مالا تريد تمويله معظم شركات رأس المال الاستثماري.

مع احتلال لقاحات الرنا عناوين الصحف الرئيسية كان العالم Geall وزملاؤه السابقين يستعيدون أيامهم في شركة نوفارتس. لو لم تَقُم الشركة ببيع وحدة اللقاحات الخاصة بها هل كان من الممكن أن تساعد في القضاء على تفشي فيروس إيبولا وزيكا في العقد الأخير؟

وقال كريستيان ماندل Christian Mandl الرئيس السابق للبحوث والتطوير السريري المُبكِر بوحدة اللقاحات في شركة نوفارتس: «إن هناك دائمًا حزنٌ صغير عند النظر إلى الماضي». ولكنه يجد عزاءه من نجاح لقاحات الكوفيد-19 اليوم. حيث قال: «أنا فخورٌ جدًا أننا قدَّمنا مُساهمةً قَيِّمة».

المصادر: 1