الممالك الثلاث للجسيمات في العالم الكمي

يتناسب كل جسيم في واحدة من ثلاث فئات أو ممالك: البوزونات Bosons، الفرميونات Fermions والأنيونات Anyons حيث اكتُشفت الأخيرة في العام الماضي. يمكنك أن تتصور هذه المجموعات بشكلٍ مماثل لمستويات التصنيف للحياة العضوية، كلٌ منها مختلفةٌ عن الأخرى كالنباتات والحيوانات والبكتيريا.

الوقع المرصود بأكملهِ مُنشأ من الركائز الثلاث هذه وخصائصها، الفرميونات المنعزلة والبوزونات الاجتماعية والأنيونات الشاذة تأتي بآثارٍ هائلة على نظم الكون، وكذلك التكنولوجيا البشرية. ولكن كيف يمكن لهذه الركائز الأساسية أن تنتج التنوع المذهل للمادة والظاهرة التي يمكن أن نراها من حولنا، ناهيك عن السلوك الغريب الذي لم يشهدهُ معظمنا إطلاقًا؟

مملكتان تقليديتان

لعدة قرون، كان العلماء في حيرة من قِبل ظاهرة ثنائية في الطبيعة بين المادة والضوء. في أوائل القرن العشرين، وحدت ميكانيكا الكم في النهاية المجالين من خلال إظهار أن كلًا من الإلكترون والفوتون يخضعان لنفس المعادلات الرياضية. تحت ظروفٍ معينة، يمكن لكلٍ منهما أن يتصرف كجسيمٍ أو موجة.

قال الفيزيائي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والحائز على جائزة نوبل، فرانك ويلكزك Frank Wilczek: «لقد كان تقدمًا عظيمًا عندما اتضح إن أنواعًا مختلفةً من الجسيمات لها وصفٌ موحد في الواقع». لكن ينطبق هذا التوحيد فقط على الجسيمات المفردة، بمجرد أن يختلط أثنين أو أكثر منهما، فإن سلوكهم الجماعي يكشف فئةً مختلفةً من الجسيمات دون الذرية بين البوزونات والفيرميونات.

البوزونات، والتي سُميت تَيمنًا بالفيزيائي الهندي ساتيندرا ناث بوز Satyendra Nath Bose، متجانسة مع عالم الجسيمات والفوتونات نموذجًا لها. قال ويلكزك: «تقنيًا، فإن البوزونات تُظهر احتمالًا معززًا لتكون في نفس الحالة الكمية». وأضاف: «بصورة أدق، يمكنك القول أنها تحاول فعل الشيء نفسه». فكر في شعاع الليزر: فهو مصنوع من عدد لا يحصى من الفوتونات تتحرك جميعها في نفس الاتجاه، وتظهر نفس اللون بمعنى آخر تتعاون معًا.

الفرميونات، والتي سُميت تَيمنًا بالفيزيائي الإيطالي إنريكو فيرمي Enrico Fermi، غير متجانسة مع بعضها. أي إنها ترفض احتلال نفس الحالة الكمية أو لتوسيع نطاق الفكرة، لا تود فعل الشيء نفسه. هذا هو جوهر مبدأ الاستبعاد لباولي Pauli exclusion principle، والذي نجد مثاله في الإلكترونات. تُجبر الإلكترونات على الدخول في أغلفة (مدارات) مختلفة حول ذراتها، نظرًا لاستحالة وجود إلكترونين في نفس الحالة الكمية. ينتج عن هذا الترتيب المحدود جميع العناصر الموجودة في الجدول الدوري، إلى جانب خواصها الكيميائية المبهرة.

