[the_ad_placement id="scine_before_content"]

العلاقة الجينية بين القلق والاكتئاب

تقول الاحصائيات أنه من بين كل شخصين يعانيان من الاكتئاب فإن هناك احتمالًا جيدًا أو أكثر من جيد أن أحدهما قد عانى من اضطرابات القلق النفسية في مرحلة ما من حياته.

وفي حين أن أسباب كلا المرضين في غاية التعقيد فإن الدور التي تلعبه الجينات (المورثات) جعلنا مهيئين للإصابة وهذا أمر لا يمكن إنكاره.

جاءت منشأة QIMR للأبحاث الطبية بهذه الدراسة الجديدة التي حددت أكثر من 509 جين (مورثة) مشتركة بين مرضي الاكتئاب والقلق.

كشفت الدراسات السابقة قائمةً طويلةً من الجينات التي تلعب دورًا في اضطرابات المزاج كالقلق والاكتئاب، ولكن معظمها لا زالت كالمشتبه به الذي عُثر عليه في مسرح الجريمة بدون أن يُعرف الكثير عن دوره في حدوثها.

تقول عالمة الوراثة النفسية في QIMR Berghofer إيسكي دريكس Eske Derksبخصوص الموضوع: «حتى الآن لا نعرف الكثير عن الأسباب الجينية لمعاناة بعض الناس من الأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب».

يُغطي مصطلح اضطرابات القلق طيفًا واسعًا من الأمراض المختلفة كنوبات الهلع والعديد من أنواع الرهاب (الفوبيات) حيث تشترك جميع هذه الاضطرابات بالإحساس بالتوتر والهم الذي يترافق غالبًا مع تغيرات فيزيولوجية كارتفاع ضغط الدم.

بالمقابل فإن الاكتئاب يُعرف على إنه اضطراب نفسي يتضمن أعراضًا مثل ضعف الهمة ومشاعر الحزن وفقدان المتعة حتى أنها قد تصل إلى أفكار أذية الذات أو الانتحار في الحالات الشديدة.

من ناحية إحصائية فإن ما يقارب 2-6% من سكان العالم يمكن تشخيصهم بالاكتئاب مما لا يجعله عاملًا مهمًا يسبب الصحة العقلية السيئة فحسب بل واحدًا من أشد المشاكل الصحية التي تصيب المجتمع بشكلٍ عام، ولا تختلف اضطرابات القلق كثيرًا في هذه الناحية، فإنها تخل بالحياة اليومية الطبيبعة لمئات ملايين الأشخاص حول العالم، بذلك يمتلك المرضان مجتمعين أثرًا هائلًا على الجنس البشري ككل.

رغم أنهما يبدوان متعاكسين فإن أعراض المرضين تظهر متشابهةً بشكلٍ مفاجئ، تقول دريكس: «يُعد الاضطرابان مشتركي الإصابة، حيث أن ثلاثة أرباع المصابين باضطراب القلق يظهرون أعراضًا لاضطراب اكتئابي شديد كذلك»

بُحث عن مجموعات الجينات شائعة الوجود في كلا الاضطرابين وذلك بالاستعانة ببيانات أكثر من 40000 مشاركًا أُخذت عيناتهم من البنك الحيوي في المملكة المتحدة، بالإضافة إلى الانتباه إلى الصفات الشخصية المتعلقة بكلٍ من المرضين.

تُعد العُصابية Neurocitism واحدة مما يسمى بعناصر الشخصية الخمسة (هي مجموعة من الميزات الجوهرية التي تحدد أفكارنا وتصرفاتنا بثبات) ولكنه لا يعد اضطرابًا بحد ذاته، ولكن الفكرة تكمن في أن امتلاك شخصية أكثر عُصابية يتوافق بقوة مع الميل الشديد للشك بالنفس وفترات متقطعة من الاكتئاب والإحساس بالقلق، وتُفيد الأبحاث السابقة أن ما يقارب 40% من التنوع في العُصابية يعود للجينات، حيث أن الكثير من العوامل نفسها تتشارك في التأثير مع الجينات المعروف دورها في ااتسبب بالاكتئاب والقلق.

تخبرنا هذه النتائج أن هناك علاقةً ما ولكن بهدف فهم هذه العوامل على المستوى الفيزيولوجي جمع فريق البحث الجينومات المأخوذة من البنك الحيوي وصنفوها على أساس قائمة تتضمن 28 من الصفات المشتركة وغير المشتركة مع تطبيق أدوات النمذجة لإيجاد العوامل المشتركة قبل تحديد الجينات المسؤولة، ثم قورنت هذه النتائج مع قاعدة بيانات ضخمة تتضمن 1.9 مليون فردًا قد أخبروا الباحثين عن معاناتهم من الاكتئاب والقلق سابقًا، ذلك أعطى العلماء في النهاية قائمةً بالعوامل الجينية التي إما أن تكون حصريةً لأحد المرضين أو مشتركةً بينهما، حيث تقول ديركس: «استطعنا تحديد 674 جين متعلقة إما بالاكتئاب أو بالقلق، والمهم هو أن حوالي ثلاثة أرباع هذه الجينات كانت مشتركةً بين الاضطرابين»

إن تبني مقاربة ترتكز على تحديد الأعراض يفتح الطريق لدراسة الأمور التي تضعنا في خطر أكبر لكل من المرضين من الناحية الجينية، فعلى سبيل المثال إن بعض الجينات الحصرية للاكتئاب قد رُبطت سابقًا بالمستويات المرتفعة من الدهون الثلاثية في الدم مما يُلمح لوجود علاقة معينة مع الاستقلاب في حالة الاكتئاب تميزه عن اضطرابات القلق، في ذلك الشأن يقول عالم الوراثة والكاتب الرئيسي للدراسة جيكوب ثورب Jacop Thorp: «على الجانب الآخر فقد أوجدت نتائجنا أن بعض الجينات الحصرية للقلق تمتلك علاقةً مع ارتفاع ضغط الدم وذلك يتوافق مع الأبحاث السابقة التي قد أظهرت علاقةً بين هذا الاضطراب وبين ارتفاع ضغط الدم».

وجد الباحثون في امتداد للدراسة أن هذه الجينات تتوضع في مواقع لم تُربط بأي من الاضطرابين سابقًا مُعطين بذلك أساسًا جيدًا لدراسة مجموعات جديدة كليُا من الجينات، وأصبحت من الماضي السحيق الأيام التي يتوقع أحد أن يجد فيها جينًا واحدةً مسؤولةً عن اضطرابات عقلية شديدة التعقيد كالاكتئاب أو القلق حتى أن قائمةً من مئات التسلسلات لن تعطينا القصة الكاملة وراء إصابة بعضنا بفترات طويلة من سوء الحالة المزاجية أو الهم الشديد.

مع ذلك فإن الخريطة التي تربط الجينات التي نرثها مع الآليات العقلية التي نحتاجها للتأقلم مع عالم اليوم شديد الفوضوية تصبح أكثر وضوحًا، مما يوفر الفرص لإعطاء الكثير منا يد المساعدة عندما يكونون بحاجة إليها.

نشر هذا البحث في Nature Human Behavior.

المصادر: 1