كيف يمكن لمواقف بايدن في الشرق الأوسط أن تؤذي أمريكا؟

لقد ركزت إدارة بايدن الجديدة إلى حدٍ كبير على الوفاء بوعودها الانتخابية في الشهر الأول من توليها السلطة، وبعد وقف سياسات ترامب نهائيًا، بايدن الآن يصب اهتمامه على الشرق الأوسط، وفي تناقضٍ مع سالفهِ، تتبنى إدارة جو بايدن نهجً دبلوماسيًا متحفظًا إزاء الأزمة الجارية في منطقة الشرق الأوسط.

في حين أن الإدارة الجديدة لم تعالج بشكلٍ كامل العقوبات الإيرانية أو اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA، فإنها زادت الضغط على بعض الدول العربية عن طريق حظر مبيعات الأسلحة الأمريكية مؤقتًا إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وفي خطابٍ تاريخي بالأمس، تناول بايدن دعم بلاده العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن ضد الحوثيين.

وقد ركزت وسائل الإعلام الدولية إلى حدٍ كبير على الموقف المتشدد الذي اتخذه الرئيس بايدن؛ فمن خلال إلغاء الدعم العسكري للقوات السعودية، يبدو أن واشنطن تدفع باتجاه التّوصل إلى حلٍ دبلوماسي للصراع، حيث تخوض المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرهما حربًا بالوكالة المدعومة من إيران ضد القوات الحوثية.

وكان رد فعل الحكومات العربية على خطاب بايدن بالأمس إيجابيًا للغاية، كما كان متوقعًا، ولا أحد من البلدان المعنية مستعدة لتعريض علاقتها للخطر مع واشنطن، وقد صرح وزير الدولة للشؤون الخارجية في المملكة العربية السعودية عادل الجبير : «أن خطاب بايدن التاريخي يؤكد التزام أمريكا بالعمل مع الأصدقاء والحلفاء على حل النزاعات»، وحملت هذه الكلمات عبارات ضمنية ولكن واضحة حيث تعهدت واشنطن بعدم نسيان الصورة الأكبر، التي تشمل كل من إيران والعراق، وتركز على كل من الجيوسياسية والطاقة.

وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن هذه الخطوة هي إجراء إداري روتيني، وإنه كان من المعتاد أن تقوم الإدارات القادمة باستعراض صفقات الأسلحة الكبيرة التي بدأتها الإدارات المنتهية ولايتها، وعلى ذلك فإن تحركات بايدن لن تقل كثيرًا في العواصم الخليجية العربية المعنية.

وسوف تراقب أطرافٌ فاعلة رئيسية أخرى، مثل مصر وإسرائيل والأردن، تحركات بايدن بعناية في الأشهر المقبلة، ومن بين المبيعات التي عُلقت صفقة ضخمة بقيمة 23 مليار دولار أميركي (19 مليار يورو) لتزويد الإمارات العربية المتحدة ب 50 طائرة مقاتلة من طراز 35-أف (من صنع شركة لوكهيد مارتن، حيث عُقِدت الصفقة في الأيام الأخيرة من رئاسة ترامب، بعد انتخابات 6 نوفمبر/تشرين الثاني، وما زال من غير الواضح ما إذا كانت صفقات أسلحة ترامب الأخرى ستُستهدف أيضًا، مثل صفقة مبيعات 3000 قذيفة موجهة بدقة في 9 ديسمبر/كانون الأول 2020، بقيمة تصل إلى 290 مليون دولار، إلى المملكة العربية السعودية.

وفي الأسابيع والأشهر المقبلة، ستركز إدارة بايدن على اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة ومعوقاتها، في حين قد يأمل الديمقراطيون والدول الأوروبية في إجراء إصلاحٍ سريع للصفقة الإيرانية، فإن هناك معوقات بارزة في سبيل تحقيق مثل هذه الصفة.

فأولًا وقبل كل شيء، تعرضت اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة السابقة للهجوم من قِبَل العديد من الدول الأوروبية بسبب الافتقار إلى آليات الرقابة.

ثانيًا، تشكل قدرات إيران المتنامية في مجال الصواريخ، والتي استُخدِمت بالفعل في العراق وسوريا واليمن ولبنان، مصدر قلق كبير لأي من الموقعين المحتملين على اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة.

ثالثًا، إن موقف إيران الحالي فيما يتعلق بالتخصيب النووي (تخصيب اليورانيوم) من شأنه أن يمنع كلًا من واشنطن، وفرنسا، وألمانيا عن التفاوض على الطاولة، ورغم أن هذه القضايا ليست جديدة بشكلٍ خاص، فإن موقف بايدن منها لا يزال غير واضحًا، ومن المرجح أن يعتمد على سياسته الخارجية الأوسع نطاقًا في الشرق الأوسط.

ولا يزال يتعين تحديد دور إدارة بايدن وعلاقتها بدول الخليج العربية، ويمكن أن يؤدي تأجيل تسليم الأسلحة أو ما يسمى بالأسلحة الهجومية إلى المملكة العربية السعودية، وربما غيرها، إلى تهيئة الساحة لأزمة سياسية محتملة في المنطقة، وإذا اقترن هذا العدوان النسبي على دول الخليج العربية بموقف أكثر إيجابية تجاه إيران، من دون تبديد مخاوف المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل ومصر، فإن واشنطن سوف تخاطر بفقدان حلفائها الرئيسيين في المنطقة.

منذ عهد أوباما، ضعُفت بشدة العلاقات الأمنية والاقتصادية الودية تقليديًا بين واشنطن ومنطقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وعلى ذلك، قد تؤدي استراتيجية جديدة مؤيدة لإيران ومعادية للعرب إلى تعرض واشنطن للنيران من الشرق الأوسط.

ليس فقط مصالح الولايات المتحدة في المنطقة التي يمكن أن تتعرض للتهديد من خلال مسار عمل جديد في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا اقتصاد كلا من الولايات المتحدة والدول الأوروبية. إن الرؤية الجديدة المؤيدة لإيران للشرق الأوسط من الممكن أن تولد في ساحة مجلس التعاون لدول الخليج العربية استعدادًا لزيادة التعاون المتزايد مع روسيا، والصين، والهند.

يمكن أن يؤدي الموقف الاستراتيجي أيضًا إلى نهج أقل تساهلًا من دول النفط العربية تجاه استراتيجيات بايدن للطاقة والانتعاش الصخري في الولايات المتحدة، كما تعد منظمة الدول العربية المصدرة للنفط (OPEC) دليل على تنامي القوة الاقتصادية باستثناء اقتصاد الولايات المتحدة.

ولن يؤدي الدعم الواسع النطاق من جانب الولايات المتحدة لإبرام اتفاق جديد بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة وزيادة الضغط على الأنظمة العربية بل سيؤدي إلى زيادة هذه القوة الاقتصادية الجديدة ويمكن أن يؤدي أيضًا إلى التقلب الشديد لسوق النفط والغاز، وعلى ذلك، سيتعين على الرئيس بايدن أن يباشر عمله بعناية في الشرق الأوسط لتجنب العواقب الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.

المصادر: 1