[the_ad_placement id="scine_before_content"]

تمييز ريتشارد فاينمان بين المستقبل والماضي

«لدينا وعي مختلف لما يمكن أن يحدث أكثر مما لدينا لما حدث».

فكر الفيزيائي ريتشارد فاينمان Richard Feynman عند إلقاء محاضرته الخامسة في جامعة كورنيل في عام 1959 في مسألة «ما الذي يميز المستقبل عن الماضي؟» تبدأ محاضرته مع التمهيد الآتي:

إن جميع الظواهر في العالم تسير بخط لا رجوع فيه. أعني الأشياء تحدث ولا يمكن أن تحدث بشكل عكسي، تسقط كوبًا وينكسر، تجلس لوقت طويل في انتظار أن تتجمع القطع وتقفز مرة أُخرى إلى يدك، إذا شاهدت أمواج البحر وهي تنهار، يمكنك الوقوف هناك وانتظار اللحظة الرائعة التي تتجمع فيها الرغوة، وترتفع فوق البحر، وتتراجع بعيدًا عن الشاطئ، سيكون الأمر جميلًا جدًا.

وقد أشار فاينمان: « إن هذا لن يحدث هذا في العالم الحقيقي أبدًا. إذا قام أحدهم بتشغيل مقطع فيديو عكسيًا كما حدث في الأيام الأولى للسينما، فمن المرجح أن رد الفعل العفوي للجمهور هو الضحك».

«حتى بدون تجربة الأمر -السير عكس الخط- فإن تجاربنا الداخلية مختلفة تمامًا بالنسبة للماضي والمستقبل»

لماذا يكون تحول الماء الراكد إلى موجات منكسرة أمرًا طبيعيًا تمامًا، لكن تحول الأمواج المنكسرة إلى حالتها السابقة من السكون التام أمرًا مستحيل؟ لماذا نفكر في المستقبل والماضي على أنهما مختلفان؟

نتذكر الماضي ولا نعرف المستقبل

لدينا نوع مختلف من الوعي حول ما يمكن أن يحدث أكثر مما لدينا لما حدث.

يشير فاينمان إلى إن الاختلاف بين المستقبل والماضي يتجلى فينا نفسيًا، بالرغم من أننا غير قادرين على وصف السبب بدقة ونجد أنه من المستحيل الاعتقاد بأننا نستطيع التأثير على ماضينا، ومع ذلك ما زلنا نؤمن في الغالب بالإرادة الحرة فيما يتعلق بالمستقبل.

وعلاوة على ذلك يبدو الماضي والمستقبل مختلفين تمامًا من الناحية النفسية، بمفاهيم مثل الذاكرة وحرية الإرادة الظاهرة، بمعنى أننا نشعر أنه يمكننا فعل شيء ما للتأثير على المستقبل، لكن لا أحد منا يعتقد أن هناك أي شيء يمكننا القيام به للتأثير على الماضي.

ويتجلى عدم الإيمان بقدرتنا على التأثير في الماضي في عواطفنا أيضًا، مثل الندم والحزن وكذلك في إيماننا بالآمال والأحلام وهذا يميز تمامًا الماضي والمستقبل نفسيًا بالنسبة لنا ومع ذلك، كيف يمكننا تفسير نفس التمييز جسديًا؟

اللارجعة

«يمكن عكس الأحداث بمعنى أن السير في اتجاه واحد أمر محتمل، ولكن الذهاب في الاتجاه الاخر، على الرغم من انه ممكن، لن يحدث في خلال مليون عام».

الآن إذا كان العالم مصنوعًا من الذرات، ونحن أيضًا مصنوعون من الذرات ونطيع القوانين الفيزيائية، فإن التفسير الأكثر وضوحًا لهذا التمييز الواضح بين الماضي والمستقبل، وهذه اللارجعة لجميع الظواهر هو أن بعض القوانين وبعض قوانين الحركة للذرات، تسير في اتجاه واحد – أي أن قوانين الذرة ليست من النوع الذي يمكن أن تذهب في أي من الاتجاهين.

