[the_ad_placement id="scine_before_content"]

وهم الزمن، قد يكون اللغز الأعظم!

يجادل أندرو جاف Andrew Jaffe دراسة الفيزيائي كارلو روفيلي Carlo Rovelli في كتابهِ نظام الزمن The Order of Time والتي يقول فيها: «إن الفيزياء تفقد شعورنا بالزمن».

وفقًا للفيزيائي النظري كارلو روفيلي Carlo Rovelli، فإن الزمن هو وهم illusion؛ أي إن إدراكنا البسيط لتدفق الزمن لا يتوافق مع الواقع المادي. في الواقع، كما يجادل روفيلي في كتابه «نظام الزمن» أن الزمن أكثر من كونهِ وهم حتى أكثر من تصور إسحاق نيوتن Isaac Newton للساعة الكونية المطلقة. وتصوُّر ألبرت أينشتاين Albert Einstein لنسيج الزمكان النسبي والذي يمثل وسط مرن قابل للاعوجاج لذلك يكون الزمن مختلفًا اعتمادًا على السرعة النسبية أو بالقرب من كتلة معينة، هو مجرد تبسيط مؤثر لا أكثر.

إذن ما هو رأي روفيلي من الواقع؟ لقد أفترض روفيلي أن الواقع ما هو إلا شبكة معقدة من الأحداث التي يُبنى عليها تسلسل الأحداث في الماضي والحاضر والمستقبل. وبذلك يخضع الكون بالكامل لقوانين ميكانيكا الكم والديناميكا الحرارية بغض النظر عن نَشأة الزمن.

يعد روفيلي أحد رواد ومنشئي نظرية الجاذبية الكمية الحلقية Loop quantum gravity theory، وهي إحدى المحاولات المستمرة للدمج بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة. على عكس نظرية الأوتار السائدة، لا تحاول الجاذبية الكمية أن تكون «نظرية لكل شيء» حيث يمكننا أن نحكم عالم فيزياء الجسيمات والجاذبية، بل تحاول دمج المادة الموجودة في النموذج العياري بالنطاق المؤسس للحالة الصرفة للجاذبية الكمومية. ومع ذلك، غايتها في الدمج ما بين هاتين النظريتين المختلفتين أساسًا لهو أمرٌ لا يُصدق.

تزامنًا وإلهامًا بعمله في الجاذبية الكمومية، طرحَ روفيلي فكرة «الفيزياء اللازمنية». هذا ينبع من حقيقة أن بعض معادلات الجاذبية الكمومية مثل معادلة وييلر-دوايت Wheeler-DeWitt، والتي تعين الحالات الكمومية الكونية ويمكن كتابتها دون أية إشارة إلى الزمن على الإطلاق.

أبانَ روفيلي بأن الوجود الظاهري للزمن في إدراكنا للواقع وفي الوصف المادي، المكتوب باللغات الرياضية لنيوتن، أينشتاين وإرفين شرودنغر Erwin Schrödinger لا يأتي من معرفتنا للزمن بل من جهلنا بهِ. «إلى الأمام في الزمن» هو الاتجاه الذي يزداد فيه الإنتروبي ويعرف الطبيعة اللاعكسية للزمن، والذي نكتسب فيه المعلومات.

يُقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء. الأول «إنهيارُ الزَّمَنِ»، محاولات روفيلي لإظهار كيف أن نظريات الفيزياء السائدة تفكك أفكارنا ذات المنطق السليم. أظهر لنا أينشتاين أن الزمن مجرد بعدٌ رابع وعدم وجود شيء خاص حيال «الحاضر»؛ حتى «الماضي» و«المستقبل» غير معروف دائمًا. مرونة الزمان والمكان تعني أن وقوع حدثان بعيدان عن بعضهما يمكن أن يحدثان بنظمٍ واحد عندما يُرصدان بواسطة راصد واحد، وبعكس النظم عندما يُرصدان بواسطة راصدٍ آخر.

يعطي روفيلي وصفًا جيدًا لفيزياء نيوتن ولودفيغ بولتزمان Ludwig Boltzmann الكلاسيكية، والفيزياء الحديثة من منظور أينشتاين وميكانيكا الكم. كذلك وجود توازن بين الديناميكا الحرارية ونظرية احتمال بايزي Bayesian probability باعتمادهما على مفهوم الإنتروبيا، والذي قد يستخدم للمجادلة بأن تدفق الزمن هو سمة ذاتية في الكون، وليسَ جزءًا موضوعيًا من الوصف المادي.