في الحقيقة تكمن أهمية هذا التنافر في سبب عدم انهِيار الذرات. في كل مرة نخطوا فيها خطوةً يمنعنا هذا التنافر من السقوط عبر الأرض (أي المرور خلالها كضوء يخترق مادة شفافة). وبالمثل على المستوى المجهري فإن هذه التنافر هو ما يحافظ على الأقزام البيضاء، وهي النوى المحترقة والمضغوطة للنجوم مثل شمسنا، من الاصطدام بنفسها. قال ويلكزك: «إن هذه المقاومة الكامنة للإلكترونات تلعب دورًا مهمًا للغاية في الكون في سياق كلٌ من المستوى الذري ومستوى الفيزياء الفلكية. ومن دونها سيتحول كل شيء بسرعة إلى مادة هلامية غير منتظمة».

شجرة عائلة الجسيمات

يُنظر إلى الفرميونات عمومًا على أنها الجسيمات التي تشكل المادة: الكواركات Quarks التي تتحد لتكوِّن البروتونات Protons والنيوترونات Neutrons؛ والليبتونات Leptons التي تشمل الإلكترونات Electrons والميونات Muons والتاوون Taus الأقل شهرة، والنيوترينوات Neutrinos عديمة الكتلة تقريبًا والتي نادرًا ما تتفاعل مع مادة أخرى.

في حين أن البوزونات هي الجسيمات الحاملة للقوة؛ الفوتونات Potons والغلوونات Gluons وبوزونات Z وW. تتبادل الفرمونات هذه البوزونات بينها لتوليد القوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية القوية والقوة النووية الضعيفة على التوالي. ومن المفترض أن يكون هنالك الجرافيتون Graviton المسؤول عن الجاذبية ولكنه لم يُكتشف بعد. وأخيرًا بوزون هيغز Higgs حيثُ لا يمثل قوة في حد ذاته بل يُضفي الكتلة على الفرمونات.

لكن الاختلاف بين المادة والقوة أعلاه هو نوع من التبسيط المبالغ فيه. تحت ظروفٍ معينة يمكن أن تصبح الفرميونات بوزونات، وهذه هي الطريقة التي تتكون بها الميوعة الفائقة. الفرق الأساسي بين الفرميونات والبوزونات في الواقع هو لفها المغزلي Spin أو زخمها الزاوي. تمتلك جميع البوزونات عددًا صحيحًا من اللف المغزلي مثل «0 و1 أو 2»، بينما تمتلك الفيرميونات نصف العدد الصحيح من اللف المغزلي مثل «1/2 أو 3/2».

كلُ شيءٍ متوفر

حتى وقت قريب، كانت البوزونات والفرميونات هي الفئات الوحيدة المثبتة من الجسيمات، وكلاهما يسكن الفضاء ثلاثي الأبعاد الذي نعرفه. لكن رياضيًا، كان هنالك دائمًا احتمال آخر؛ جسيمات مقتصرة في بعدين. يطلق عليهم الأنيونات Anyons، بالمعنى الدقيق للكلمة هم أشباه جسيمات أو جسيمات ناشئة نتيجة للإثارات المُنشأَة من نشاط الجسيمات الأخرى في المادة. لن تجدها أبدًا خارج المواد بمفردها، فهي لا تتناسب مع نظم الإلكترونات والفوتونات.

ويلكزك ملهمًا: «لكن بعد كل شيء ما هو الجسيم؟» هو تكاثفٌ طاقي له سمة محدِّدة بالنسبة له حيث يمكنه التنقل وله خصائص تناتجية. والأنيونات تستوفي تلك المعايير فضلًا عن الجسيمات أخرى. الجسيمات هي كيفية إمكانية الطاقة أن تنظم نفسها في وحدات. إذا كنت تعيش داخل المادة وليس لديك معرفة جيدة بها، لأسميتها بالجسيمات. إنه بالكاد أكثر غرابةً من أن تطلق على الذرة أو بروتون هذا الأسم لأن كلاهما يتكون من وحدات أولية (جسيمات أولية).