وأوضح فاينمان من قبل «ينبغي أن تكون في مكان ما في العمل نوع من القواعد وهي Uxles التي تجعل Wuxles، وليس العكس، وبالتالي فأن الكون يتحول من الصيغة Uxley إلى الصيغة Wuley في كل وقت-وهذا العمل- ينبغي أن يكون أسلوب التفاعل بين الأشياء، وهو الشيء الذي يجعل ظواهر الكون كلها تبدو وكأنها تسير في اتجاه واحد».

«يجب أن يعمل الفيلم بنفس الطريقة، ويجب أن لا يضحك الفيزيائي الذي ينظر إليه».

قانون الجاذبية

خذ قانون الجاذبية «كل جسم يجذب جسم أخر في الكون بقوة تتناسب طرديًا مع ناتج كتلتهما وعكسيًا مع مربع المسافة بينهما»: إذا كان لدي شمس وكوكب، وأجعل الكوكب يدور حول الشمس في اتجاه ما، ثم أسجل فيديو له، وأعكس الفيديو للوراء وأنظر إليه، ماذا يحدث؟ الكوكب يدور حول الشمس في الاتجاه المعاكس، ويستمر في الدوران بشكل إهليجي.

وتصل سرعة الكوكب لدرجة أن المنطقة التي يجتاحها نصف القطر دائمًا تكون واحدة في أوقات متساوية، في الحقيقة، يسير الكوكب بالطريق الذي يجب أن يسير به، ولا يمكن تمييزه عن الاتجاه الاخر.

لذا قانون الجاذبية هو من النوع الذي لا يحدث أي فرق في الاتجاه، من منظور القانون فإن سير الكوكب للأمام أو للخلف في الوقت المناسب لا يحدث فرقًا.

قوانين الكهرباء والمغناطيسية هي نفسها، ويمكن عكسها أيضًا مع مرور الوقت، مثل القوانين التي تصف التفاعل النووي.

التعقيد

وأشار فاينمان، إذا نظرنا أقرب قليلًا، فإننا ندرك أن التفسير أعلاه لا يأخذ جميع النقاط:

إذا نظرنا إلى كواكب المجموعة الشمسية وهي تتحرك حول الشمس، سنجد أن ليس كل شيء على ما يُرام تمامًا وعلى سبيل المثال، دوران الأرض حول محورها يتباطأ قليلًا ويرجع ذلك إلى احتكاك المد والجزر، ويمكنك أن ترى أن الاحتكاك.

وأن التأثير الاحتكاكي هو نتيجة التعقيد الذي ينشأ نتيجة التفاعل بين الذرات المهتزة لمادتين معًا، وقابلية الرجوع في التأثير الاحتكاكي، وفي هذا المجال ليس مباشرًا كما هو الحال في حركة الرجوع للكواكب.

تجربة الفكر: خزان المياه

لنتفرض أن لدينا ماء أزرق، مع حبر، وماء نقي ، بدون حبر، في خزان، مع وجود حاجز بينهما، نسحب الحاجز وننتظر قليلًا، سيختلط الماءالأزرق مع ماء النقي، يكون الماء بعد فترة من الوقت نصف نسبته ماء أزرق والنصف الاخر ماء أزرق فاتح، واللون موحد وموزع في جميع الأنحاء.

الأن، هل نتوقع أن ينفصل السائل إلى ماء أزرق وماء نقي مرة أخرى؟ قد اجاب فاينمان، يمكننا أن نفعل شيئًا للفصل بينهما، ولكن لأيمكن أن ينفصلوا تلقائيًا،ويعطينا هذا بعض الأدلة. إذا قمنا بتشغيل فيديو التجربة إلى الوراء، ونحن مندهشون لرؤية مادة مختلطة تنفصل.

الآن، إذا قمنا بتكبير الصورة أكثر، ماذا نتوقع أن نرى؟ نتوقع أن نرى جزيئات عشوائية أو متوترة من اللون الأزرق والأبيض، والتفاعل في حركة متواترة ويتوقف مدى عشوائية الجزيئات على درجة الحرارة.

تهتز وتصطدم الذرات وتنتقل المليارات والمليارات منها للطرف الاخر عند إزالة الحاجز، وتكون حركتها غير منتظمة، وتختلط الذرات مع بعضها البعض وهذا هو السبب في تحول لون ماء إلى أزرق فاتح.

