[the_ad_placement id="scine_before_content"]

تشير النتائج التجريبية للميون إلى صدع في النموذج العياري وأدلة لفيزياء جديدة!

الصدع في فهم الفيزيائيين للجسيمات الأولية والقوى الأساسية يتجسد واقعًا، بعد أن أكدت القياسات الجديدة والتي أفاد بها أكثر من 200 عالم فيزيائي هذا الأسبوع أن جسيم الميون Muon الدون الذري ذو مغناطيسية أكبر من التوقعات النظرية. وكمتوقعٍ في النموذج العياري Standard Model -النظرية السائدة لفيزياء الجسيمات التي لطالما فسرت غالبية الوقائع خلف التصادمات الذرية- فإن الشذوذ والذي يعد 2.5 من جزء في المليار ترك الفيزيائيين في حيرة تلهفًا لشيءٍ جديدٍ.

أَدْلَى الفيزيائي النظري في جامعة وين ستيت، أليكسي بتروف Alexey Petrov: «قد رافقنا هوس البحث عن صدع في النموذج العياري منذ سبعينات القرن الماضي، وقد يكون هذا هو الصدع المنشود». لكن الفيزيائية النظرية في مختبر بروكهافن الوطني، سالي داوسون Sally Dawson أشارت: «لا تزال النتائج غير نهائية، ولا تحدثُ تغيرًا في فهمنا للفيزياء. وليس أمامنا سوى الأنتظار أكثر قليلًا لبيان واقعيتها من عداها».

تضم عائلة الليبتونات في النموذج العياري كلًا من الإلكترون وقريبه الميون الذي يتصرف كقضيب مغناطيسي صغير، الشيء الذي دعى الفيزيائيين للاستمرار في قياس مغناطيسيته لعقود. وطبقوا مجالًا مغناطيسيًا عموديًا على الميونات لجعلها تدور أفقيًا كإبرة البوصلة.

إن تردد الدوران للميونات يظهر مدى مغناطيسيتها مشيرًا من حيث المبدأ لوجود جسيمات جديدة، حتى تلك الجسيمات الهائلة التي لا يمكن نسفها حاليًا في محطم الذرات مثل مصادم الهادرونات الكبير LHC في أوروبا.

السبب يرجع لوجود الميون وسط سحابة من الجسيمات والجسيمات المضادة الأخرى التي تظهر وتختفي من الوجود كنتيجة لمبدأ الريبة الكمي. لا يمكن رصد هذه الجسيمات الافتراضية مباشرةً لكن ومع ذلك تؤثر على خصائص الميون. تتنبأ كل من ميكانيكا الكم والنظرية النسبية الخاصة لألبرت أينشتاين بأن الميون يجب أن يمتلك مغناطيسية أساسية محددة. تزيد الجسيمات المضمنة في النموذج العياري والتي تدور حول الميون من مغناطيسيته بحوالي 1%. أما الجسيمات القابعة خلف النموذج العياري فقد تضيف زيادة أخرى غير متوقعة ضمن التغيير في المغناطيسية للميون.

أبلغ الباحثون في تجربة Muon g-2 وكذلك في تجربة بروكهافن في عام 2011 أن للميون مغناطيسية أكبر من المتوقعة في النموذج العياري. الشذوذ كان حوالي 2.5 مرة من اللادقة المشتركة في النظرية والتجريبية. وهذا ليس قريبًا كفايةً من معيار الفيزيائيين للتصريح باكتشاف جديد؛ والذي يجب أن يكون على الأقل خمسة أضعاف من اللادقة الكُلية. ومع ذلك، يعد هذا الشذوذ تلميحًا محيرًا لوجود جسيمات جديدة خارج فهمنا تمامًا.

لذلك وفي عام 2013، نقل الباحثون التجربة إلى مختبر فيرمي الوطني لتعجيل الجسيمات Fermilab القابع في إلينوي، حيث يمكنهم الحصول على حزم أنقى من الميونات. بحلول الوقت الذي بدأت فيه التجربة المحدثة في أخذ البيانات في عام 2018، تحسنت تنبؤات النموذج العياري لمغناطيسية الميون وأرتفع الفرق بين النتائج التجريبية والتنبؤات النظرية إلى 3.7 ضعف اللادقة الكُلية.

