مجسم ثلاثي الأبعاد لخلية إنسان. بواسطة: SciePro via Adobe Stoc

ما هي الحياة؟ لماذا لم تجب الفيزياء وعلم الأحياء على هذا السؤال؟

حتى بعدَ 75 عامًا من وصف إرفين شرودنغر Erwin Schrödinger التنبؤي لشيءٍ مثل الحمض النووي DNA، ما زلنا لا نعرف «قوانين الحياة».

  • أَحْدَثَ كتابُ إرفين شرودنغر (ما هي الحياة؟ ?What is life) الذي صَدَرَ عام 1944، ثورةً في طريقة تفكير الفيزيائيين حول قوانين الحياة. توقع شرودنغر كيف يمكن للحمض النووي أن يحمل المخطط الأساسي للحياة.
  •  لكن في السنوات الأخيرة، ظَهَرَ مسارٌ جديد حاملًا وعدًا فريدًا للمضي قُدمًا. بدلًا من اختزال علم الأحياء في الفيزياء، فإن التوجه الجديد من شأنه أن يحول كليهما.
  • يعتقد العلماء العاملين في مختلف المجالات أن فهم الحياة يتطلب وضع ممثل جديد على المسرح والسماح له بأخذ زمام المبادرة: تدفق المعلومات Information flow.

في عام 1944 اعتُبِرَ إرفين شرودنغر أحد أعظم علماء الفيزياء في جيله لاكتشافه المعادلة الأساسية للفيزياء الكمية والتي تصف الواقع على المستوى الذري. لكن لكونهِ مهوّسًا فكريًا، كان شرودنغر مستعدًا لتناول موضوع أكثر صعوبة: (طبيعة الكائنات الحية The Nature of Organisms). تساءل شرودنغر: «ما الذي يجعل الأنظمة الحية مختلفةً عن غير الحية؟»، اختُزِلَت نتائج تفكيره في واحدٍ من أهم الكتب ضمن النطاق المثير والحرج بين الفيزياء وعلم الأحياء. تعنون الكتاب بنفس التساؤل «ما هي الحياة؟». تستحق أفكارهُ النظر إليها الآن بعد أكثر من 75 عامًا من نشرها، بسبب توجه أفكار جديدة مذهلة تنفتح نحو إجابةٍ تؤكد وتتجاوز رؤية شرودنغر الأصلية.

كتاب «ما هي الحياة؟» بقلم إرفين شرودنغر، الطبعة ثانية لعام 1946. على اليمين: عالم الفيزياء النمساوي الحائز على جائزة نوبل الدكتور إرفين شرودنغر يخاطب المؤتمر العالمي الخامس للطاقة في فيينا – النمسا عام 1956. بواسطة: Dan Nguyen via Flickr / Keystone / Hulton Archive / Getty Images

ركّز الكتاب على أهمية إيجاد المبادئ الفيزيائية الأساسية التي تجعل الأنظمة الحية تتصرف على نحو مختلف تمامًا. تأمل الكتاب في إيجاد قوانين الحياة مماثلةً لقوانين الطبيعة الأساسية التي وجِدَتْ في مجالات الفيزياء الأخرى. بالنظر إلى الحياة من وجهة نظر الفيزيائيين، رأى شرودنغر أن إحدى أكثر خصائص قوانين الحياة إلزامًا هي انتهاك القانون الثاني للديناميكا الحرارية السائد. ينص القانون الثاني: «على أن تطور أي نظام فيزيائي يميل دائمًا نحو حالات الفوضى العظمى أي الانتروبيا عظمى». ولكن على مستوى جسم الكائن الحي، تمكنت الحياة من إنشاء درجات مذهلة من النظام والحفاظ عليها وبذلك تتغلب على الفوضى لفترة على الأقل. هكذا وبطريقةٍ ما أبدت الحياة ما أسماه شرودنغر بـ «نينتروبيا Negentropy» أو إنتروبيا سلبية.

بعتبارهِ أحد مؤسسي ميكانيكا الكم العلم الذي يدرس العالم المجهري فَكَرَ شرودنغر بعمق حول ميكانيكا الحياة على المستوى الجزيئي. هنا تمتع شرودنغر ببصيرة وكما هو معروف خَمَنَ بأنه يجب أن توجد (بلورة لادورية Aperiodic crystal) داخل الخلية تحتوي على المعلومات اللازمة لنقل السمات الوراثية من جيلٍ إلى آخر مما يسمح بعمل التطور. يقصد شرودنغر هنا أن البلورة اللادورية هي جزيء له بنية مستقرة ومنتظمة (أي قابل للتكرار). إلا أنه إذا كانت منتظمة جدًا وقابلة للتكرار فلا يمكنك استخدامها لتشفير بنية الكائن الحي، لذا فإن «اللادورية Aperiodic» تعني قابلة للتكرار نوعًا ما. بعد مرور عقد، نَسَبَ فرانسيس كريك Francis Crick وجيمس واتسون James Watson الفضل إلى هذا التخمين باعتباره مصدر إلهامهم لاستخدام بيانات الأشعة السينية لروزاليند فرانكلين Rosalind Franklin لاكتشاف الحمض النووي كالمخطط الأساسي للحياة.