عند مشاهدة فيديو لمليارات ومليارات الاصطدامات وستشاهد الذرات تتجمع وترتد عن بعضها البعض. شغل الفيديو بشكل عكسي واسأل نفسك، «هل تتصرف الذرات بشكل مختلف عندما نشغل الفيديو للعكس بدلًا من الأمام؟» اسأل فيزيائيًا وسيخربك أنه كلا التفاعلات التي يتم تشغيلها بشكل عكسي تحدث وفقًا لقوانين الفيزياء و تفاعلهم قابل للعكس.

التصادمات الذرية قابلة للعكس، حتى لو لم يكن هناك مليارات من التصادمات الذرية.

طبيعة المستقبل والماضي

إجراء تغيير غير منتظم على جزأين منفصلين، يصبحان أكثر تجانسًا، لكن، إجراء تغيير غير منتظم على جزأين متجانسين، لا يؤدي ذلك إلى انفصالهما و يمكن فصلهما. فهي ليست ضد قوانين الفيزياء يمكن أن تنفصل عند ارتدادها إنه أمر غير محتمل، ولن يحدث هذا أبدًا في خلال مليون سنة. هذا هو الجواب لطبيعة المستقبل والماضي.

وهكذا يعلن فاينمان، أن التمييز بين الأحداث في الماضي والأحداث في المستقبل، قد يكون سهم الزمن في الواقع بسيطًا مثل التمييز بين الأحداث غير المتحملة للغاية، والأحداث ذات الاحتمالية الأعلى نسبيًا. يمكن أن تنفصل المياه الزرقاء والبيضاء، كما لو كُنا نشغل الفيديو للوراء، كما لو كنا ننتقل للوراء في الوقت المناسب، ولكن هذا الحدث ببساطة غير مرجح في عالمنا، لا تحدث الكثير من هذه الأمور في الكثير من الأحيان، بما يكفي لتكون كذلك ومن المحتمل أن نراهم في حياتنا القصيرة نسبيًا.

«يمكن عكس الأحداث بمعنى أن السير في اتجاه واحد أمر محتمل، ولكن الذهاب في الاتجاه الاخر، على الرغم من انه ممكن، لن يحدث في خلال مليون عام».

تفسير الأحداث بالمقاييس الصغيرة والكبيرة

الان اذا وضعت صندوقًا يحوي على أربع أو خمس جزيئات من كل النوعين الأبيض والازرق مع مرور الوقت ستختلط هذه الجزيئيات. ولكن اعتقد إذا واصلنا المشاهدة في التواطؤ الدائم الغير منتظم لهذه الجزيئيات، بعد بعض الوقت –ليس بالضرورة مليون سنه، ربما فقط سنة- سنرى بالصدفةعودة بعض الجزيئيات إلى حالتها الأصلية، بمعنى أنني إذا وضعت حاجزًا في المنتصف، فستكون كل الجزيئيات البيضاء في جانب والزرقاء في الجانب الاخر.

إعادة تصور تجربة فاينمان بنطاق أصغر، لن نجد أنفسنا متفاجئين برؤية أنه في وقت ما بعد إزالة الحاجز، تتحرك الجزيئيات الزرقاء الأربعة إلى الجانب الأيمن، والجزيئيات البيضاء تتحرك نحو الجانب الأيسر.

«فإنه ليس من المستحيل، فالكائنات الفعلية التي نعمل بها لا تحتوي على أربعة أو خمسة جزيئات من اللون الأزرق والأبيض فقط، لديهم أربعة أو خمسة ملايين، وملايين، وملايين، وملايين من الجزئيات الزرقاء والبيضاء وجميعها ستنفصل بهذه الطريقة».

«الشيء يسير في اتجاه واحد».

يشجع المهتمين بقراءة المزيد من آراء فاينمان حول السببية وسهم الزمن الحصول على كتاب «The Character of Physical Law»

هذا المقال جزء من سلسلة من القصص حول موضوعات متعلقة بالرياضيات، نُشِرَتْ في Cantor’s Paradise، وهي مطبوعة أسبوعيًا على موقع Medium .

مفاهيم:

الموجة المنكسرة: هي موجة يصل اتساعها لمستوى حرج حيث يمكن أن تبدأ بعض العمليات فجأة في الحدوث مما يؤدي إلى تحويل كميات كبيرة من طاقة الأمواج إلى حركة مضطربة.

المصادر: 1