ليون فستنغر ونظرية التنافر المعرفي

يعتبر ليون فستنغر من أبرز علماء النفس الأمريكيين وذلك لما قدمه من أبحاث وتجارب ونظريات في علم النفس الاجتماعي كما كتب العديد من المؤلفات العلمية من أهمها كتاب نظرية التنافر المعرفي وكتاب نظرية المقارنة الاجتماعية.

ليون فستنغر

ولد ليون فستنغر في مدينة نيويورك في الثامن من مايو في عام 1919، دخل الثانوية واجتهد في دراسته حتى حصل على درجة البكالوريوس في العلوم من جامعة سيتي كولدج في نيويورك (City College of New York) وفي عام 1939، استمر فستنجر في دراسته حتى نال درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة أيوا في عام 1942 بعد إتمام دراسته على يد عالم النفس الشهير كيرت لوين، وفي نفس العام تزوج فستنغر من عازفة البيانو ماري بالو التي أنجب منها ثلاثة أبناء (كاثرين، وريتشارد، وكيرت)، وفي عام 1951، أصبح أستاذًا في علم النفس في جامعة مينيسوتا، وفي عام 1955 انتقل فستنغر إلى جامعة ستانفورد لكي يصبح أستاذًا في علم النفس في عام 1968 في المدرسة الحديثة للبحوث الاجتماعية في نيويورك التي يرأسها الأستاذ هرمان شتاودنغر، وفي العام التالي، تزوج فستنغر من أستاذة بكلية الخدمة الاجتماعية في جامعة نيويورك ولم ينجب منها.

توفي فستنجر في عام 1989 بعمر التاسعة والستين تاركًا وراءه الكثير من النظريات والمؤلفات والأبحاث العظيمة.

واليوم سنتحدث عن نظرية التنافر المعرفي التي وضعها فستنجر والتي تعتبر من أهم النظريات التي اكتشفت في علم النفس:

في عام 1954 تنبأت جماعة دينية في شيكاغو أن الساعة ستقوم في يوم محدد من ذلك العام وعندما سمع عالم النفس الأمريكي فستنجر الخبر انظم ومساعده إلى هذه الجماعة بحجة أنهما مؤمنان بتلك النبوءة أما غاية فستنجر الحقيقة فكانت أن يرى حال أعضاء الجماعة قبل موعد النبوءة وبعدها.

مارس فستنجر ومساعده شعائر هذه الجماعة وكان يرى أعضائها مقتنعين تمامًا أن الساعة ستقوم في ذات الوقت المحدد وأنهم كانوا يديرون حياتهم على أساس أن نهاية العالم قد اقتربت، وفي اليوم المحدد اجتمع أعضاء الجماعة وكانوا بالمئات في مقر قيادتها استعدادًا للحظة الحاسمة في منتصف الليل، ودقت الساعة الثانية عشرة واستمر عقرب الدقائق بالمضي ولم تقم الساعة، وأبناء الجماعة ينظرون إلى ساعاتهم بدهشة ولا يجدون تفسيرًا لما يجري.

وبعد بضعة دقائق ظهرت القيادة العليا لهم لتقول إن الرب قد رحم العالم وأجل موعد قيام الساعة الى يومٍ آخر سيتم تحديده لاحقًا.

بعد هذه التبرير انقشعت غمامات الاضطراب عن أبناء الجماعة وزال توترهم واستمروا في إيمانهم بعقيدتهم وعلى إثر هذه القصة، ألّف عالم النفس ليون فستنجر كتابه “عندما تفشل النبوءة” ووضع فيه قانونًا يعتبر من أهم قوانين علم النفس أسماه التنافر المعرفي ويقصد فيه الحالة التي تنتاب الإنسان عندما يحصل له تعارض صارخ بين اعتقاده وإدراكه أي بين ما يؤمن به وبين ما يدركه في الواقع.

وجد الباحث أن الكثير من الناس لو كان إيمانهم عميقًا فإنهم ربما سيبحثون عن أي تفسير ولو كان سخيفًا حتى يتكئوا عليه ويبقوا على إيمانهم ويبرروا واقعهم.

عقل الإنسان لا يحتمل الحيرة طويلًا ولذلك فهو يحاول مسرعًا أن يتخلص من اضطرابه كي يعود إلى طمأنينته، وفي كثير من الأحيان يبقى على عقيدته، خاصّةً لو إنه ضحّى من أجلها.

وهنالك تجربة أُخرى أجراها العالم فستنجر كان الهدف منها إظهار طبيعة النفس البشرية وخصوصًا إننا كبشر غالبًا ما نقوم بسلوكيات محددة تتوافق مع معتقداتنا وأفكارنا وإذا اضطررنا للقيام بسلوكيات محددة تتنافى مع معتقداتنا أو مع الإطار المعرفي الذي نمتلكه ونؤمن فيه غالبًا ما سنشعر بضغط كبير، وكلما زاد التنافر ما بين سلوكنا ومعتقداتنا كل ما زاد إحساسنا بالضغط والضيق وعلى الأغلب سنتعرض إلى ضغط نفسي شديد ونرفض الوقوع في حالة التنافر المعرفي.

في عام 1959 استخدم فستنجر وكلارسمث 71 تلميذ كمتطوعين ليقوموا بعمل مهمات مملة مثل تدوير وتد صغير في علبة خشبية لمدة ساعة ثم أُعطي لكل منهم إما عشرين دولارًا أو دولارًا واحدًا فقط، مقابل أن يقول واحدهم لمتطوع آخر (وهو في الحقيقة من ضمن كادر العالِم) في غرفة الانتظار أن هذه التجربة كانت ممتعة! كل من شارك تقريبًا وافق على هذا الشرط وذهب الى ذلك المتطوع الاخر محاولًا إقناعه بمتعة التجربة.

بعد ذلك طُلب منهم أن يُقَيموا التجربة، الغريب أن المتطوعين الذين أُعطوا دولار واحد قالوا أن التجربة ممتعة جدًت غير أن أولئك الذين أُعطوا 20 دولار لم يكونوا بهذا الحماس.

كانت النتيجة غريبة بصورة ما، وتفسير ذلك هو أن المتطوعين الذين دُفع لهم دولارًا واحدًا اعتقدوا أن هذا المبلغ ليس حافزاً كافياً للكذب ونتيجة لذلك اختبروا تنافر معرفي لم يستطيعوا قهره إلا بإقناع نفسهم أن هذه التجربة كانت حقا ممتعة ومسلية. لكن المتطوعين الآخرين لم يختبروا مثل هذا التناقض فقد حصلوا على 20 دولارًا، سبب كافي للكذب.

أغلب هؤلاء الاشخاص رفضوا إعادة التجربة بمقابل مبلغ من المال لأنهم اعتقدوا أن التجربة أو المهمة المطلوبة منهم مملة ولا تستحق هذه المبلغ من المال.

المصادر: 1 - 2