الآن، باستخدام البيانات المجمعة لسنة واحدة أصدر فريق تجربة g-2 أولى نتائج التجربة المحدثة. كما أعلن الفريق اليوم ضمن ندوة في مختبر فيرمي أن النتائج الجديدة تتوافق تمامًا مع النتائج القديمة. يشير التوافق إلى أن النتيجة القديمة لم تكن صدفة إحصائية أو ناتجة عن بعض العيوب غير المكتشفة في التجربة، كما قال الفيزيائي في مختبر فيرمي والمتحدث باسم فريق g-2، كريس بولي Chris Polly: «لأنني كنت طالب دراسات عليا في تجربة بروكهافن فبالتأكيد كان شعورًا رائعًا بالنسبة لي».

توسع النتائج الجديدة والقديمة معًا نطاق التعارض مع تنبؤات النموذج العياري إلى 4.2 ضعف الأخطاء التجريبية والنظرية، والذي لا يزال غير كافٍ للإدلاء باكتشاف محدد. لكن في نطاق البحث عن دلائل لفيزياء جديدة التي تظهر وتختفي، تبقى مغناطيسية الميون لغزًا فريدًا. قال الباحث النظري في جامعة أوريغون، جراهام كريبس Graham Kribs: «لا يوجد شيء آخر يجب أن يوقف المجتمع العلمي باكملة كهذا اللغز، لذلك علينا أن نتعامل معه».

كشف الباحثون التجريبين عن النتائج لأول مرة في 25 فبراير/شباط، بمشاركة فريق g-2 بأكمله لتلك اللحظة من الحقيقة. تتضمن التجربة قياس معدل الذي تدور عنده الميونات بدقة متناهية. اعتمد التجريبيون على ساعة ذات تردد سري معروف لشخصين فقط وكلاهما خارج التعاون، للحفاظ على القياسات دون أي تدخل منهم نحو القيم التي يريدونها. وعند نهاية التحليل فتحوا المظاريف التي تحتوي على التردد السري في اجتماع على منصة zoom بسبب قيود كوفيد-19. قالت طالبة الدراسات العليا أاحد اعضاء الفريق من جامعة واشنطن في سياتل، هانا بيني Hannah Binney: «بالتأكيد كان الجو متوترًا جدًا، في غظون ثوانٍ استخدم الباحثون التردد السري لنكتشف أن النتائج الجديدة تطابق القديمة».

قال بيتروف Petrov: «الردود الفورية على النتائج الجديدة ستكون على الأرجح ذات شقين». أولًا وبتأكيد القيمة التجريبية، سيساور الفيزيائيون الشك في التنبؤات النظرية من جديد. في عام 2017 التقى أكثر من 130 فيزيائي نظري في سلسلة من الندوات للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن تنبؤات النموذج العياري والذي نُشِرَ في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2020. لكن قال بيتروف: «إن الحسابات عبارة عن مزيج معقد تستخدم العديد من الطرق بما في ذلك الاستقراء من نتائج المصادم لحساب أنواع مختلفة من جسيمات النموذج العياري التي تظهر وتختفي في الفراغ. سيضاعف النظريون الآن جهودهم للتحقق من تطلعات الاجماع وتطوير أساليب حسابية تمكنهم من تحقيق التطلعات المجمع عليها من الأسس الأولى».

وبالطبع، سيبدأ آخرون في اختلاق نظريات جديدة تتجاوز النموذج العياري وتشرح المغناطيسية الإضافية للميون. يتوقع بيتروف: «سيكون هذا يومًا حافلًا للنظريين». قد تكون تأملاتهم سابقة لأوانها، حيث إن التجريبين ضمن g-2 لا يزالون يأخذون البيانات ويأملون في تقليل اللادقة التجريبية بنسبة 75% في غضون بضع سنوات. لذا فإن الشذوذ قد يتلاشى. ولكن، إذا كان الميون يشير حقًا إلى وجود شيء جديد، فسيكون العديد من النظريين حريصين على التحرك لكشف ذلك.

المصادر: 1