حسنًا، «ما هي الحياة؟» كان كتابًا مهمًا للغاية. إلا أنه بعد 75 عامًا من نشره ورغم قوة الكتاب، لم يُعثر على أيًا من القوانين الفيزيائية الأساسية للحياة. لا توجد F = ma أو E = mc^2 أو حتى معادلة شرودنغر للأنظمة الحية. على الرغم من عقود من البحث، لم يتمكن الفيزيائيون من اختزال مجالات عالم الأحياء (الخلايا والأعضاء والبيئات) بشكلٍ كامل إلى مجالاتهم الخاصة (الذرات والطاقة والقوى). لكن في السنوات الأخيرة، ظهرَ مسارٌ جديد يحمل وعدًا فريدًا للمضي قدمًا. بدلًا من اختزال علم الأحياء في الفيزياء، فإن التوجه الجديد من شأنه أن يحوّل كليهما.

بالتركيز على شبكات تدفق المعلومات تبزغ القوانين. لذلك، لن تُضمن قوانين الحياة في قوانين الكواركات.

تَجَلَّى للعلماء العاملين ضمن هذه المجالات، مثل بول ديفيز Paul Davies، وسارة ووكر Sara Walker، ولي كرونين Lee Cronin، هو أن فهم الحياة يتطلب وضع ممثلٍ جديد على المسرح والسماح له بأخذ زمام المبادرة. هذا الممثل هو المعلومات. بدلًا من التركيز على ميكانيكا الحياة بمعنى كيف يمكن أن يُبنى كائن حي على قوانين الذرات يرى الباحثون أن ما يهم حقًا هو كيف تصبح الذرات والجزيئات قنوات لتدفق المعلومات المعقد. بدلًا من مجرد التفكير في القوى أو تبادل الطاقة بين الأجزاء الجزيئية، يصبح المفتاح هو رؤية الجميع؛ بالنظر إلى كيفية النظر إلى هذه الأجزاء على أنها شيء آخر، شيء لا يظهر إلا عندما تصبح المعلومات مهمة للنظام.

لماذا المنظور الجديد جذري؟ الأهم هو أنه ليس اختزالي. هذا يعني أنه لا يختزل الحياة فقط إلى القوانين التي تحكم الكواركات أو أيًا كان نوعها. لا شك أن الحياة عبارة عن نظام فيزيائي، ولكن من خلال إنشاء وتسخير رقصة الباليه المعقدة لتدفق المعلومات، فإن الحياة تفعل شيئًا رائعًا، إنها تخلق. بالتركيز على شبكات تدفق المعلومات تبزغ القوانين. لذلك، لن تُضمن قوانين الحياة في قوانين الكواركات. بالمقابل لا تظهر إلا عندما يُجمع ما يكفي من المادة معًا في الظروف المناسبة لتصبح شبكات تدفق المعلومات ممكنة. «عندما يدخل الإِبداع في الكون».

والنتيجة الجذرية الأخرى لرؤية الحياة على أنها رقصة من المعلومات راكبةً المادة هي أن هذا البزوغ مستمرٌ بالتصاعد. تمامًا كما تبزغ قواعد جديدة للخلايا، فإنها تظهر لمجموعات من الخلايا الأخرى في الحيوانات أو النباتات. وبعد ذلك حتى القواعد الأحدث تبزغ أعلى على مستوى النظم البيئية المكونة من العديد من الحيوانات والنباتات. وحتى على المستويات العليا، يجب أن تبزغ قوانين وهياكل جديدة في إنشاء المنظمات الاجتماعية عبر النمل أو قبائل الشمبانزي، أو حتى الثقافات التكنولوجية العالمية.

سنستكشف منظور تدفق المعلومات حول الحياة في قادم الأيام، ولكن في الوقت الحالي يكفي التعرف على إحدى نقاط البداية الرئيسية. كانت خطوة شرودنغر الأولى «ما هي الحياة؟» رائعة لأنه رأى المعلومات تلعب دورًا مركزيًا في تلك البلورات اللادورية. ولكن ما لم يستطع رؤيته هو كيف أن التركيز على تدفق المعلومات سيغير ليس فقط الإجابة ولكن السؤال الذي طرحه بالذات. لأنه إذا كنت ستركز على المعلومات، فإن السؤال التالي الذي سيتعين عليك معالجته هو «من أو ما الذي يعرف تلك المعلومات؟».

المصادر: 1