بالرغم من عدم توفر تأكيد على وجود أي أنيونات حتى العام الماضي، إلا أن ويلكزك وزملاؤه توقعوا وجودها في ثمانينيات القرن الماضي. أطلق عليها ويلكزك اسم إشارة صريح لحقيقة كون الأمر يتعلق بهذه الجسيمات الشاذة القابعة في العالم الكمي، فكل شيء مباح. فهي لا تتماشى مع بعضها ولا تتجنب بعضها البعض تمامًا، مثل الجسيمات في الممالك الأخرى.

تقنيًا، هذا بسبب دوالها الموجية وهي الصيغ الرياضية المستخدمة لوصف الحالة الكمومية للجسيم. عندما يدور بوزونان حول بعضهما البعض، فإن دوالهما الموجية الابتدائية والنهائية متطابقة، أي لم يتغير شيءٌ فيهما. بتكرار الأمر مع الفيرميونات ستتوقف دوالها الموجية بمعامل «1-». قال ويلكزك: «مع الأنيونات يمكنك الحصول على أي شيء تقريبًا». إن سلوك الجسيمات في الممالك التقليدية صارم بالمقارنة مع سلوك الأنيونات. وأضاف: «في حين أن البوزونات والفيرميونات هي شيء واحد إلى حدٍ ما، فإن الأنيونات هي عائلة أكبر بكثيرٍ من حيث المفاهيم».

أضف الأنيونات للعمل

قال ويلكزك: «اكتشاف الأنيونات فتح عوالم جديدة بالكامل لظواهر الجسيمات». حتى أن العلماء استكشفوا تطبيقاتها قبل أن يُثبتَ أي شخص وجودها. والأهم هي الأغراض العملية فهي تمتلك نوع من الذاكرة أي يمكن أن تستخدم لتخزين المعلومات.

لفهم ما يجري، تحتاج أولًا إلى فهم «خطوط العالم World lines» وهي مسارات الجسيمات عبر المكان والزمان. يمكن أن تتشابك مثل الجسيمات التي تحرك حول بعضها، مما يؤدي إلى إحالة الدالة الموجية للجسيمات المعنية وتسجيل تحركاتها طوال الوقت. يشبِّه الفيزيائيون العملية بتجديل الشعر. بشكلٍ غير متوقع، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا في الأبعاد المنخفضة، حيث يصعب الكشف عن خطوط العالم. أما في فضاء ذو ثلاثة أبعاد يكون الأمر أسهل، وفي أربعة أبعاد لا يوجد شيء معقد.

إن ذاكرة الأنيون ليست كذاكرتنا بالطبع، ولكنها قد تكون كذلك على المستوى المجرد. قال ويلكزك: «إنه كتضمين لما حدث في الماضي يستمر في المستقبل». من المحتمل أن يكون الاستخدام الموعود لهذه الخاصية هو في الحوسبة الكمومية، حيث تُمَثَل البٍتات الكمومية أو الكيُوبِت Qubits من المعلومات بحركات الأنيونات، مثل الآحاد والأصفار في رقاقة الكمبيوتر. يعتقد الخبراء أن هذا يمكن أن يثبت أنه منصة أكثر استقرارًا لما هو اليوم لأجهزة الكمبيوتر الحساسة للغاية، غالبًا ما تكون غير كفؤة بسبب الاضطرابات الطفيفة من البيئة الخارجية. لقد أمضت ميكروسوفت Microsoft خصوصًا سنوات في محاولة لتسخير هذه التكنولوجيا.

لن تصادف الأنيونات في حياتك اليومية. على عكس البوزونات والفرميونات التي تشكل كل شيء مألوفٌ لنا، فإن الأنيونات تكون فقط في مواد ثنائية الأبعاد مُبردة إلى ما يقرب من الصفر المطلق وتخضع لمجالات مغناطيسية قوية، قال ويلكزك: «إن الأنيونات ليست شيئًا تتعثر بهِ وأنتَ تمشي في الشارع. ومع ذلك، فهو ملعب عظيم لميكانيكا الكم».

المصادر: 1