لكن لنتوقف على بعض التفاصيل لتصريحات روفيلي. مثلًا، من غير المؤكد أن الزمكان المكمم بمعنى أن الزمكان ممتلئ بأقل الأطوال أو فترات «طول بلانك أو زمن بلانك». وإذا كان كذلك، فسيكون فهمنا أفضل لتلك الفترات الصغيرة جدًا عندما توصف بميكانيكا الكم والنسبية.

في الجزء الثاني «العالمُ بلا زَمَنٍ»، يضع روفيلي فكرة أن الأحداث مجرد تعبير لزمن وموقع معطيان لشيء قد يحدث، بدلًا من كون الجسيمات أو الحقول هي المكونات الأساسية للعالم. تتمثل مهمة الفيزياء في وصف العلاقات بين تلك الأحداث كما أشار روفيلي: «العاصفة ليست شيئًا، بل مجموعة من الأحداث». على صعيدنا، يشبه كل من تلك الأحداث تفاعل الجسيمات في موقع وزمن معينين؛ لكن الزمان والمكان ذاتهما لا يظهران سوى تفاعلاتهما والنسيج الناشئ بسبب تلك التفاعلات.

في الجزء الأخير «مصادِرُ الزَّمَنِ»، يعيد روفيلي بناء كيف نشأت أوهامنا، من منظور الديناميكا الحرارية وميكانيكا الكم. ويجادل بأن تصورنا لتدفق الزمن يعتمد كليًا على استحالة رؤيتنا للعالم بكل تفاصيلهِ، مستندًا بذلك على مبدأ الريبة الكمي والذي يعني أننا لا نستطيع معرفة موقع وسرعة جميع الجسيمات في الكون. إذا استطعنا معرفة ذلك فلن يكون هناك إنتروبيا، وعندها ينهار الزمن. أنشأ روفيلي «فرضية الزمن الحراري» مع عالم الرياضيات الفرنسي ألان كون Alain Connes. وتعد فرضية الزمن الحراري حلًا محتملًا لمشكلة الوقت في النظرية الكلاسيكية والكمية كما طرحها كارلو روفيلي وألان كون. يُعتبر التدفق المادي للزمن خاصية أساسية للنظرية، وهي ميزة عيانية ذات أصل ديناميكي حراري.

يعد نظام الزمن كتاب موجز وأنيق. يبدأ كل فصل بإستنسابٍ من الشاعر اللاتيني الكلاسيكي هوارس Horace خاصةً قوله: «لا تُرهقنَّ نفسَك بحساباتٍ عويصةٍ». وترجمة الكتاب من الإيطالية من قبل إيريكا سيجر Erica Segre وسيمون كارنيل Simon Carnell، هي أكثر أناقةٍ من ذلك في معظم كتب الفيزياء.

يجلب روفيلي باقتدار أفكار الفلاسفة مثل مارتن هايدغر Martin Heidegger وإدموند هوسيرل Edmund Husserl، كذلك عالم الاجتماع إميل دوركايم Émile Durkheim وعالم النفس وليام جيمس William James، إلى جانب فلاسفة الفيزياء مثل هيلاري بوتنام Hilary Putnam ويلارد فان أورمان كواين Willard Van Orman Quine. أحيانًا، يراوغ في المزعم مثلًا، يصف روفيلي جزئه الأخير بأنه «حُممًا متوهَّجة من الأفكار؛ أفكارٌ منيرة أحيانًا، ومربكة في أحيانٍ أخرى».

أخيرًا، لسنا من مشتري أفكار روفيلي حول كلًا من الجاذبية الكمية الحلقية أو فرضية الزمن الحراري. وهذا الكتاب وحده لن يعطي القارئ غير المتخصص معلومات كافية ليقدم رأيهِ. ومع ذلك، فإن نظام الزمن يثير ويستكشف المشكلات الكبيرة التي تعتبر شبه أزلية في الفيزياء الحديثة، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالطريقة كوننا مخلوقات مُتَنَاهية تراقب وتتشارك في العالم واحد.

المصادر: 1